
— فيه استفسارات عن مراسلات قديمة مرتبطة بالقصر، وفيه طلب للتأكد من صحة بعض المستندات.
مازن سكت.
وبعدين قال بصوت منخفض:
— اسمعني كويس. ما تعملش أي حاجة من نفسك، وما تبعتش أي ورق لأي حد غير لما أكلمك.
الوسيط رد بتردد:
— أنا مش عايز أدخل نفسي في مشكلة يا مازن. من البداية، أنا كنت فاهم إن كل حاجة هتتم بشكل قانوني.
مازن ضغط على الموبايل بقوة.
— ومين قال لك إنها مش قانونية؟
— محدش. لكن أنا محتاج أتأكد إن كل الأطراف موافقة، خصوصًا إن العقار مسجل باسم تالا.
أنهى مازن المكالمة من غير ما يرد.
كان عارف إن مجرد كون القصر مسجل باسمي مش تفصيلة بسيطة، لكنه طول الوقت كان بيتعامل مع الأمر كأنه مشكلة يقدر يحلها بالكلام والضغط.
كان فاكر إن وجوده كزوج كفاية عشان يفرض نفسه على كل قرار يخص البيت.
لكن النهارده، بدأ يكتشف إن الواقع مختلف.
دخلت أمه سعاد الأوضة، ولقته واقف جنب الشباك، بيتكلم في الموبايل بعصبية.
سألته:
— مالك يا مازن؟ إنت من ساعة ما كلمتك المحامية وإنت متغير.
رد بحدة:
— مفيش حاجة.
قربت منه وقالت:
— ما تقوليش مفيش حاجة. أنا سمعتك بتتكلم عن مستندات وتوقيعات. فيه إيه؟
لف ناحيتها، وقال:
— تالا قررت تعمل مشكلة، وبدل ما تتكلم معايا، بعتت محاميتها.
سعاد عقدت حاجبيها.
— طيب، ما هو القصر باسمها. إنت كنت متوقع إنها تعمل إيه لما تلاقيك قافل الباب في وشها؟
بص لها بصدمة.
— إنتِ بتدافعي عنها دلوقتي؟
ردت:
— أنا مش بدافع عن حد. أنا بس عايزة أفهم. إنت قلت لي إن كل حاجة هتكون تحت السيطرة، وإننا هنقدر نرتب أمورنا من غير مشاكل. دلوقتي بتقول لي إن فيه محامية، ومستندات، وتوقيعات مش واضحة!
مازن حاول يغير الموضوع.
— الموضوع تحت السيطرة يا أمي.
لكن سعاد ما اقتنعتش.
قالت:
— أنا عايزة أعرف الحقيقة. إنت قلت لي من شهور إنك هتعمل ترتيبات تخص القصر. هل تالا كانت عارفة بكل حاجة؟
مازن سكت.
وكان سكوته كافيًا يخلي الشك يدخل قلبها.
كررت السؤال:
— مازن، تالا كانت عارفة ولا لأ؟
رد أخيرًا:
— مش كل التفاصيل.
سعاد رجعت خطوة لورا.
— يعني إيه مش كل التفاصيل؟
رفع صوته:
— يعني كنت بحاول أرتب مستقبلنا! إنتِ عارفة إن تالا عندها ممتلكات كتير، وإنها بتتعامل مع كل حاجة كأنها ملكها وحدها. أنا جوزها، ومن حقي يكون لي دور في القرارات!
سعاد ردت بقلق:
— إنك تكون جوزها مش معناه إنك تقدر تستخدم اسمها من غير موافقتها.
مازن بص لها بغضب.
— هو إنتِ كمان هتوقفي ضدي؟
قالت بهدوء:
— أنا مش ضدك يا ابني. لكن مش عايزة أشوفك بتخسر حياتك بسبب قرار غلط.
ما ردش.
لأنه كان عارف إن المشكلة الحقيقية مش في كلام أمه.
المشكلة إن فيه مستندات بدأت تظهر، وإنه مش عارف المحامية وصلت لإيه بالضبط.
في اليوم التالي، وصلتني رسالة من نهى بتطلب مني الحضور إلى مكتبها.
لما وصلت، لقيتها مجهزة ملفًا جديدًا، ومعاها محاسب قانوني متخصص في مراجعة المعاملات العقارية، اسمه الأستاذ سامح.
بعد التحية، قالت لي:
— يا تالا، بدأنا نراجع المستندات اللي وصلتنا، وقارنّا التوقيع الموجود على الورقة بالتوقيعات المعتمدة في ملفاتك. فيه اختلافات تستدعي فحصًا فنيًا متخصصًا، لكن ما نقدرش نعلن إن التوقيع مزوّر قبل ما الفحص يكتمل.
سألتها:
— طيب، إيه علاقة سعاد بالموضوع؟
فتحت الملف، وطلعت نسخة من مراسلات بين الوسيط العقاري وشخص كان بيتابع بعض الإجراءات.
قالت:
— اسم سعاد ظهر في مراسلات مرتبطة بالاستفسار عن العقار، لكن وجود اسمها وحده مش دليل على إنها ارتكبت مخالفة. إحنا محتاجين نعرف دورها الحقيقي، وهل كانت على علم بطبيعة المستندات، ولا مجرد طرف في نقاشات عائلية.
سامح أضاف:
— كمان بنراجع إذا كان فيه أي طلب رسمي لتغيير بيانات الملكية أو أي معاملة اتقدمت بالفعل. لحد دلوقتي، ما عندناش دليل إن ملكية القصر اتنقلت، ودي نقطة مهمة جدًا.
حسيت براحة بسيطة.
على الأقل، القصر ما زال باسمي، ومفيش دليل إن حد نجح في نقل ملكيته.
لكن كنت محتاجة أعرف الحقيقة.
سألت نهى:
— وإيه الخطوة الجاية؟
ردت:
— هنطلب المستند الأصلي للفحص، وهنراجع مصدره، وهنحتفظ بكل المراسلات المتاحة. لو ظهرت أدلة على تزوير أو استخدام غير مشروع لتوقيعك، هنحدد الإجراءات القانونية المناسبة.
وبعدين بصت لي بجدية.
— وفيه حاجة تانية. مازن حاول يتواصل مع المكتب مرتين النهارده، وكان عايز يعرف إذا كنتِ ناوية تبيعي القصر.
ابتسمت ابتسامة ساخرة.
— بعد ما طردني منه، بقى مهتم يعرف إذا كنت هبيعه؟
نهى ردت:
— ده حقك في النهاية، لكن أنصحك ما تتخديش قرار البيع تحت ضغط أو غضب. لازم تفكري في كل الاحتمالات، خصوصًا إن عندك طفلة صغيرة، وأي قرار يخص العقار لازم يكون لمصلحتك وعلى أساس معلومات كاملة.
هزيت رأسي.
كنت فعلًا محتاجة أفكر.
القصر بالنسبة لي ما كانش مجرد مبنى كبير.
كان المكان اللي تعبت سنين عشان أملكه، والمكان اللي كنت بحلم أربي بنتي فيه، وأعمل لها ذكريات حلوة.
لكن بعد اللي حصل، بقيت مش عارفة إذا كنت قادرة أعيش فيه تاني وأنا فاكرة إزاي اتقفلت الأبواب في وشي.
قلت لنهى:
— أنا مش هبيع القصر لمجرد إني زعلانة. لكن كمان مش هسيب حد يفرض عليَّ أعيش فيه أو أتنازل عنه. عايزة آخد قراري بإرادتي، مش خوفًا من مازن ولا من عيلته.
ابتسمت نهى.
— وده القرار الصح.
بعد ما خرجت من المكتب، لقيت سبع مكالمات فائتة من مازن.
ما رديتش.
بعد دقائق، وصلتني رسالة منه:
«تالا، لازم نتكلم. الموضوع خرج عن السيطرة، وإنتِ مش فاهمة كل حاجة».
قرأت الرسالة، وحطيت الموبايل في شنطتي.
بعدها بدقائق، بعت رسالة تانية:
«أنا راجع القاهرة بكرة. عايز أقابلك لوحدنا، من غير محامين ولا تدخلات من عيلتك».
المرة دي، رديت عليه.
كتبت:
«أي نقاش يخص القصر أو المستندات هيكون من خلال المحامية. ولو عندك حاجة عايز توضحها، تقدر تتواصل معاها».
ما كملتش دقيقة، ولقيته بيتصل.
ترددت للحظة، ثم رديت.
صوته كان مختلفًا عن المعتاد. ما كانش فيه نفس الغرور اللي سمعتُه منه امبارح.
قال:
— تالا، أنا عارف إنك زعلانة، وعارف إن موضوع الباب كان تصرف غلط. لكن إنتِ مكبرة الموضوع.
سألته بهدوء:
— أنا اللي كبرت الموضوع يا مازن؟ أنا رجعت من المستشفى ببنتي، ولقيت جوزي مانعني أدخل بيتي!
سكت لحظة.
ثم قال:
— كنت محتاج مساحة أفكر، وأمي كانت مصممة تسافر، والموضوع حصل بسرعة.
ضحكت بمرارة.
— فقررت تغيّر كود الباب وتسيبني أنا وبنتك في الشارع؟
رد بعصبية:
— ما كنتش أقصد إنك تفضلي في الشارع!
قلت:
— لكن ده اللي حصل.
سكت.
ثم قال:
— اسمعيني، أنا راجع بكرة، وعايز نبدأ صفحة جديدة.
سألته:
— والورقة اللي عليها اسمي والتوقيع اللي مش مطابق لتوقيعاتي؟ دي كمان جزء من الصفحة الجديدة؟
الصمت اللي جه بعد سؤالي كان مختلفًا.




