منوعات

القصة كاملة للنهاية بقلم محمد عبده

كانت فيه فواتير الكهرباء، وإيصالات الضرائب، وصورة عقد ملكية البيت، ومجموعة أوراق تانية.

وبين الورق، لقيت نسخة من المستند اللي كريم ورّاهولي.

ناولتها للأستاذة سارة.

قعدت تقارن بين النسختين، وبدأت تدقق في كل بند.

وبعد دقائق، رفعت رأسها وقالت:

— يا حاجة فاطمة، النسخة دي مهمة جدًا. هي مش عقد بيع للبيت، لكنها مستند متعلق بتفويض في بعض الإجراءات. لازم نفحص النسخة الكاملة ونراجع أي تصرفات تمت بناءً عليها.

حسيت إن قلبي بدأ يهدأ قليلًا.

سألتها:

— يعني البيت لسه باسمي؟

ردت:

— وفقًا للمستندات اللي قدامنا دلوقتي، الملكية لسه ظاهرة باسمك، لكن لازم نستكمل التحقق من السجلات الرسمية قبل ما نأكد الوضع النهائي.

وبعدين لاحظت ورقة صغيرة كانت محشورة بين صفحات الملف.

طلعتها، وبدأت تقراها.

كان فيها رقم هاتف واسم مكتب خدمات، وتاريخ يوافق تقريبًا اليوم اللي كريم طلب مني أمضي فيه الأوراق.

احتفظت الأستاذة سارة بالورقة ضمن المستندات اللي هنراجعها.

وقالت لي:

— دي ممكن تساعدنا نحدد المكان اللي اتعملت فيه الإجراءات، ونطلب المعلومات المتاحة عنه بالطريقة القانونية.

خرجنا من البيت، وأنا لأول مرة من أيام حاسة إن الحقيقة بدأت تظهر.

لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه جاية.

في نفس المساء، رن موبايلي.

كان كريم.

رديت، فسمعته بيصرخ:

— إنتِ عملتي إيه يا أمي؟!

مافهمتش قصده في البداية.

قلت له:

— بتتكلم عن إيه؟

رد بعصبية:

— المحامية بتاعتك بتسأل عن عقد الإيجار، وبتحاول توقف كل حاجة! إنتِ عايزة تضيعيني أنا ومراتي؟!

قلت له:

— أنا عايزة أعرف حقي يا كريم.

صرخ:

— حق إيه؟! إنتِ عايزة ترجعي البيت، والناس اللي استأجروه دفعوا فلوسهم! أنا وعدتهم إن كل حاجة سليمة!

سألته بهدوء:

— وإنت كنت متأكد إن كل حاجة سليمة فعلًا؟

سكت لحظة.

وبعدين قال:

— إنتِ مش فاهمة حاجة. أنا كنت بحاول أظبط حياتي. عليَّ ديون، ونهى تعبت من العيشة اللي كنا فيها، وإنتِ عندك بيت وفلوس، ومش محتاجة كل ده لوحدك!

الجملة دي كانت أقسى من أي إهانة سمعتها منه.

لأنه أخيرًا قال الحقيقة اللي كان بيخبيها.

هو ماكانش شايفني أم محتاجة رعاية واهتمام.

كان شايفني شخص عنده فلوس وبيت، وممكن يستفيد منهم وقت ما يحتاج.

قلت له بصوت هادي:

— يا كريم، لو كنت محتاج فلوس، كان ممكن تطلب مني. لو كنت واقع في مشكلة، كنت هقف جنبك على قد ما أقدر. لكن إنت اخترت تاخد حقي من غير إذني، وتسيبني في مكان غريب، وتحتفل إنك اتخلصت مني.

رد بصوت متوتر:

— خلاص، خلاص! أنا غلطت، بس إنتِ كمان لازم تفهمي إني كنت مضغوط!

سألته:

— والـ186 ألف جنيه؟ والبيت؟ وإني قعدت لوحدي هنا؟ كل ده كان بسبب الضغط؟

ماعرفش يرد.

وبعد لحظة، قال:

— طيب، أنا هجيلك بكرة، ونتفاهم. بس لازم توقفي المحامية دي.

قلت له:

— تعالى يا كريم. أنا هستناك.

وقبل ما أقفل، سمعت صوت نهى في الخلفية بتقوله:

— ماتروحش لوحدك! لازم تخلّص الموضوع النهارده!

وبعدين المكالمة اتقفلت.

في اليوم التالي، جه كريم ومعاه نهى.

دخلوا مكتب الأستاذة سارة، بعد ما اتفقنا على مقابلة لمناقشة إمكانية الوصول لحل قانوني.

كانت نهى قاعدة جنبه، وبتبص لي من وقت للتاني، وكأنها مستغربة إني قدرت أواجههم بدل ما أستسلم.

بدأ كريم الكلام:

— أنا مستعد أرجع الفلوس، بس مش كلها دلوقتي. وكمان عايز نحل موضوع البيت من غير محاكم.

الأستاذة سارة ردت بهدوء:

— أي اتفاق لازم يكون واضحًا ومكتوبًا، ويحفظ حقوق موكلتي، وأي التزامات لازم تتوثق بشكل صحيح. أما الإجراءات القانونية القائمة، فهنحدد موقفها بعد مراجعة المستندات.

نهى تدخلت فجأة وقالت:

— يا حاجة فاطمة، إنتِ مش محتاجة البيت أصلًا! إنتِ في دار مسنين، وابنك هو أولى الناس إنه يستفيد من فلوسك.

بصيت لها طويلًا.

وبعدين قلت:

— أنا مش محتاجة أبرر لأي حد ليه عايزة أحتفظ ببيتي أو بفلوسي. دي حاجتي، وأنا صاحبة القرار فيها طول ما أنا قادرة أقرر لنفسي.

نهى سكتت، لكن كريم كان لسه متوترًا.

طلعت من شنطتي صورة قديمة لينا، أنا وهو، يوم ما كان طفلًا.

حطيتها قدامه على المكتب.

بص للصورة، وملامحه اتغيرت للحظة.

قلت له:

— فاكر اليوم ده يا كريم؟

هز راسه ببطء.

— كنت عندك تمن سنين. يومها قلت لي إنك لما تكبر، هتجيب لي بيت كبير، ومش هتخليني أحتاج لأي حد.

دموعه بدأت تظهر في عينيه.

كملت:

— أنا ماكنتش مستنية منك بيت كبير. كنت مستنية منك قلب كبير. كنت مستنية لما أكبر تفتكر كل اللي عملته عشانك، مش تعتبرني مشكلة لازم تتخلص منها.

غطى وشه بإيديه، وبدأ يعيط.

ولأول مرة من يوم ما سابني، سمعت منه كلمة كنت مستنياها من قلبي.

— سامحيني يا أمي.

لكن المرة دي، ماقدرتش أقول له إن كل حاجة انتهت بمجرد الاعتذار.

قلت له:

— أنا ممكن أسامحك مع الوقت، لأنك ابني، لكن الثقة مش بترجع بكلمة. لازم تصلح اللي عملته، وتتحمل مسؤولية قراراتك.

اتفقنا إن أي تسوية لازم تتوثق عن طريق المحامية، وإن موضوع الأموال والبيت هيتحدد وفقًا لما تثبته المستندات والإجراءات القانونية.

ماكانش فيه انتصار سحري حصل في لحظة، ولا كل المشاكل اختفت في يوم واحد.

لكن لأول مرة، كريم فهم إن أمه مش هتتنازل عن حقها لمجرد إنه رفع صوته أو لعب على مشاعرها.

مرت أسابيع، وبدأت الإجراءات القانونية تاخد مجراها.

وبعد مراجعة المستندات، تم التوصل إلى تسوية مكتوبة بشأن المبلغ المالي، والتزم كريم بسداد المبلغ المتفق عليه على دفعات محددة، مع توثيق الالتزامات بشكل رسمي.

أما البيت، فتمت مراجعة عقد الإيجار ووضع الملكية، واتُّخذت الإجراءات اللازمة لحماية حقي والتعامل مع وضع المستأجر وفقًا للقانون.

ماكانش الطريق سهلًا، لكني ماعدتش لوحدي، وماعدتش بخاف أطالب بحقي.

وبعد فترة، قدرت أرجع لبيتي.

أول يوم دخلت فيه، فتحت الشبابيك كلها، وخليت هوا البحر يدخل الأوضة.

نفضت التراب عن ماكينة الخياطة القديمة، وطلعت إطار التطريز اللي كريم كان شايفه مجرد خردة مالهاش لازمة.

قعدت جنب الشباك، وبدأت أشتغل من جديد.

المرة دي، ماكنتش بخيط عشان أقدر أدفع مصاريف ابني، ولا عشان أشتري له حاجة نفسه فيها.

كنت بخيط عشان نفسي.

وبدأت أبيع شغلي من خلال صفحة صغيرة على الإنترنت، وساعدتني حفيدة إحدى جاراتي في تصوير المفارش ونشرها.

رجعت لي فرحة كنت فاكرة إنها راحت مع السنين.

أما كريم، فبدأ يزورني بعد فترة.

في الأول، كنت بستقبله بهدوء، من غير عتاب كتير ولا وعود كبيرة.

كان بيحاول يصلح علاقته بيا، لكني خليت حدودي واضحة.

فلوسي في حسابي، ومستندات بيتي في مكان آمن، وأي إجراء مالي أو قانوني براجعه بنفسي مع المختصين.

ماعدتش أمضي ورقة لمجرد إن حد قال لي إنها حاجة بسيطة، حتى لو كان الشخص ده ابني.

وفي إحدى الزيارات، جاب لي كريم علبة صغيرة.

فتحته، فلقيت فيها إطار تطريز جديد، ومعاه ورقة مكتوب عليها:

«حقك عليَّ يا أمي. أنا عارف إن الاعتذار مش كفاية، لكن أتمنى تديني فرصة أثبت لك إني اتغيرت».

بصيت له، ولأول مرة من شهور، حسيت إن قلبي مش مقفول تمامًا.

قلت له:

— الفرصة بتتبني بالأفعال يا كريم، مش بالكلام.

هز راسه، وقعد جنبي.

ماحضنتوش وقتها، وماقلتلوش إن كل حاجة رجعت زي الأول.

لكن سمحت له يقعد معايا شوية، وشربنا الشاي في هدوء.

يمكن العلاقة بينا تحتاج سنين عشان تتصلح، ويمكن الجرح يفضل له أثر طول العمر.

لكن فيه حاجة واحدة اتعلمتها، ومش هانساها أبدًا.

إن الأم ممكن تسامح ابنها، لكن ده مش معناه إنها تسمح له يضيّع حقها مرة تانية.

أنا فاطمة عبد الرحيم، عندي خمسة وسبعين سنة، واتعلمت متأخر إن الطيبة مش ضعف، وإن الحب مش معناه إننا نتنازل عن كرامتنا.

وأهم درس خرجت بيه من التجربة دي كان بسيطًا:

ما تسيبش حد يقنعك إن كبر سنك معناه إن صوتك مالوش قيمة، أو إنك بقيت عبء على الناس. طول ما إنت قادر تفكر وتقرر، من حقك تعيش بكرامة، وتحافظ على تعب عمرك، وتقول «لأ» لأي حد يحاول يستغلك.

حتى لو كان أقرب الناس ليك.

النهاية.
تمت

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى