قصص وروايات

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

شعر أبي بأن الأرض تتحرك تحت قدميه.

كان اسم جلال منصور بالنسبة إليه أكثر من مجرد اسم لرجل أعمال.

لقد أمضى سنوات يحاول ترتيب لقاء معه، وأرسل إليه طلبات تعاون عديدة، وعرض عليه الدخول في مشروعات مشتركة، لكن كل محاولاته لم تثمر عن شيء.

والآن، الرجل الذي انتظر طويلًا فرصة لمقابلته هو نفسه الذي بدأ يراجع الاتفاقيات التي تقوم عليها أجزاء مهمة من إمبراطوريته.

لكن الصدمة الحقيقية لم تكن قد وصلت بعد.

### شروق تكتشف أن المزحة لم تعد مضحكة

في الجانب الآخر من القاعة، كانت شروق تجلس مع صديقاتها، تضحك وهي تقرأ التعليقات على الصورة التي نشرتها لآدم.

قالت إحداهن:

«إنتِ مش خايفة أختك تزعل منك؟»

ردت شروق باستهزاء:

«تزعل ليه؟ هي اللي اختارت تعيش حياتها بالشكل ده. وبعدين بابا وماما معاها حق، إحنا مش مطالبين نجامِل حد.»

لكن ضحكتها اختفت عندما بدأت تصلها رسائل جديدة.

كانت بعض التعليقات تنتقدها بسبب السخرية من طفل حديث الولادة، بينما طالبها آخرون بحذف الصورة احترامًا لمشاعر أمه.

ثم وصلتها رسالة خاصة من شخص لا تعرفه:

«امسحي الصورة فورًا. المنشور اتسجل، وفي شكوى رسمية بتتجهز بسبب استخدام صورة طفل من غير موافقة ولي أمره.»

شهقت شروق.

فتحت حسابها بسرعة، وحاولت حذف المنشور، لكنها وجدت أن الصورة انتشرت بالفعل عبر صفحات أخرى.

اتصلت بي على الفور.

لم أجب.

عاودت الاتصال مرة ثانية، ثم ثالثة.

وفي النهاية، أرسلت لي رسالة:

«نهى، ردي عليَّ. أنا كنت بهزر، ومكنتش أقصد إن الموضوع يكبر كده.»

قرأت الرسالة، ثم أغلقت الهاتف.

لم أكن أريد الانتقام منها عبر الإنترنت، ولم أكن أرغب في تحويل طفلي إلى وسيلة لتصفية الحسابات.

كل ما أردته هو أن تتوقف عن التعامل مع كرامة الآخرين باعتبارها مادة للضحك.

لكن شروق لم تفهم ذلك إلا بعدما بدأت تواجه نتائج تصرفاتها.

### البند التاسع يدخل حيز التنفيذ

في الساعة التاسعة مساءً، اجتمع فريق الشؤون القانونية والمالية التابع لجلال في اجتماع طارئ.

كانت المستندات أمامهم، والتقارير مرتبة، وكل خطوة موثقة.

قال المستشار القانوني:

«إحنا نقدر نفعّل الإجراءات المنصوص عليها في الاتفاقية، لكن لازم نفرّق بين مراجعة الضمانات وبين إلغاء الالتزامات القائمة. أي خطوة لازم تتم وفق العقد والقانون، ومن غير ما نعرّض الشركة لمطالبة مضادة.»

أومأ جلال برأسه.

«نفّذوا اللي يسمح به العقد فقط. أوقفوا أي التزامات جديدة مشروطة لحين المراجعة، وابعثوا الإخطارات الرسمية للأطراف المعنية. وأي شبهة تلاعب تتسلم للجهة المختصة، من غير تدخل مننا في التحقيق.»

ثم أضاف بحزم:

«أنا مش عايز حد يظلمهم، لكن كمان مش هسمح إن اسم شركتنا أو أموال المستثمرين يتعرضوا للخطر.»

كان ذلك هو الفارق بينه وبين أبي.

أبي كان يعتقد أن القوة تعني أن يفعل ما يشاء، وأن الجميع سيصمتون خوفًا من نفوذه.

أما جلال، فكان يعرف أن القوة الحقيقية هي أن تكون قادرًا على اتخاذ قرار صعب، ثم تلتزم بالقانون حتى لو كنت تملك وسائل أخرى للضغط.

وبعد دقائق، خرجت الإخطارات الرسمية.

بدأت البنوك في مراجعة بعض التسهيلات، وطُلبت مستندات إضافية من إدارة مجموعة الكارتري، كما تقرر تعليق عدد من العمليات الجديدة التي لم تُستكمل شروطها بعد.

لم يكن ذلك حكمًا بإفلاس العائلة، ولم يكن إدانة لأحد.

لكنه كان بداية أزمة لم يستعد لها أبي.

فإمبراطوريته التي اعتاد أن يقدمها للناس باعتبارها حصنًا لا يُهزم، أصبحت مطالبة الآن بالإجابة عن أسئلة لم يكن يريد لأحد أن يطرحها.

### أبي يتصل بجلال لأول مرة

في الساعة العاشرة إلا ربعًا، وقف أبي داخل مكتبه الخاص، وأغلق الباب خلفه.

كان قد بحث عن رقم جلال المباشر لسنوات، وحصل عليه أخيرًا من خلال أحد الوسطاء.

ضغط على زر الاتصال.

رن الهاتف مرتين، ثم جاءه صوت جلال:

«مساء الخير، أستاذ حسن.»

ابتلع أبي ريقه، وحاول أن يبدو هادئًا.

«أستاذ جلال، أنا حسن الكارتري. أعتقد إن حصل سوء تفاهم بخصوص بعض الاتفاقيات المالية.»

رد جلال ببرود:

«اتفضل، سامعك.»

قال أبي بسرعة:

«وصلتنا إخطارات النهارده، وفي إجراءات اتخذت فجأة. إحنا بينا مصالح مشتركة، وأكيد حضرتك مش عايز أي مشكلة تأثر على الشغل.»

سأله جلال:

«حضرتك عارف البند التاسع في الاتفاقية؟»

صمت أبي للحظة.

«طبعًا، لكن تطبيقه بالشكل ده محتاج مراجعة.»

«وده اللي بيحصل بالفعل. فيه مراجعة قانونية ومالية، وأي إجراء هيتاخد هيكون في حدود الاتفاقية.»

حاول أبي تغيير الموضوع.

«خلينا نتقابل بكرة، ونحل الموضوع بهدوء. أنا عندي استعداد أقدّم أي ضمانات إضافية.»

جاءه رد جلال حاسمًا:

«الموضوع مش محتاج مقابلة شخصية. قدّموا المستندات المطلوبة للفريق المختص، وهو هيتعامل معاها رسميًا.»

ثم أضاف بعد لحظة صمت:

«وبالمناسبة، قبل ما حضرتك تطلب مني أحافظ على مصالح العائلة، كان المفروض تحافظ على كرامة حفيدك.»

تغيرت ملامح أبي.

لم ينطق بكلمة.

أكمل جلال:

«آدم ابن مراتي. والنهارده حضرتك اخترت تهينه قدام الناس، وأختها نشرت صورته للسخرية منه. أنا مش هستخدم منصبي علشان أضغط على حد بسبب خلاف عائلي، لكن مش هسمح كمان إن حد يفتكر إن إهانة مراتي وابني ملهاش عواقب.»

اتسعت عينا أبي.

«إنت… إنت جوز نهى؟!»

أجابه جلال:

«أيوه. وأنا أبو آدم.»

ثم أنهى المكالمة.

ظل أبي واقفًا في مكانه، والهاتف ملتصق بأذنه، كأنه لم يستوعب ما سمعه.

جلال منصور، الرجل الذي حاول الوصول إليه عشر سنوات، هو زوج ابنته التي أهانها أمام ثلاثين شخصًا.

والطفل الذي وصفه بأنه بلا أب، هو ابن الرجل الذي كانت موافقته قادرة على تغيير مستقبل مشروعاته.

لكن ما أوجعه أكثر لم يكن المال.

كان إدراكه أنه ارتكب خطأً لا يمكن إصلاحه بمجرد مكالمة أو اعتذار سريع.

### الليلة التي انقلب فيها كل شيء

بعد دقائق، دخلت أمي إلى المكتب، وهي تحمل هاتفها بيد مرتجفة.

قالت:

«حسن، إنت لازم تشوف ده.»

رفعت الشاشة أمامه.

كانت صورة آدم قد انتشرت خارج دائرة متابعي شروق، وبدأ الناس ينتقدون تصرفها وتصرف العائلة.

لم يكن الجميع يعرف تفاصيل القصة، لكن كثيرين رفضوا السخرية من طفل رضيع، واعتبروا ما حدث تصرفًا قاسيًا لا يليق بأسرة تتفاخر بمكانتها.

صرخت أمي:

«لازم نخلي نهى تحذف كل الكلام ده! لازم تتصرف قبل ما سمعة العيلة تضيع.»

نظر إليها أبي بغضب.

«هي اللي بدأت؟ ولا إحنا اللي وقفنا قدام الناس وفضلنا نهينها ونهين ابنها؟»

للمرة الأولى، لم تجد أمي ردًا جاهزًا.

أما شروق، فدخلت المكتب وهي تبكي.

«بابا، أنا مش عارفة أعمل إيه. الناس كلها بتهاجمني، والصورة اتنشرت في كل مكان.»

رد أبي بعصبية:

«كنتِ فكرتي قبل ما تنشريها!»

قالت شروق بصوت مكسور:

«بس إنت وماما كنتوا بتضحكوا! إنتوا اللي قلتوا الكلام الأول!»

ساد الصمت.

لم يعد بإمكان أي واحد منهم إلقاء اللوم على الآخر دون أن يواجه نصيبه من المسؤولية.

وفي تلك اللحظة، رن هاتف أبي مرة أخرى.

هذه المرة كان الاتصال من رئيس مجلس إدارة أحد البنوك التي تتعامل مع مجموعته.

استمع أبي إلى المكالمة، وكلما مرّت ثانية ازداد وجهه شحوبًا.

لم يكن البنك يعلن إفلاس المجموعة، لكنه طلب اجتماعًا عاجلًا لمراجعة التسهيلات والضمانات، وطلب مستندات إضافية قبل الموافقة على عمليات تمويل جديدة.

وبالنسبة إلى رجل اعتاد أن تسير الأمور وفق أوامره، كان ذلك كافيًا ليعرف أن الأزمة بدأت تتجاوز قدرته على السيطرة.

في منتصف الليل، كنت أجلس في غرفة ابني، بينما كان جلال يتحدث مع محاميه بشأن الإجراءات التالية.

اقترب مني، ووضع أمامي نسخة من إخطار رسمي.

قال:

«كل الإجراءات ماشية في مسارها القانوني. محدش هيقدر يستخدم اسمك أو اسم آدم علشان يضغط علينا، وفي نفس الوقت مش هنعلن أي اتهامات قبل ما التحقيق يخلص.»

نظرت إلى الورقة، ثم سألته:

«تفتكر أبي هيفهم إن اللي حصل مش بسبب الفلوس؟»

جلس بجواري، ونظر إلى آدم النائم.

«مش عارف. فيه ناس مبتفهمش قيمة اللي عندها غير لما تخسره. لكن إحنا مش محتاجين نكسب معركة علشان نثبت إن ابنك يستحق الاحترام.»

شعرت بالدموع تتجمع في عينيّ.

لم أبكِ بسبب أبي أو أمي أو شروق.

بكيت لأنني أدركت أخيرًا أنني لست مضطرة إلى قضاء حياتي كلها في محاولة إرضاء أشخاص لا يرون قيمتي إلا عندما أكون خاضعة لهم.

مددت يدي، وأمسكت بيد جلال.

«أنا مش عايزة أشوفهم بيتدمروا يا جلال. أنا بس عايزاهم يعرفوا إن آدم مش أقل من أي طفل، وإن كرامتنا مش حاجة يقدروا يدوسوا عليها.»

أجابني:

«وده اللي هيحصل. الحقيقة هتظهر، وكل واحد هيتحاسب على تصرفاته، لكن مش هنظلم حد.»

وفي صباح اليوم التالي، وصلتني رسالة من أبي.

لم تكن اعتذارًا.

كانت عبارة واحدة فقط:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى