روايات وقصص

الارمل والطفل

وبعدين قال:

«الحقيقة إن أنا كمان اتعلمت منك حاجة يا نهى.»

استغربت وسألته:

«اتعلمت مني إيه؟»

قال:

«إن الإنسان ممكن يكون تعبان ومضغوط، ومع ذلك يفضل بيحاول يحافظ على كرامته، ويعمل كل اللي يقدر عليه عشان أولاده. أنا كنت فاكر إن مساعدة الناس معناها إني أقدم لهم حاجة، لكن اكتشفت إن ساعات الناس اللي بنساعدهم بيغيروا نظرتنا للحياة إحنا كمان.»

نهى سكتت للحظات، ثم قالت:

«ربنا يجازي حضرتك كل خير.»

ابتسم أحمد.

«ويجبر بخاطركم جميعًا.»

مرت الشهور، وبدأت الحياة تتغير بالنسبة للعائلة الصغيرة.

نهى رجعت تكمل دراستها تدريجيًا، والتحقت بتدريب في مجال المحاسبة، وكانت بتذاكر بعد ما تنام البنتين.

في بعض الأيام كانت تتعب وتحس إن المسؤوليات أكبر من قدرتها، لكن كل مرة كانت تبص لملك وروزي، تفتكر إنها بتحاول تبني لهم مستقبلًا أفضل.

أما أحمد، فبدأ يغيّر حياته هو كمان.

ما بقاش يهرب من البيت كل يوم بسبب الصمت. رجع يزور أصدقاءه، ويشارك في أنشطة المؤسسة، وخصص وقتًا لنفسه بعيدًا عن الشغل.

ولأول مرة من وفاة مريم، رجع يهتم بالحديقة اللي كانت بتحبها، وزرع فيها شجيرات ورد جديدة.

وفي إحدى الزيارات للمؤسسة، جاب لملك كراسة رسم وألوان، بعدما عرف إنها بتحب الرسم.

أول ما شافته، جريت ناحيته وهي بتضحك.

«عمو أحمد! جبت لي ألوان؟»

ردّ مبتسمًا:

«أيوه، بس بشرط.»

رفعت ملك حاجبيها بفضول.

«شرط إيه؟»

قال ضاحكًا:

«ترسميلي البيت الكبير اللي نفسك تعمليه، بالجنينة وكل حاجة.»

قعدت ملك على ترابيزة صغيرة، وبدأت ترسم بيتًا واسعًا، فيه شجر وزهور وشباك كبير.

وبعد شوية، رفعت الرسمة بفخر.

كان في الصورة بيت كبير، وفيه ستة أشخاص واقفين في الحديقة.

نهى، وملك، وروزي، وأحمد، وامرأة مرسومة في السماء بجناحين صغيرين، وشخص آخر صغير واقف جنبهم.

أحمد ابتسم وسألها:

«مين الست اللي فوق دي يا ملك؟»

ردت ببساطة:

«دي طنط مريم. ماما قالت لي إنها كانت ست طيبة، وإنها بتحب تساعد الناس.»

سكت أحمد، وشعر إن عينيه امتلأت بالدموع.

أما نهى، فبصّت لبنتها بحنان، ثم قالت لأحمد:

«أنا حكيت لها عن مريم، وعن إن الخير اللي عملته لسه بيساعد ناس لحد النهارده.»

أحمد بصّ للرسمة مرة تانية.

ماكانش في يوم من الأيام بيتخيل إن ذكرى زوجته هتفضل حاضرة بالشكل ده، وإن حلمها القديم هيتحول إلى فرصة جديدة لأسرة ماكانش يعرفها.

مر عام كامل.

نهى نجحت في اجتياز مراحل مهمة من دراستها، وحصلت على فرصة عمل مناسبة في شركة محاسبة، بساعات مرنة تسمح لها برعاية بنتيها.

وفي يوم استلامها أول راتب، راحت مع ملك وروزي إلى مقر مؤسسة مريم.

كانت شايلة ظرفًا صغيرًا، ولما قابلت أحمد، قدمته له.

استغرب وقال:

«إيه ده؟»

ابتسمت نهى.

«دي أول مساهمة مني لصندوق دعم الأمهات. مش مبلغ كبير، لكنه من أول راتب أخدته من شغلي.»

أحمد بصّ للظرف، ثم رفع عينيه لها.

«إنتِ مش مطالبة تعملي كده يا نهى.»

ردت بثقة:

«أنا عارفة. لكن أنا عايزة أعمل كده. مش عشان أرد جميل، لكن عشان يمكن في أم تانية تقف يوم قدام الكاشير، وتحس إنها مش عارفة هتعمل إيه. يمكن المساعدة دي تفرق معاها زي ما فرقت معايا.»

ابتسم أحمد، وشعر بفخر حقيقي.

«يبقى إنتِ فهمتي الرسالة اللي مريم كانت بتحاول توصلها.»

سألته نهى بهدوء:

«رسالة مريم؟»

حكى لها عن الخطاب اللي تركته زوجته، وعن إيمانها بأن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى من يحل مشكلاته بدلًا منه، بل إلى فرصة عادلة تساعده على بناء حياته بنفسه.

استمعت نهى باهتمام، ثم قالت:

«ربنا يرحمها. يمكن هي ما تعرفنيش شخصيًا، لكن أثرها في حياتي كبير جدًا.»

رد أحمد:

«وأنا كمان أثرها لسه بيعلمني حاجات جديدة كل يوم.»

في اللحظة دي، جريت ملك ناحية أحمد، ومدت له رسمة جديدة.

كانت رسمة لبيت كبير، لكنه المرة دي ماكانش فيه ستة أشخاص. كان فيه أشخاص كتير واقفين جنب بعض، وكل واحد فيهم بيساعد التاني.

وفي أعلى الرسمة، كتبت ملك بمساعدة أمها:

«الخير بيبدأ بحاجة صغيرة، وبعدها يكبر لما كل واحد فينا يشارك فيه.»

أحمد قرأ الجملة، وابتسم.

ثم نظر إلى السماء من خلال نافذة القاعة، وهمس:

«شكرًا يا مريم… لسه بتعلّميني إزاي أعيش.»

لم يكن أحمد قد أنقذ نهى وبنتيها وحدهم، ولم تكن نهى مجرد امرأة تلقت مساعدة من رجل ثري.

لقد اكتشف كل منهما أن الحياة، مهما أخذت من الإنسان، قد تترك له بابًا جديدًا للأمل.

علبة لبن واحدة لم تحل كل المشكلات، لكنها كانت بداية طريق جديد؛ طريق عادت فيه أم إلى حلمها، وحصلت فيه طفلة على فرصة أفضل للعلاج، ووجدت فيه طفلة صغيرة من يساعدها على رسم مستقبلها، واستعاد فيه رجل أرمل جزءًا من نفسه كان يظن أنه فقده إلى الأبد.

وأحيانًا، أعظم تغيير في حياة الإنسان لا يبدأ بقرار كبير أو ثروة ضخمة، بل بلحظة رحمة بسيطة، يختار فيها شخص أن يساعد شخصًا آخر دون أن ينتظر منه شيئًا في المقابل.

تمت القصة. ❤️

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى