روايات وقصص

القصة كاملة للنهاية من هنا

— أنا. وعندي أسبابي.

الست فاطمة ما جادلتهاش.

بس قالت جملة واحدة:

— الأسباب ممكن تفسّر التصرف يا بنتي، لكنها ما بتمسحش أثره.

وبدأت تفحص الفستان.

بعد دقائق، وقفت وقالت إن الإصلاح ممكن، لكنه مش هيكون سهل. القطوع كانت طويلة، وبعضها قريب من أجزاء حساسة في التصميم. هنحتاج نعيد توزيع جزء من القماش، ونستخدم بقايا من البطانة القديمة، وربما نضيف شريطًا من الحرير عند الحواف.

سألتها:

— هيرجع زي الأول؟

الست فاطمة بصت للفستان بحزن.

— مش بالضبط. لكن ممكن يرجع جميل. وأحيانًا الحاجة اللي بتتصلح بتفضل شايلة أثر اللي حصل لها، حتى لو الأثر ما بقاش واضح للناس.

سمعت صوت خطوات على السلم.

كانت سلمى واقفة عند آخر درجة، وسمعت كلامنا كله.

نزلت ببطء، وقالت:

— مش مهم يرجع زي الأول. أنا بس عايزة ألبسه، وأبعت الصورة لتيتة.

الست فاطمة ابتسمت لها.

— يبقى هنشتغل عليه الليلة كلها لو اضطرينا.

لأول مرة من ساعة ما رجعت البيت، شفت ابتسامة صغيرة تظهر على وش بنتي.

لكن نادية ما استحملتش المشهد.

قالت بسخرية:

— طبعًا. دلّعوها كلكم. خليها تحس إنها ضحية، وأنا أبقى الشريرة!

وبعدين دخلت أوضتها وقفلت الباب بعنف.

افتكرت إن اللي حصل انتهى عند كده.

لكن بعد حوالي ساعة، وأنا قاعد مع الست فاطمة وسلمى على ترابيزة السفرة، تليفوني رن.

كانت الحاجة زينب، جدة سلمى.

رديت عليها، وسمعتها بتقول:

— أحمد، هي سلمى كويسة؟ اتصلت بيا من شوية وصوتها ما كانش طبيعي.

بصيت لبنتي.

كانت قاعدة قدامي، بتساعد الست فاطمة تفصل قطعة صغيرة من البطانة القديمة.

قلت للحاجة زينب إن فيه مشكلة حصلت في الفستان، وإننا بنحاول نصلحه.

سكتت الجدة شوية، وبعدها قالت:

— الفستان ده مش مجرد قماش يا أحمد. ليلى كانت بتعتبره وعدًا لنفسها.

استغربت.

— وعد إيه يا أمي؟

تنهدت وقالت:

— لما كانت ليلى بتخيطه، كانت بتقول إنها عايزة بنتها يومًا ما تلبسه وهي حاسة إنها تقدر تختار حياتها بنفسها، من غير ما حد يقول لها إنها أقل من غيرها.

بصيت لسلمى، وحسيت إن الكلام ده وصل لها حتى وهي مش سامعاه.

الجدة كملت:

— ما كنتش عايزة الفستان علشان شكله، ولا علشان سعره. كانت عايزة تسيب لبنتها ذكرى تقول لها إنها تستحق تكون نفسها.

قفلت المكالمة وأنا بفكر في كلامها.

وبعدها، وأنا بلم حاجتي من فوق المكتب، لقيت ظرفًا بنيًا قديمًا كنت حاطه في درج مكتبي من شهور.

كان الظرف خاصًا بأوراق البيت.

قبل جوازي من نادية، كنت اشتريت المنزل وسجلته باسمي. وبعد الجواز، اتفقنا إننا نعيش فيه سوا، وإن كل واحدة من البنتين يكون ليها مكانها وخصوصيتها.

لكن في الشهور الأخيرة، نادية بدأت تتكلم كتير عن تجديد البيت، وتغيير الأوض، وحتى نقل بعض حاجات سلمى إلى المخزن علشان تدي مساحة أكبر لملك.

كنت بعتبرها خلافات عادية بين أفراد الأسرة.

دلوقتي، بدأت أسأل نفسي: هل كنت متساهلًا لدرجة إني ما شفتش اللي بيحصل؟

فتحت الظرف، وراجعت الأوراق.

وبين المستندات، لقيت ورقة بخط إيدي، كنت كاتب فيها ملاحظات عن مصاريف البيت وبعض الترتيبات اللي اتفقنا عليها.

لكن تحتها كان فيه مستند تاني ما كنتش فاكر إني شفته قبل كده.

كان طلبًا مبدئيًا لتغيير بعض بيانات الملكية، ومعاه ورقة عليها توقيع غير مكتمل.

قلّبت الورقة بين إيديا.

ما كانش فيه دليل إنها اتقدمت رسميًا أو إن أي تغيير حصل بالفعل.

لكن اسم نادية كان مكتوبًا بوضوح.

وفي اللحظة دي، سمعت صوتها من ورايا:

— إنت بتدور على إيه؟

لفيت ناحيتها.

كانت واقفة عند باب المكتب، وملامحها متوترة بشكل ما شفتوش قبل كده.

رفعت الورقة وسألتها:

— إيه ده يا نادية؟

بصت للمستند، ولون وشها اتغير.

وبعد صمت طويل، قالت:

— كنت هقول لك في الوقت المناسب.

سألتها:

— الوقت المناسب لإيه؟

ما ردتش.

لكن عينيها راحت ناحية الظرف المفتوح فوق المكتب، وبعدها رجعت لي.

وفجأة، فهمت إن حكاية الفستان ممكن تكون مجرد أول خيط في حكاية أكبر بكتير.

لأن زوجتي اللي كانت بتقول إنها بتحاول تحافظ على شكل العيلة قدام الناس، كان عندها سر متعلق ببيتنا نفسه… وسرٌّ لو اتكشف، ممكن يغيّر مستقبلنا كلنا.

يتبع في الجزء الثالث…
### الجزء الثالث: الورقة اللي كشفت حقيقة نادية… والسر اللي كانت بتحاول تخبيه عني

فضلت واقف قدام نادية، والورقة في إيدي.

قلت لها بهدوء:

— أنا سألتك سؤالًا واضحًا. إيه حكاية المستند ده؟

حاولت تمد إيدها تاخده مني، لكني رجعت الورقة لورا.

قالت بعصبية:

— دي مجرد أوراق كنت براجعها علشان نرتب أمور البيت. إنت بتشك فيا ليه؟

— علشان الورقة دي فيها بيانات تخص ملكية بيتي، وأنا ما افتكرش إني وافقت على أي حاجة من دي.

نادية سكتت لحظة، وبعدها قالت:

— أنا مراتك يا أحمد، مش واحدة غريبة عنك. المفروض يكون ليا مكان في البيت ده، مش كل حاجة تفضل باسمك وبس!

بصيت لها باستغراب.

— وإنتِ شايفة إن الحل إني أمضي على أوراق مش فاهمها؟

ردت بسرعة:

— أنا ما طلبتش منك تمضي حاجة!

حطيت المستند على المكتب، وقلت:

— كويس. يبقى لما نراجع الموضوع مع محامٍ، هنعرف كل التفاصيل.

وشها اتغير فورًا.

— محامٍ؟! إنت هتوصل الموضوع للدرجة دي بسبب ورقة؟

قلت لها:

— مش بسبب ورقة واحدة. بسبب إن الثقة بينا بدأت تتكسر، وأنا مش هقدر أتجاهل ده.

خرجت من المكتب وهي بتتمتم بكلام ما قدرتش أسمعه.

أما أنا، ففضلت مكاني، بحاول أفهم إزاي الأمور وصلت للمرحلة دي من غير ما آخد بالي.

كنت فاكر إن أكبر مشكلة في بيتنا هي اختلاف الطباع بين سلمى وملك، وإن دوري إني أوازن بين البنتين علشان ما تحسش واحدة فيهم إنها أقل من التانية.

لكن الحقيقة بدأت تظهر قدامي بشكل مختلف.

في صباح اليوم التالي، صحيت على صوت ماكينة الخياطة في غرفة الجلوس.

كانت الساعة ستة ونصف.

نزلت لقيت الست فاطمة قاعدة جنب الشباك، وسلمى قاعدة على الأرض جنبها، وقطع الحرير الأزرق متوزعة فوق الترابيزة.

ما ناموش غير ساعات قليلة.

قربت من الفستان، وشفت إن الست فاطمة بدأت تجمع الأجزاء المتضررة بطريقة دقيقة جدًا، مستخدمة قطعًا صغيرة من القماش القديم.

سألتها:

— هتلحقوا تخلصوه قبل الحفلة؟

رفعت عينيها وابتسمت.

— لو القماش ساعدنا، هنلحق. لكن الأهم إن سلمى تكون راضية عن النتيجة.

سلمى رفعت رأسها وقالت:

— أنا راضية حتى لو فضل فيه اختلاف بسيط. المهم ألبسه.

قعدت جنبها.

— عارفة يا بنتي، أنا آسف.

بصت لي باستغراب.

— على إيه يا بابا؟

— علشان ما أخدتش بالي إنك كنتِ بتتضايقي من حاجات بتحصل في البيت. يمكن كنت مشغول بشغلي، ويمكن كنت بحاول أخلي الدنيا هادية لدرجة إني سكت عن حاجات ما كانش المفروض أسكت عنها.

سلمى نزلت عينيها.

وبعد لحظات قالت:

— أنا ما كنتش عايزة أخليك تختار بيني وبين نادية.

الجملة دي وجعتني أكتر من أي حاجة حصلت في الليلة السابقة.

قلت لها:

— إنتِ بنتي، ومش مطلوب منك تتنافسي مع حد علشان تاخدي مكانك في حياتي. ومش مطلوب مني أختار بينك وبين أي حد. المطلوب إن كل واحد في البيت يحترم التاني.

عينيها لمعت بالدموع.

وبعدين سألتني:

— طب لو الفستان ما اتصلحش؟

ابتسمت وقلت:

— هنروح للحفلة، وهنبعت الصورة لتيتة. ولو ما قدرناش نصلحه، هنلاقي طريقة تانية نفتكر بيها ماما. لكن محدش هيقدر ياخد منك ذكرياتها.

حضنتني بقوة.

وفي اللحظة دي، عرفت إن القرار الصح مش إنقاذ الفستان وبس، لكن إني أحمي بنتي من إنها تعيش بقية حياتها وهي حاسة إنها عبء على أي حد.

على الناحية التانية من البيت، كانت نادية بتتصرف كأن اللي حصل مجرد خلاف عابر.

نزلت الساعة تمانية، لابسة هدومها، وقالت إنها هتخرج مع ملك علشان تشتري بعض مستلزمات الحفلة.

قبل ما تمشي، وقفت قدامي وسألتني:

— لسه زعلان مني؟

بصيت لها.

— إنتِ شايفة إن اللي حصل يستحق مجرد زعل؟

تنهدت وقالت:

— خلاص يا أحمد، أنا غلطت. لكن إنت كمان لازم تعترف إنك بتدي سلمى مساحة أكبر من ملك.

سألتها:

— هل ده يبرر إنك تقطعي فستان أمها؟

ردت بضيق:

— مش هنخلص من الموضوع ده أبدًا؟

قلت لها:

— هنخلص منه لما تعترفي إن اللي عملتيه كان غلط، من غير ما تحاولي تلومي سلمى أو تلوميني.

هزت راسها، وأخدت ملك وخرجت.

لكن قبل ما تقفل الباب، سمعتها بتقول لبنتها:

— للأسف، واضح إن اليوم كله هيبقى عن سلمى وفستانها.

ملك ما ردتش.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى