
ولما الباب اتقفل، لاحظت إنها نسيت تليفونها فوق طاولة المدخل، لكني ما لمستوش.
بعد دقائق، رجعت تاخده.
كانت لوحدها.
وقفت قدامي وقالت بصوت متردد:
— عمو أحمد… ممكن أتكلم معاك؟
قلت لها:
— طبعًا يا ملك. اتفضلي.
فضلت باصة ناحية السلم، كأنها بتتأكد إن سلمى مش موجودة.
وبعدين قالت:
— أنا عايزة أقول لك حاجة عن الفستان.
قلبي انقبض.
سألتها:
— إنتِ كنتِ تعرفي إن مامتك هتقطعه؟
هزت راسها بسرعة.
— لأ. والله ما كنت أعرف إنها هتعمل كده. أنا شفتها وهي داخلة أوضة سلمى امبارح، وكانت شايلة مقص، لكن ما تخيلتش إنها هتعمل حاجة زي دي.
سكتت لحظة، وبعدها أضافت:
— ولما سألتها، قالت لي إنها هتخلّص الموضوع قبل ما سلمى ترجع للأوضة.
حسيت ببرودة تسري في جسمي.
سألتها:
— قالت لك كده بالحرف؟
هزت رأسها.
— أيوه. وأنا افتكرت إنها هتخبي الفستان أو تنقله مكان تاني. ما كنتش أعرف إنها هتقطعه فعلًا.
بصت للأرض، وبعدها قالت:
— أنا آسفة يا عمو. أنا عارفة إن سلمى بتحب أمها جدًا، وما كانش ينفع يحصل لها كده.
قلت لها:
— إنتِ مش مسؤولة عن تصرفات مامتك يا ملك. المهم إنك قلتي الحقيقة.
لكن ملك ما كانتش خلصت كلامها.
رفعت عينيها وقالت:
— وفيه حاجة تانية. أنا سمعت ماما بتتكلم في التليفون عن البيت. كانت بتقول لشخص إنها محتاجة تخلص موضوع الأوراق قبل الصيف، وإن وجود سلمى في البيت بيعطّل خططها.
اتجمدت مكاني.
— كانت بتتكلم مع مين؟
— مش عارفة. سمعت جزءًا من المكالمة بس. ولما دخلت، قفلت بسرعة.
سألتها:
— قالت حاجة تانية؟
فكرت شوية، وبعدها قالت:
— قالت إنك هتوافق في الآخر، لأنك مش بتحب المشاكل، وإنك هتعمل أي حاجة علشان تحافظ على جوازك.
ما رديتش.
لأن جزءًا من كلامها كان صحيحًا.
أنا فعلًا كنت بكره المشاكل، وكنت بحاول أصلح كل خلاف بسرعة، حتى لو ده معناه إني أتنازل عن حاجات مهمة.
لكن يبدو إن نادية بدأت تعتمد على ده.
بعد ما ملك مشيت، اتصلت بمحامٍ كنت بتعامل معاه في شؤون البيت والعقود.
حكيت له عن المستند اللي لقيته، وطلبت منه يراجع الأوراق ويشرح لي إذا كان فيه أي إجراء اتعمل من غير علمي.
ما اتهمتش نادية بحاجة ما عنديش دليل عليها، لكني قررت إني مش هوقّع على أي مستند جديد قبل ما أفهمه بالكامل.
وبعد الظهر، وصلتني رسالة من المحامي بيطلب فيها نسخة واضحة من الورقة وبعض المستندات الأصلية.
بدأت أجمع الأوراق من الدرج، وفجأة لقيت ظرفًا تانيًا تحت مجموعة من الفواتير القديمة.
الظرف كان مفتوحًا.
وجواه نسخة من طلب استشارة قانونية تخص ترتيب ملكية العقار بعد الزواج، ومعاها ملاحظات مكتوبة بخط مختلف عن خطي.
ما كانش فيه ما يثبت إن نادية ارتكبت مخالفة، لكن وجود الأوراق دي من غير ما أعرف عنها خلاني أصر على مراجعة كل شيء رسميًا.
وفي وسط الأوراق، لقيت ورقة صغيرة مكتوب عليها اسم شركة عقارية، وتاريخ موعد بعد أسبوعين.
ما فهمتش سبب وجودها.
صورت المستندات وأرسلتها للمحامي، وقررت أستنى رده بدل ما أواجه نادية باتهامات غير مؤكدة.
لكن قبل ما أخلص، سمعت صوت سلمى من غرفة الجلوس.
— بابا! تعالى شوف!
خرجت بسرعة.
كانت الست فاطمة واقفة جنب الفستان، ماسكة آخر جزء من الحرير الأزرق.
قالت بابتسامة واسعة:
— خلصنا أصعب مرحلة!
قربت من الفستان، وشفت إن القطوع اختفت تقريبًا، وإن الست فاطمة استخدمت تفاصيل صغيرة من القماش الأصلي علشان تخلي الإصلاح جزءًا من التصميم بدل ما يكون مجرد محاولة لإخفاء الضرر.
الفستان ما بقاش مطابقًا تمامًا للشكل القديم.
لكن بقى أجمل بطريقة مختلفة.
سلمى لمست الجزء اللي اتصلح، وقالت:
— كأن ماما كانت عارفة إننا هنحتاج نضيف له حاجة جديدة.
ابتسمت لها، وحاولت أخفي دموعي.
الست فاطمة قالت:
— أحيانًا، مش كل حاجة بتتكسر ينفع ترجع زي الأول. لكن ده مش معناه إنها فقدت قيمتها.
سلمى بصت للفستان، وبعدها قالت:
— أنا هلبسه بكرة.
في مساء الجمعة، قبل الحفلة بساعات، كنت بساعد سلمى تجهز نفسها، لما وصلني اتصال من المحامي.
قال لي إنه راجع المستندات الأولية، وإن فيه نقاط لازم نتأكد منها قبل ما نستنتج أي حاجة.
طلب مني أحتفظ بكل الأوراق، وألا أوقّع على أي تعديل يخص العقار قبل مراجعتها بشكل كامل.
شكرته، وقفلت المكالمة.
في اللحظة دي، نادية دخلت البيت.
كانت شايلة أكياس مشتريات، وأول ما شافت سلمى واقفة بالفستان الأزرق، توقفت مكانها.
الفستان كان متصلحًا، وشكله أنيق، والحرير الأزرق كان بيعكس ضوء الشمس اللي داخل من الشباك.
سلمى كانت واقفة قدام المراية، وشعرها مرفوع بطريقة بسيطة، وحاطة الحلقان اللي اختارتها من الليلة السابقة.
نادية فضلت باصة لها من غير كلام.
ثم قالت:
— إنتِ لسه مصممة تلبسيه؟
سلمى لفت ناحيتها.
لأول مرة، ما كانش في صوتها خوف ولا تردد.
قالت:
— أيوه. ده فستان ماما، وأنا وعدت تيتة إني هلبسه.
نادية بصت لي، وكأنها مستنية إني أتدخل وأمنع بنتي من الرد.
لكنني فضلت واقف مكاني.
فقالت بحدة:
— أحمد، إنت هتسيبها تروح بالشكل ده؟
رديت بهدوء:
— الفستان اتصلح، وسلمى اختارت تلبسه. القرار قرارها.
نادية رمت الأكياس فوق الكنبة.
— يعني خلاص؟ كل اللي أنا بقوله مالوش قيمة؟
قلت لها:
— رأيك له قيمة، لكن مش معناه إنك تفرضي قراراتك على بنتي أو تدمري حاجتها لما تختلفي معاها.
سكتت لحظة، ثم قالت:
— أنا مش هنسى اللي إنت عملته فيا النهارده.
بصيت لها وقلت:
— وأنا كمان مش هنسى اللي حصل. لكن الفرق إن عندنا فرصة نقرر هنتعلم منه إيه.
ما ردتش.




