روايات وقصص

القصة كاملة بقلم محمد عبده

لما رجعت للأوضة، لقيتها قاعدة على السرير، ودموعها بتنزل في صمت.

قعدت جنبها وسألتها:

— إنتِ سمعتي كلام نهى؟

هزت راسها وقالت:

— سمعت إنها قالت إن حد دفع فلوس علشان جوازي يتم.

سكتت لحظة، وبعدها كملت:

— أنا من يوم ما اتجوزت حسام، وأنا حاسة إن فيه حاجة مش مفهومة. في الأول كان بيعاملني كويس، وكان بيشجعني أكمل شغل الحلويات. لكن قبل الفرح بأيام، كل حاجة اتغيرت. حماتي بدأت تتدخل في كل تفاصيل حياتي، وحسام بقى يطلب مني أسيب الشغل وأقعد في البيت.

سألتها:

— وإنتِ وافقتِ ليه؟

ردت بصوت مكسور:

— كنت بحبه، وكنت فاكرة إن التغيير ده مؤقت، وإن الأمور هترجع لطبيعتها بعد الجواز. ما كنتش أعرف إن الموضوع هيوصل إني أبقى خايفة أطلب فلوس علشان أشتري دواء.

مسكت إيدها وقلت:

— اللي حصل مش ذنبك يا سارة. وثقتك في جوزك مش عيب، لكن من حقك تعيشي بكرامة، وتعرفي الحقيقة عن فلوسك وحياتك.

في الصبح، اجتمعنا كلنا في المكتب.

كان موجود عبد الرحمن وأمينة وحسام ونهى ومحمود وأنا، وسارة قاعدة على كرسي مريح علشان رجليها.

أول حاجة عملها عبد الرحمن إنه حط الملف القديم على المكتب.

وقال بوضوح:

— النهارده مش هنتكلم عن عادات البيت ولا عن مين زعل مين. هنتكلم عن الفلوس اللي اختفت، وعن الأوراق اللي ظهرت، وعن الاتهامات اللي اتقالت من غير دليل.

حماتي حاولت تعترض:

— يا عبد الرحمن، إنت كده بتحول مشكلة بسيطة لمصيبة كبيرة.

بصلها وقال:

— المشكلة البسيطة ما كانتش هتخلي مرات ابني تعيش بالشكل ده شهور طويلة.

بعدها فتح الملف وبدأ يراجع الأوراق واحدة واحدة.

اتضح إن والد سارة كان سايب لها ميراثًا ماليًا، وإن جزءًا من المبلغ كان محفوظًا في حساب منفصل، لكن إدارة الحساب كانت مرتبطة بإجراءات قانونية لازم تتراجع مع الجهة المسؤولة.

أما الورقة اللي لقيناها في المكتب، فكانت بتشير إلى مبلغ جرى تسجيله باعتباره «سلفة عائلية»، من غير ما يكون واضحًا مين المستفيد الحقيقي منه.

عبد الرحمن رفع الورقة وقال:

— مين اللي كتب الكلام ده؟

حسام فضل ساكتًا.

نهى بصت لأمها، وأمينة بدأت ترتب الأوراق بعصبية.

كرر عبد الرحمن سؤاله:

— أنا بسأل مين اللي كتب إن المبلغ ده يتخصم من نصيب سارة؟

في النهاية، حسام اتكلم.

— أنا اللي كتبت الورقة، لكن ما كانش قصدي أسرق فلوسها.

سارة بصت له بصدمة.

— فلوسي أنا؟ إنت كنت بتتصرف في فلوسي من ورايا؟

حسام حاول يبرر:

— أنا كنت بحاول أساعد البيت. كان فيه التزامات، وكنت فاكر إن المبلغ ممكن يتعوض بعدين.

سألته:

— طب ليه ما قلتليش؟

ما ردش.

كملت سارة، وصوتها بدأ يقوى:

— وليه اتهمتني إني أخدت فلوس من البيت؟ وليه خليتني أطلب منك فلوس الدواء، وأنا أصلًا عندي ميراث من أبويا؟

حسام نزل عينيه، لكنه ما قدمش إجابة واضحة.

هنا تدخلت نهى وقالت:

— أنا اللي طلبت من حسام يستخدم جزءًا من المبلغ علشان نسدد التزامات كانت على البيت. ماما كانت عارفة، وكنا فاكرين إن الموضوع هيتحل بعدين.

عبد الرحمن بص لأمينة وقال:

— وإنتِ كنتِ عارفة إن سارة ما أخدتش الفلوس؟

أمينة سكتت للحظات، وبعدها قالت:

— أنا ما كنتش متأكدة مين أخد المبلغ، لكن لما اختفى، شكيت فيها.

سارة رفعت راسها وقالت:

— شكيتِ فيا، فقررتِ تعاقبيني؟ من غير دليل؟ من غير ما تسمعيني؟ من غير حتى ما تسأليني بهدوء؟

حماتي ردت:

— أنا كنت بحاول أحافظ على البيت.

سارة مسحت دموعها وقالت:

— البيت اللي محتاج يظلم حد علشان يحافظ على نفسه، يبقى محتاج يتغير.

الجملة دي خلت الكل يسكت.

حتى حسام ما قدرش يرد.

لكن عبد الرحمن كان لسه عنده سؤال أخير.

أخرج نسخة من التسجيل القديم، وطلب من محمود يعرضها مرة تانية.

قال:

— إحنا عرفنا إن حسام دخل المكتب وأخذ ظرفًا، لكن ده لوحده ما يثبتش إنه أخذ المبلغ المفقود كله. أنا عايز أعرف مين اللي دخل المكتب في الليلة اللي اختفت فيها الفلوس.

راجع محمود تاريخ التسجيلات الموجودة على الجهاز، وفتح مقطعًا آخر من كاميرا المدخل.

ظهر في التسجيل شخص داخل المكتب بعد منتصف الليل، وبعد دقائق خرج وهو شايل حقيبة صغيرة.

المرة دي، كانت الصورة أوضح.

كانت نهى.

نهى قامت من مكانها بسرعة وقالت:

— أنا دخلت المكتب فعلًا، لكن ما أخدتش فلوس!

عبد الرحمن سألها:

— أمال كنتِ بتعملي إيه؟

ردت بتوتر:

— كنت بدور على أوراق تخص ماما.

سألها محمود:

— وخرجتي بالحقيبة ليه؟

نهى سكتت، وبعدها قالت إنها كانت شايلة أوراقًا وملابس تخصها، وإنها ما كانتش فاكرة إن فيه تسجيلًا للوقت ده.

عبد الرحمن ما اكتفاش بكلامها، وطلب مراجعة باقي المستندات، والتأكد من حركة الأموال من خلال السجلات الرسمية.

وبعد مراجعة الأوراق، اتضح إن المبلغ اللي اتقال إنه اختفى ما كانش كله في ظرف واحد، وإن جزءًا من الحسابات اتخلط بمصروفات والتزامات عائلية، بينما جزء آخر اتسجل باسم حسام ونهى من غير توضيح كافٍ لمصدره.

ما قدرناش نحدد مصير كل جنيه من التسجيل وحده، لكن بقى واضحًا إن اتهام سارة ما كانش قائمًا على دليل حقيقي.

عبد الرحمن قرر إنه يستعين بمحاسب مستقل لمراجعة الحسابات، وإن أي مبلغ يثبت إنه من حق سارة لازم يرجع لها بالطريقة القانونية الصحيحة.

أما حسام، فطلب من سارة إنها تسامحه.

قال لها:

— أنا غلطت، وكان المفروض أتكلم معاكي بدل ما أسيب الأمور توصل لكده.

سارة بصت له طويلًا، وبعدها ردت:

— الاعتذار مش كلمة بتتقال بعد ما الحقيقة تظهر. أنا محتاجة أشوف تغييرًا حقيقيًا، وأحتاج وقت أفكر في حياتي.

حماتي حاولت تتدخل وتطلب منها إنها ترجع كل حاجة لطبيعتها.

لكن سارة وقفت، واستندت عليّ لحد ما قدرت تثبت رجليها.

وقالت:

— أنا مش هرجع لنفس الحياة اللي كنت عايشاها. مش هركع قدام باب علشان أقدم الأكل، ومش هفضل أستأذن علشان أشتري الدواء، ومش هقبل إن حد يتهمني من غير دليل.

حسام حاول يقرب منها، لكنها رفعت إيدها وقالت:

— لو عايز تصلح اللي حصل، ابدأ باحترام قراري. أنا محتاجة أتعالج، وأرجع أشتغل، وأستعيد حياتي.

بعدها، خرجت من المكتب معايا.

وقبل ما نوصل للباب، سمعت صوت حماتي بتنادي عليها:

— سارة، استني! إنتِ هتسيبي البيت وتمشي كده؟

سارة وقفت، ولفت لها.

وقالت بهدوء:

— أنا مش بسيب بيتًا علشان مشاكله. أنا بسيب طريقة حياة كانت بتخليني أنسى أنا مين.

وخرجنا.

**بعد أسبوعين**

كنت قاعدة مع سارة في شقة صغيرة استأجرتها مؤقتًا، لحد ما تقدر ترتب أمورها.

كانت ركبتها اتحسنت بعد ما التزمت بالراحة والعلاج، وبدأت تتواصل مع الفندق اللي كانت بتشتغل فيه علشان تعرف إذا كانت فيه فرصة ترجع لمجال الحلويات.

في اليوم ده، دخلت عليّ المطبخ وهي شايلة ورقة، وعلى وشها ابتسامة حقيقية لأول مرة.

قالت:

— داليا، وافقوا أقابلهم الأسبوع الجاي. قالوا إنهم محتاجين حد عنده خبرة في تجهيز الحلويات.

فرحت لها من قلبي، وحضنتها.

— شايفة؟ حياتك لسه قدامك، ولسه تقدري تحققي حاجات كتير.

بعدها بفترة، بدأت الإجراءات الرسمية لمراجعة الأموال، وبمساعدة مختص، قدرت سارة تعرف تفاصيل حسابها وحقوقها، بدل ما تفضل معتمدة على كلام أي حد في العيلة.

أما علاقتها بحسام، فما رجعتش لطبيعتها بسرعة. قررت تاخد وقتها، وتحط حدودًا واضحة، وتقيّم إذا كان فيه تغيير حقيقي يستحق إنها تعيد النظر في مستقبل الجواز.

محمود كمان اتغير.

بقى يتكلم معايا بصراحة عن الحاجات اللي كان بيعتبرها «عادات عائلية»، واعترف إنه كان أحيانًا بيسكت علشان يتجنب المشاكل، حتى لما كان شايف إن فيه حاجة غلط.

قال لي ذات ليلة:

— أنا كنت فاكر إن السكوت بيحافظ على العيلة، لكن اكتشفت إنه أحيانًا بيخلي الغلط يستمر.

ابتسمت وقلت له:

— العيلة مش إننا نوافق على كل حاجة علشان نفضل مع بعض. العيلة الحقيقية إننا نقدر نقول إن فيه غلط، ونحاول نصلحه من غير ما نهين بعض.

وبعد شهر، رجعت سارة تشتغل في مجال الحلويات، وبدأت تستعيد ثقتها بنفسها خطوة بخطوة.

أما أنا، فعمري ما نسيت اللي شفته في أول ليلة دخلت فيها بيت عيلة جوزي.

ست راكعة على الأرض، وركبها بتوجعها، وكل اللي حواليها شايفين إن ده شيء طبيعي.

لكن الحقيقة إن سارة ما كانتش محتاجة حد ينقذها ويقرر عنها؛ كانت محتاجة حد يسمعها، ويصدق إن من حقها تعترض، ويساعدها تعرف حقوقها وتختار بنفسها الطريق اللي يناسبها.

ومن يومها، بقيت مؤمنة إن احترام العيلة مش معناه إن الكبير دايمًا صح، ولا إن الزوجة لازم تتحمل كل حاجة علشان تحافظ على بيتها.

**الاحترام الحقيقي إن محدش يضطر يخاف علشان يعيش بكرامة.**

والسؤال اللي فضلت أفكر فيه بعد كل اللي حصل:

لو كنت مكاني في الليلة دي، وشفت مرات أخو جوزك راكعة على الأرض والكل بيتعامل مع ده كأنه أمر عادي، كنت هتتدخل وتواجه العيلة، ولا كنت هتقول إن دي مشاكل بيت مش من حقك تتدخل فيها؟

اكتبوا رأيكم في التعليقات، لأن ساعات موقف واحد بنقرر فيه ما نسكتش، ممكن يكون بداية تغيير حياة إنسان بالكامل.

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى