روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

وبعدين سألها:

«أوراق ملكية البيت معاكِ؟»

فتحت سلمى الملف، وطلعت مستندًا رسميًا.

«أيوه. دي صورة العقد، ودي المستندات اللي بتثبت مصدر الفلوس اللي اتدفع بيها ثمن البيت.»

راجع محمود الأوراق بعناية، وبعدها قال:

«المستندات اللي قدامي بتشير إن البيت مسجل باسمك، وإن شراءه تم من أموالك الخاصة قبل تسجيل أي حقوق مشتركة عليه. لكن لازم نراجع كل التفاصيل وأي اتفاقات لاحقة قبل اتخاذ أي إجراء.»

سلمى هزت رأسها.

«أنا فاهمة. أنا مش عايزة أعمل حاجة غلط، أنا بس مش هقبل إن حد يهددني بالطرد من بيتي.»

قفل محمود الملف وقال:

«خلي كل تعاملاتك المالية موثقة، واحتفظي بنسخ من المستندات، ومتدخليش في أي مواجهة ممكن تتحول لخناقة. ولو حصل أي تهديد فعلي، اتصرفي عن طريق القانون.»

شكرته سلمى، وأخدت نسخة من الأوراق المهمة، وبعدها خرجت من المكتب.

لكن قبل ما تركب عربيتها، وصلتها رسالة من أحمد:

«ارجعي البيت فورًا. لازم نتكلم قدام أمي، والموضوع المرة دي مش هيتأجل.»

قرأت الرسالة، وقفلت الموبايل.

ما ردتش.

لأنها كانت عارفة إن الكلام اللي هيتقال النهارده، مش هيكون مجرد خناقة عائلية عادية.

في نفس الوقت، كان أحمد قاعد مع أمه في أحد المطاعم الفاخرة.

من ساعة ما صحوا، والحاجة نادية بتضغط عليه عشان يشتري لها السلسلة الألماس بالكامل، ويدفع باقي ثمنها.

قال لها أحمد وهو بيقلب في قائمة الطعام:

«يا أمي، أنا لسه مستلمتش غير أول مرتب، وإنتِ دفعتي عربون كبير. باقي المصاريف هتتدفع منين؟»

ردت بضيق:

«ما إنت مدير كبير دلوقتي! يعني إيه مش معاك فلوس؟ وبعدين أنا مش طلبت منك حاجة لنفسي بس، أنا أمك، ومن حقي أفرح بنجاحك.»

أحمد سكت.

كان عارف إنه هو اللي وافق يديها المرتب، لكن ما كانش متخيل إنها هتبدأ تصرف المبلغ بالشكل ده.

وفجأة، رن موبايله.

كان اتصالًا من البنك.

رد بسرعة، وسمع الموظف بيبلغه إن فيه طلبات دفع اتعملت على بعض البطاقات المرتبطة بحسابه، وإن بعضها اترفض بسبب عدم كفاية الرصيد المتاح.

أحمد اتوتر.

«إزاي يعني؟! أنا لسه مرتبي نازل!»

الموظف وضح له إن المبالغ المتاحة في الحساب أقل من المتوقع، وطلب منه مراجعة التحويلات والالتزامات المالية المسجلة.

قفل أحمد المكالمة، وبص لأمه.

«إنتِ حولتي فلوس من المرتب لحساب تاني؟»

الحاجة نادية اتلخبطت.

«أيوه، حولت جزءًا منها لحسابي. هو أنا مش قلت لك إني هدير فلوسك؟»

«طيب، والباقي راح فين؟»

ردت بعصبية:

«إنت بتراجعني في كل جنيه يا أحمد؟! إنت بنفسك اللي اديتني الفلوس!»

أحمد حس إن الدنيا بتضيق حواليه.

هو كان متخيل إن أمه هتحافظ على الفلوس وتديرها بحكمة، لكنه اكتشف إنها بدأت تتعامل مع المرتب كأنه مكافأة شخصية ليها.

ومع ذلك، كان لسه عنده اعتقاد واحد متمسك بيه: إنه يقدر يرجع البيت ويجبر سلمى على التراجع عن موقفها.

وما كانش يعرف إن سلمى في الوقت ده كانت بتحضّر لمواجهة هتخليه يعيد حساب كل كلمة قالها.

الساعة ستة مساءً، رجع أحمد البيت.

لقى سلمى قاعدة في الصالة، وقدامها نفس الملف الأسود اللي شافه في إيدها الصبح.

أما الحاجة نادية، فكانت قاعدة جنبه، ومستعدة تبدأ الهجوم.

أحمد خلع جاكيته ورماه على الكنبة، وبص لسلمى وقال:

«أنا مش عايز لف ودوران. إنتِ لازم ترجعي زي الأول. الأكل يتجهز، ومصاريف البيت تتدفع، ومش كل شوية تعملي مشكلة بسبب الفلوس.»

سلمى رفعت عينيها وقالت:

«أنا ما عملتش مشكلة. إنت اللي قلت إن كل واحد مسؤول عن مصاريفه، وأنا احترمت قرارك.»

ضرب أحمد بإيده على مسند الكنبة.

«أنا ما قلتش إنك توقفي كل حاجة مرة واحدة!»

ردت بهدوء:

«طيب، كنت تقصد إيه؟ إنك تسلّم مرتبك كله لأمك، وأنا أفضّل أصرف على البيت وعليك وعلى طلباتكم من فلوسي؟»

أحمد سكت للحظة، وبعدها قال:

«أنا جوزك، والمفروض إننا نساعد بعض.»

سلمى بصت له باستغراب.

«غريبة! لما كنت بتطلب مني أساعدك، كنت بتقول إن ده واجبي. ولما قررت تدي مرتبك لأمك، قلت لي إن كل واحد يصرف على نفسه. دلوقتي لما اكتشفت إن القرار مش مريحك، رجعت تتكلم عن المشاركة؟»

الحاجة نادية تدخلت بسرعة:

«إنتِ بتتكلمي مع ابني بالطريقة دي ليه؟! وبعدين البيت ده بتاعه، ومش من حقك تعملي فيه اللي إنتِ عايزاه!»

سلمى ما ردتش عليها.

فتحت الملف الأسود، وطلعت أول ورقة.

حطتها قدام أحمد وقالت:

«بما إنك بتقول إن البيت بيتك، اتفضل اقرأ الورقة دي كويس.»

أحمد بص للورقة باستهانة، ومد إيده ياخدها.

لكن أول ما وقعت عينه على البيانات المكتوبة في أول الصفحة، اختفت الابتسامة من وشه.

قرب الورقة من عينيه، وبدأ يقرأ مرة تانية، كأنه مش قادر يصدق اللي شايفه.

الحاجة نادية لاحظت التغيير في ملامحه، فسألته:

«في إيه يا ابني؟ الورقة دي فيها إيه؟»

أحمد ما ردش.

فضل باصص للورقة، وإيده بدأت ترتعش.

وبعد لحظات، رفع عينيه ناحية سلمى وسألها بصوت منخفض:

«إنتِ… إنتِ اشتريتي البيت ده باسمك فعلًا؟»

سلمى ردت بثبات:

«أيوه. البيت باسمي، وثمنه اتدفع من فلوسي الخاصة، والمستندات اللي قدامك بتوضح ده.»

الحاجة نادية قامت من مكانها فجأة.

«إيه الكلام ده؟! مستحيل! ده ابني هو اللي عايش هنا!»

سلمى بصتلها وقالت:

«كون أحمد عايش هنا مش معناه إن ملكية البيت باسمه.»

الحاجة نادية اتجهت ناحية ابنها، وخطفت الورقة من إيده.

بدأت تقرأ بسرعة، وكل ما عينيها تتحرك من سطر للتاني، لون وشها يتغير أكتر.

وبعدين صرخت:

«يعني إنتِ كنتِ مخبية علينا إن البيت بتاعك؟!»

سلمى ردت بهدوء:

«أنا ما خبيتش حاجة. أنا عمري ما قلت إن البيت ملك أحمد. إنتوا اللي افترضتوا ده من نفسكم.»

أحمد حط إيده على رأسه، وقال:

«بس أنا صرفت على البيت، وساهمت في حاجات كتير هنا!»

سلمى هزت رأسها.

«أي مساهمات مالية ليك، لو عندك مستندات تثبتها، نقدر نراجعها بشكل قانوني. أنا مش همنعك من أي حق ثابت ليك. لكن مش هقبل إنك تدّعي ملكية البيت من غير سند.»

ساد الصمت في الصالة.

لأول مرة، أحمد ما لاقاش رد جاهز.

أما الحاجة نادية، فكانت بتبص لسلمى بعيون مليانة غضب، لكن الغضب المرة دي كان مخلوطًا بالخوف.

لأنها بدأت تفهم إن تهديداتها اللي كانت بتستخدمها عشان تسيطر على سلمى، ممكن تكون السبب في خسارة نفوذها داخل البيت.

وفجأة، رن جرس الباب.

أحمد اتجه ناحية الباب وفتحه.

كان واقف قدامه رجل في منتصف العمر، لابس بدلة رسمية، وفي إيده ظرف كبير.

سأل أحمد باستغراب:

«أيوه، حضرتك مين؟»

الرجل رد:

«مساء الخير. أنا مندوب عن مكتب الأستاذ محمود المحامي. عندي مستندات تخص السيدة سلمى، ولازم أسلمها لها شخصيًا.»

أحمد بص ناحية سلمى، ثم رجع بص للرجل.

«مستندات إيه؟»

المندوب ما دخلش في تفاصيل، واكتفى بتسليم الظرف لسلمى بعد التأكد من هويتها.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى