
وبصيت لبرونو مباشرة.
— ودي حاجة واضح إنك ما اتعلمتهاش.
احمر وشه من الغضب، لكنه ما قربش مني تاني.
باولا كانت لسه ماسكة الموبايل، وفجأة قالت:
— استنوا، إنتوا لسه ما شفتوش باقي الفيديو!
كل العيون اتجهت ناحيتها.
ضغطت على الشاشة، وبدأ الفيديو يتحرك.
ظهرت أنا في الحلبة، واقفة جنب مدربي القديم، وهو بيرفع إيدي بعد الفوز. الجمهور كان بيهتف باسمي، والمذيع بيعلن فوزي بالبطولة.
لكن بعد لحظات، اتغير المشهد.
ظهرت في غرفة صغيرة خلف الحلبة، قاعدة على كرسي، ووشي عليه علامات الإرهاق، وبجانبي مدربي، الكابتن عادل.
كان بيكلمني بجدية، وأنا بهز راسي من غير ما أرد.
وبعدين سمعت صوتي في التسجيل وأنا بقول:
— أنا مش هقدر أكمل. الموضوع انتهى يا كابتن.
رد عليّ المدرب:
— إنتِ متأكدة من قرارك يا إيلين؟ إنتِ وصلتي لحاجة ناس كتير بتحلم بيها طول عمرها.
بصيت له في الفيديو، وقلت:
— في حاجات أهم من البطولة يا كابتن. وفي حاجات لو خسرتها، مش هتعوضها أي ميدالية.
الفيديو انتهى فجأة.
باولا رفعت عينيها وسألتني:
— إنتِ سيبتي القتال ليه؟ وليه عمرك ما حكيتي لمحمود عن التفاصيل دي؟
قبل ما أرد، محمود اتكلم بصوت منخفض:
— لأنها كانت بتحاول تحمي شخص غالي عليها.
بصيت له بصدمة.
ما كنتش متوقعة إنه يقول الكلام ده قدام عيلته.
برونو ضحك بسخرية، لكن ضحكته المرة دي كانت متوترة.
— تحمي مين يعني؟ هو إحنا في فيلم أكشن؟!
محمود لف ناحيته، وقال:
— كفاية يا برونو. إنت ما تعرفش أي حاجة عن حياتها قبل ما تقابلنا.
— وإنت تعرف؟!
السؤال خرج من برونو بنبرة استفزاز، لكن محمود ما ردش فورًا.
بصيت لجوزي، وفهمت من تعبير وشه إنه كان بيحاول يحافظ على وعد قديم قطعه ليا.
وعد إنه ما يضغطش عليّا عشان أحكي عن الماضي، وإنه يسيب لي حرية الكلام لما أكون مستعدة.
لكن بعد اللي حصل، حسيت إن السكوت بقى ظلم ليا أنا كمان.
قلت وأنا ببص لكل الموجودين:
— من عشر سنين، كنت بتمرن عشان أشارك في بطولة دولية. كنت قريبة جدًا من تحقيق أكبر حلم في حياتي. لكن قبل البطولة بأسابيع، حصل موقف خلاني أعيد التفكير في كل حاجة.
سكتّ لحظة، وبعدين كملت:
— واحد من الأشخاص اللي كنت بثق فيهم استغل ثقتي فيه، وحاول يضغط عليّا عشان أتنازل عن حقي في البطولة. ولما رفضت، بدأ ينشر عني كلام كدب، ويحاول يدمّر سمعتي.
باولا حطت إيدها على بقها.
أما حماتي، فبصت لي باستغراب واضح.
كملت كلامي:
— كان ممكن أحارب عشان أثبت الحقيقة، وكنت بالفعل بدأت أجهز كل حاجة. لكن في الوقت ده، أمي تعبت جدًا، وبقت محتاجة حد يقف جنبها. فاخترت أكون معاها، وأبعد عن كل الصراعات دي.
محمود نزل عينيه للأرض.
كان عارف قد إيه القرار ده كلّفني، وقد إيه كان صعب عليّا أسيب حلم عشت سنين بحاول أوصله.
لكن اللي ما كنتش مستعدة أقوله لحد، هو إن الشخص اللي حاول يدمّر مستقبلي ما اختفاش من حياتي زي ما كنت متخيلة.
بعد فترة قصيرة من اعتزالي، اكتشفت إنه كان بيحاول يتواصل مع ناس من محيطي، ويسأل عن أخباري.
وعشان كده، قررت أبدأ من جديد، وأبعد عن أي حاجة تربطني بالماضي.
لحد ما قابلت محمود.
كان أول شخص يشوفني من غير ما يسألني عن بطولاتي، أو يحاول يعرف أنا كنت مين قبل ما أقابله.
حبني وأنا ست عادية بتشتغل، وترجع بيتها، وتهتم بحياتها.
وعشان كده، اخترت أحتفظ بالماضي لنفسي.
لكن برونو ما كانش مهتم يسمع قصتي.
قاطعني وهو بيقول:
— يعني كل الحكاية إنك كنتِ بطلة وبعدين اعتزلتي؟! وإيه علاقة ده باللي حصل النهارده؟
بصيت له وقلت:
— علاقته إنك افتكرت إن هدوئي معناه إني ضعيفة، وإن سكوتي معناه إنك تقدر تهينني من غير حساب.
وبعدين أشرت ناحية محمود.
— والأهم إنك اعتديت على أخوك لمجرد إنه طلب منك تحترم مراته.
محمود رفع رأسه، وقال بصوت ثابت:
— إيلين عندها حق. المشكلة مش في الفيديو، ولا في إنها كانت بطلة. المشكلة في تصرفاتك يا برونو.
برونو لف ناحيته، وملامحه اتغيرت.
— إنت بجد واقف في صفها ضدي؟ أنا أخوك!
محمود رد من غير تردد:
— وأهي مراتي، وأنا مسؤول إني أحترمها وأحمي كرامتها. كونك أخويا مش معناه إن ليك الحق تهينها أو تمد إيدك عليها.
حماتي دخلت بينهم بسرعة.
— خلاص بقى! مش هنحوّل العزومة لخناقة كبيرة. كل واحد يهدى، ونتكلم في الموضوع بعدين.
لكن باولا، اللي كانت ساكتة طول الوقت، قالت فجأة:
— لا يا ماما، المرة دي لازم نعرف الحقيقة كلها.
بصينا لها باستغراب.
فتحت معرض الصور في موبايلها، وبدأت تدور على ملف معين.
وبعد ثوانٍ، رفعت رأسها وقالت:
— أنا لقيت الفيديو ده بالصدفة من فترة، وكنت فاكرة إنه مجرد مقطع رياضي قديم. لكن لما بحثت عن اسم إيلين، اكتشفت حاجة غريبة جدًا.
برونو عقد حاجبيه.
— حاجة إيه تاني؟!
باولا بصت لي، ثم قالت:
— الشخص اللي كان سبب اعتزال إيلين… اسمه موجود في شغلنا!
حسيت بقلبي بيدق بقوة لأول مرة من بداية العزومة.
محمود اتقدم خطوة وسألها:
— تقصدي مين يا باولا؟
بلعت ريقها، ولفت شاشة الموبايل ناحيتنا.
كان ظاهر على الشاشة اسم شخص ما شفتوش من عشر سنين، لكني ما نسيتوش يوم واحد.
الاسم اللي كان سبب خروجي من عالم القتال… واللي كنت فاكرة إن حكايتي معاه انتهت للأبد.
همست من غير ما أحس:
— مستحيل…
محمود بص لي بقلق.
— إيلين، إنتِ تعرفي الشخص ده؟
رفعت عيني عن الشاشة، وقلت بصوت مرتعش رغم محاولتي إني أتماسك:
— أعرفه كويس جدًا يا محمود.
وبعدين بصيت لباولا وسألتها:
— هو موجود في شركتكم بصفته إيه؟
باولا اترددت للحظة، وبعدها قالت الجملة اللي قلبت كل حاجة رأسًا على عقب:
— مش مجرد موظف يا إيلين… ده الشريك الجديد اللي داخل معانا في أكبر صفقة للشركة، والاجتماع الرسمي بتاعه مع العيلة كلها بعد يومين!
في اللحظة دي، محمود مسك إيدي برفق وقال:
— إيلين، مهما كان اللي حصل زمان، مش هسيبك تواجهيه لوحدك.
لكن وأنا ببص للاسم على الشاشة، كنت عارفة إن الموضوع المرة دي مش مجرد مواجهة مع شخص من الماضي.
لأن الراجل ده كان عارف سرًا أخطر من كل اللي حكيته…
سر لو ظهر، ممكن يغيّر حياتي وحياة محمود وعيلته كلها.
والأصعب من كده، إني بدأت أشك إن ظهوره في الشركة ما كانش صدفة أبدًا…




