
«حصل تطور في موضوع البيت.»
قلبي دق أسرع.
«أي تطور؟»
قال:
«والد كريم طلب نسخة من أوراق الملكية.»
استغربت.
«ليه؟»
قال:
«بيقول إنه محتاج يتأكد من وضع البيت قبل ما يوقع على بعض الإجراءات.»
سألته:
«وإنت قلت له إيه؟»
قال:
«قلت له إن المستندات مش باسمه.»
سكت.
وبعدين ضحكت بهدوء.
لأول مرة من شهور…
حسيت إن الحقيقة بدأت تتحرك من مكانها.
—
بعد يومين، حصل شيء ماكنتش متوقعاه.
كنت في البيت، والتوأم نايمين، لما سمعت جرس الباب.
فتحت.
كان كريم.
واقف لوحده.
ومن أول نظرة عرفت إن فيه حاجة مختلفة.
ماكانش داخل بعنجهية المرة اللي فاتت.
ولا كان ماسك أوراق طلاق.
كان ماسك ظرف بني كبير.
وقال:
«مريم… محتاج أتكلم معاكي.»
قلت:
«اتفضل.»
دخل.
قعد قدامي.
وحط الظرف على الترابيزة.
وقال:
«أبويا لقى حاجة في أوراق البيت.»
ما اتكلمتش.
كمل:
«فيه اسم ظهر في مستند قديم.»
فضلت ساكتة.
قال:
«الاسم ده… اسم شركة.»
سألته:
«وبعدين؟»
بصلي باستغراب.
«الشركة دي مرتبطة بيكي؟»
رفعت عيني له.
وقلت:
«ليه بتسأل؟»
فتح الظرف وطلع مجموعة أوراق.
حط أول ورقة قدامي.
وقال:
«أبويا راح للمحامي عشان يفهم إزاي البيت اتنقل من وضعه القديم للوضع الحالي.»
وبعدين قلب الورقة.
وتجمدت ملامحه.
لأنه كان شايف اسمي.
مريم عبدالسلام.
تحت اسم الشركة.
وتحتها توقيعي.
فضل ساكت.
وأنا ما ساعدتوش.
خليته يقرأ.
خليته يستوعب.
خليته لأول مرة يشوف الحقيقة بعينه.
وبعد دقائق، رفع رأسه وقال:
«إنتِ…»
سكت.
«إنتِ اللي اشتريتي البيت؟»
ما ردتش.
قال بصوت أعلى:
«مريم، إنتِ اللي سددتي ديون أبويا؟»
قلت بهدوء:
«أيوه.»
رجع بظهره للكرسي.
كأنه اتلقى صدمة.
«بس… إزاي؟»
قلت:
«زي ما شفت في الورق.»
فضل يبصلي.
وبعدين قال:
«يعني نورا…»
ما كملش.
قلت:
«نورا ماعملتش حاجة.»
وشه اصفر.
«بس أمي كانت بتقول…»
قاطعته:
«عارفة كانت بتقول إيه.»
سكت.
لأول مرة من يوم ما اتجوزنا، كريم ماكانش عنده كلام.
لكنه فجأة سألني سؤالًا أغرب:
«إنتِ كنتِ مخبية عني كل ده ليه؟»
بصيت له فترة طويلة.
وقلت:
«لأني كنت فاكرة إنك بتحبني أنا… مش إنجازاتي.»
خفض عينه.
لكن المفاجأة الحقيقية لسه ماوصلتش.
لأن الورقة اللي كانت في إيده ماكانتاش أهم ورقة.
كان فيه مستند تاني.
مستند ماكانش كريم شافه لسه.
وفي اللحظة اللي فتح فيها الصفحة الأخيرة…
تغيرت ملامحه تمامًا.
قال:
«مريم… مين الشخص ده؟»
بصيت للمكان اللي بيشاور عليه.
وكان الاسم المكتوب تحت بند خاص بالملكية والضمانات:
مريم عبدالسلام… والجهة الحكومية التي تمثلها في الاتفاق.
رفع عينه ناحيتي.
«إنتِ مش موظفة إدارية، صح؟»
ماجاوبتش.
قال:
«إنتِ كنتِ بتقوليلي إن شغلك مجرد مكتب واجتماعات.»
فضلت ساكتة.
فهم من سكوتي إن الإجابة أكبر من مجرد نعم أو لا.
وقف.
«إنتِ كنتِ بتشتغلي فين بالضبط؟»
قبل ما أجاوبه، رن هاتفه.
بص للشاشة.
المكالمة كانت من والده.
رد.
وبعد أقل من دقيقة، تغير لون وشه.
قفل المكالمة.
وبصلي.
وقال:
«أبويا بيقول إن فيه ناس من الجهة الحكومية سألوا عن البيت.»
سكت لحظة.
ثم قال:
«مريم… إنتِ مين بالضبط؟»
وأنا وقتها أدركت إن السر اللي حاولت أخفيه طول سنين…
خلاص ما بقاش ممكن يفضل مخفي.
فضل كريم واقف قدامي، وعينيه ثابتة عليّ.
«إنتِ مين بالضبط يا مريم؟»
المرة دي ماحاولتش أهرب من السؤال.
قلت له:
«أنا الشخص اللي كنت فاكره طول السنين دي مجرد موظفة عادية.»
سكت.
«شغلي مرتبط بملفات حكومية حساسة، وعشان طبيعة شغلي ماكانش مسموح لي أتكلم عن تفاصيله حتى مع أقرب الناس ليا.»
هز رأسه ببطء.
«بس إنتِ ماقلتيليش أي حاجة.»
قلت:
«لأنك ما سألتش.»
رفع عينيه بسرعة.
«يعني كنتِ عايشة معايا وبتخبي عني حياتك كلها؟»
رديت بهدوء:
«لا. أنا كنت بحاول أحمي خصوصية شغلي. فيه فرق.»
فضل ساكت.
وبعدين قال:
«والشركة؟»
قلت:
«الشركة قانونية، وأنا المالكة ليها. بستخدمها في استثمارات خاصة بعيد عن شغلي الحكومي.»
قعد تاني.
واضح إن دماغه كانت بتحاول تجمع قطع صورة جديدة تمامًا عن زوجته.
المرأة اللي كان بيقول عنها إنها «ماعملتش حاجة مهمة».
المرأة اللي كان بيعتقد إنها محتاجة تعتمد عليه.
المرأة اللي كانت بالنسبة له مجرد زوجة حامل قاعدة في البيت.
طلع الظرف من جديد.
وقال:
«طب ليه اشتريتي بيت أهلي؟»
قلت:
«عشان مايتطردوش منه.»
«وليه ماقولتيليش؟»
بصيت له مباشرة.
«كنت هتصدقني؟»
ما ردش.
وده كان كفاية.
—
بعد لحظات، قال:
«نورا كانت عارفة؟»
قلت:
«هي عرفت جزء من الموضوع.»
«وعملت نفسها هي اللي أنقذت البيت؟»
«أيوه.»
غمض عينيه.
واضح إن الحقيقة كانت تقيلة عليه.
قال:
«وأنا صدقتها.»
قلت:
«أيوه.»
«وأنا كنت بقولك إنك مش بتعملي حاجة.»
ما جاوبتش.
قال بصوت منخفض:
«وأنا طلبت منك الطلاق بعد ما ولدتِ أولادي بيومين.»
قلت:
«أيوه.»
سكت فترة طويلة.
وبعدين قال:
«أنا كنت غبي.»
لأول مرة حسيت إن الجملة دي ماكانتاش كفاية.
قلت:
«الغلط مش إنك ماعرفتش أنا بعمل إيه يا كريم.»
رفع عينه.
«الغلط إنك حكمت عليّ من غير ما تعرف.»
فضل ساكت.
كملت:
«الغلط إنك صدقت إن الشخص اللي بيقف قدام الناس ويقول إنه ساعد أهلك أهم من الشخص اللي فعلًا ساعدهم.»
«والأصعب… إنك صدقت إن قيمة مراتك لازم تتقاس بالحاجات اللي إنت شايفها.»
نزل عينه للأرض.
لكن قبل ما يتكلم، رن تليفونه.
كانت والدته.
رد.
سمعت صوتها عالي من الطرف الآخر.
«كريم، تعالى بسرعة!»
سألها:
«في إيه؟»
قالت:
«المحامي اكتشف حاجة تانية في أوراق البيت.»
بص لي.
ثم قال:
«حاجة إيه؟»
صمتت والدته ثواني.
وبعدين قالت:
«البيت مش بس مملوك للشركة… فيه بند بيحمي حقنا في الإقامة مدى الحياة.»
كريم ابتسم ابتسامة حزينة.
«أيوه يا أمي. أنا عرفت.»
سكتت.
وبعدين سألت:
«عرفت من مين؟»
بص لي.
وقال:
«من مريم.»
المكالمة انتهت بعدها بدقائق.
—
في نفس الليلة، كريم راح لبيت أهله.
وأنا فضلت في البيت مع التوأم.
ماكانش عندي أي رغبة أعرف اللي هيحصل هناك.
لكن بعد حوالي ساعتين، تليفوني رن.
كان كريم.
ما رديتش.
رن تاني.
برضه ما رديتش.
وبعدها وصلتني رسالة:
«مريم، أرجوكي ردي. لازم نتكلم.»
حطيت الموبايل بعيد.
أنا ماكنتش عايزة أسمع اعتذار.
ولا كنت مستعدة أسمع تبريرات.
لكن بعد دقائق، جت رسالة تانية.
«نورا كانت عارفة كل حاجة.»
وقتها مسكت التليفون.
قرأتها مرة تانية.
ثم وصلت رسالة ثالثة:
«هي كانت بتقول لأمي إنك ماكنتيش قادرة تساعديهم، وإنها هي اللي تدخلت.»
قلبي ما اتحركش.
كنت متوقعة ده.
لكن الرسالة اللي بعدها هي اللي خلتني أتوقف.
«نورا كمان قالت لأبويا إن الشركة اللي اشترت البيت شركة تابعة ليها.»
هنا فهمت إن الموضوع أكبر من مجرد كذبة.
كانت نورا بتحاول تنسب لنفسها شيء لم تفعله.
لكن السؤال كان:
ليه؟
—
في صباح اليوم التالي، ظهر الجواب.
كريم وصل البيت ومعاه والدته.
حماتي كانت منهارة.
مش عشان الطلاق.
ولا عشان علاقتها بيا.
لكن عشان اكتشفت إن نورا كانت بتكذب عليها.
قالت وهي بتبكي:
«أنا ظلمتك يا مريم.»
ما رديتش.
قربت مني.
«أنا كنت فاكرة إنها هي اللي وقفت جنبنا.»
قلت:
«أنا ماعملتش اللي عملته عشان آخد شكر.»
قالت:




