
«ممكن أسألك سؤال شخصي، ولو مش حابة تردي، براحتك تمامًا؟»
نهى اترددت، ثم قالت:
«اتفضل.»
«إنتِ سبق وشاركتي في برنامج خيري تابع لمؤسسة اسمها مؤسسة مريم للتنمية المجتمعية؟»
تغيّرت ملامح نهى فجأة.
بصّت له باندهاش شديد، وسألته:
«حضرتك عرفت اسم المؤسسة دي منين؟»
أحمد حس إن سؤاله لمس ذكرى حساسة.
«لقيت اسمك في ملف قديم كانت زوجتي بتتابعه قبل وفاتها. كنت بحاول أفهم إذا كان فيه علاقة بين الملف ده وبين المؤسسة اللي بنتعامل معاها دلوقتي.»
نهى سكتت، وبصّت لروزي، ثم لملك.
وبعد لحظات، قالت:
«أيوه، أنا كنت مشاركة في البرنامج من أربع سنين. وقتها كنت لسه بدرس، وكنت بشتغل جنب الدراسة عشان أقدر أساعد أمي.»
سألها أحمد:
«ومريم كانت بتتابع حالتك؟»
هزّت نهى رأسها.
«هي ما قابلتنيش بنفسها، لكن كانت بتوصلني رسائل عن طريق مسؤولة البرنامج. كانت بتشجعني أكمل دراستي، وبتقول لي إن الظروف الصعبة مش معناها إن مستقبلي انتهى.»
أحمد حس بقشعريرة خفيفة.
«طب ليه توقفتِ عن البرنامج؟»
نهى تنهدت، وكأنها رجعت بذاكرتها لأيام كانت بتحاول تنساها.
«حصلت ظروف في البيت. أمي تعبت، واضطريت أوقف دراستي فترة عشان أعتني بيها. وبعدها اتجوزت، وافتكرت إن حياتي هتستقر. لكن جوزي توفّى فجأة، وبقيت مسؤولة عن ملك وروزي لوحدي.»
سكتت للحظة، ثم أضافت:
«آخر رسالة وصلتني من المؤسسة كانت بتقول إن فيه فرصة أرجع أكمل دراستي، لكن وقتها كنت في شهور الحمل الأولى، وظروفي ما كانتش تسمح.»
أحمد كان بيسمعها باهتمام، وكل كلمة كانت بتكشف له جانبًا جديدًا من الحكاية.
لكن السؤال الأهم فضل موجودًا في ذهنه.
ليه مريم كتبت في الملف إن نهى محتاجة فرصة حقيقية، مش مساعدة مؤقتة؟
وليه كانت مصرة إن حد يتأكد إن مستقبلها ما يضيعش؟
قبل ما يسأل، دخلت الدكتورة سلوى وأخبرت نهى إن روزي خلصت الكشف، وإن الفريق الطبي هيحدد معها خطة المتابعة المناسبة.
نهى شكرتها، ثم التفتت لأحمد.
«أنا مش عارفة أرد جميل حضرتك إزاي.»
ردّ عليها بحزم هادي:
«إنتِ مش مطالبة تردّي أي جميل. اهتمي ببناتك، وحاولي تقفي على رجلك من جديد. ولو فيه فرصة مناسبة تساعدك تكملي تعليمك أو شغلك، أتمنى تستفيدي منها.»
نهى بصّت له طويلًا، ثم قالت:
«نفسي أرجع أدرس. كان حلمي أشتغل في مجال المحاسبة، لكن دلوقتي حتى التفكير في الموضوع بقى صعب.»
أحمد ما وعدهاش بحاجة في اللحظة دي، لكنه طلب منها تتواصل مع المؤسسة لو حبت تعرف فرص التدريب والمنح المتاحة، وأكد لها إن القرار كله في إيدها.
ثم ودّعها وغادر المستشفى.
في المساء، رجع أحمد إلى بيته، وفتح الملف القديم مرة تانية.
كان مساعده قد أرسل له مجموعة من المستندات الإضافية التي عثر عليها في الأرشيف.
من بينها خطاب كتبته مريم قبل وفاتها بأشهر قليلة.
فتح أحمد الخطاب، وبدأ يقرأ:
«إلى الشخص الذي سيتولى متابعة البرنامج من بعدي…
هناك أشخاص لا يحتاجون إلى من يعيش حياتهم بدلًا منهم، بل يحتاجون فقط إلى فرصة عادلة حتى يتمكنوا من بناء حياتهم بأنفسهم.
نهى واحدة من هؤلاء الأشخاص.
لا أعرف أين ستصل بها الأيام، لكنني أتمنى ألا تتحول الظروف التي تمر بها إلى نهاية لأحلامها.
إذا عادت يومًا وطلبت المساعدة، فلا تجعلوها تشعر بأنها عبء على أحد. ساعدوها على استعادة قدرتها على الوقوف، واتركوا لها حرية اختيار الطريق الذي يناسبها.
فأحيانًا، تكون أعظم مساعدة نقدمها لإنسان هي أن نذكّره بأنه ما زال قادرًا على صنع مستقبل مختلف.»
توقّف أحمد عن القراءة، ووضع الخطاب على المكتب.
نزلت دموعه بصمت.
لأول مرة منذ وفاة مريم، شعر إنه بيسمع صوتها من جديد، مش من خلال الذكريات، لكن من خلال شيء تركته وراءها عشان يكمل بعد رحيلها.
وفجأة، لاحظ إن الخطاب فيه إشارة إلى مستند آخر، محفوظ في صندوق الأوراق الشخصية لمريم.
فتح الصندوق، وبدأ يبحث بين الأوراق القديمة، لحد ما وجد ظرفًا صغيرًا عليه اسمه بخط زوجته.
فتح الظرف، وقرأ السطر الأول.
«أحمد حبيبي، لو بتقرأ الرسالة دي، فغالبًا أنا ما بقيتش جنبك. وفيه حاجة كنت أتمنى أحكيها لك بنفسي، لكن الظروف ما سمحتش…»
توقفت أنفاسه للحظة.
قعد على الكرسي، وبدأ يكمل القراءة، وهو مش عارف إذا كان مستعدًا للحقيقة اللي مريم قررت تسيبها له.
لأن الرسالة التالية ما كانتش عن المؤسسة الخيرية وحدها… كانت عن حلم قديم جمع أحمد ومريم، وعن قرار اتخذته مريم في أيامها الأخيرة، من غير ما يعرف عنه زوجها أي شيء!
يتبع في الجزء الرابع والأخير… 👇
### الجزء الرابع والأخير: الرسالة اللي غيّرت كل حاجة
فضل أحمد الشافعي قاعد في مكتبه، ماسك جواب مريم بإيدين مرتعشتين، وعينيه بتتحرك بين السطور وهو بيحاول يستوعب كل كلمة.
كان متخيل إن الرسالة هتكون مجرد كلمات وداع، أو نصايح كتبتها له زوجته قبل رحيلها، لكنه اكتشف إن مريم كانت مخبية عنه حكاية كاملة، حكاية مرتبطة بأكبر حلم عاشوا بيه سوا.
بدأ يقرأ بصوت منخفض:
«أحمد حبيبي،
لو بتقرأ الرسالة دي، فغالبًا أنا ما بقيتش جنبك. وعارفة إنك هتزعل إني ما حكيتلكش كل حاجة، لكن كان عندي سبب.
فاكر لما كنا بنحلم إن بيتنا يبقى مليان أطفال؟ فاكر كل مرة كنا بنرجع فيها من زيارة للدكتور، ونحاول نواسي بعض ونقول إن ربنا أكيد كاتب لنا الخير؟
أنا عمري ما نسيت الحلم ده، حتى لما اضطرينا نتقبل إن حياتنا مش هتمشي بالطريقة اللي تمنيناها.
لكن مع الوقت، فهمت إن الأمومة مش دايمًا معناها إنك تخلف طفل. ساعات معناها إنك تكون سبب في إن طفل يعيش حياة أفضل، وإنك تفتح باب أمل لأسرة كانت فاكرة إن كل الأبواب اتقفلت في وشها.»
توقف أحمد عن القراءة، وغمض عينيه.
كان فاكر كل ليلة قضوها سوا وهم بيحاولوا يتقبلوا إن حلم الإنجاب ممكن ما يتحققش. وكان فاكر إزاي مريم، رغم حزنها، بدأت تهتم بمساعدة الأطفال والأمهات اللي ظروفهم صعبة.
لكنه ماكانش يعرف إن الموضوع وصل للدرجة دي.
رجع يكمل الرسالة.
«من أربع سنين، قابلت بالصدفة مسؤولة عن برنامج بيساعد البنات اللي ظروفهم الأسرية والمادية بتمنعهم من إكمال تعليمهم.
ومن خلال البرنامج، عرفت حكاية بنت اسمها نهى محمود.
نهى كانت متفوقة في دراستها، وبتشتغل جنب الدراسة عشان تساعد أسرتها. ورغم كل الظروف اللي مرت بيها، كانت بتحاول تتمسك بحلمها إنها تبقى محاسبة.
وقتها حسيت إنها محتاجة حد يؤمن بيها، مش حد يشفق عليها.
ساعدت البرنامج إنه يوفر لها فرصة تكمل تعليمها، لكنني طلبت منهم ما يقولولهاش اسمي، لأنني ماكنتش عايزة تحس إنها مطالبة بأي حاجة في المقابل.
كنت أتمنى إنها تنجح وتعيش حياة مستقرة، حتى لو ما قابلتهاش في يوم من الأيام.»
أحمد رفع عينيه عن الرسالة.
دلوقتي فهم ليه اسم نهى كان موجودًا في الملف القديم، وليه مريم كانت مهتمة بمستقبلها.
لكن الرسالة كان لسه فيها جزء أخير.
«أحمد، أنا عارفة إنك بعد رحيلي ممكن تقفل على نفسك، وتخلي الشغل ياخد كل وقتك، وتنسى إن الحياة لسه فيها حاجات تستحق إنك تعيش عشانها.
أرجوك، ما تعملش كده.
مش عايزاك تساعد نهى لأنها محتاجة، ولا لأنك حاسس إنك لازم تكمل حاجة أنا بدأتها.
عايزاك تساعدها لو كنت مؤمن إن الإنسان ممكن يبدأ من جديد، وإن الخير اللي بنعمله مش لازم يرجع لنا بنفس الصورة اللي قدمناه بيها.
ولو في يوم لقيت نفسك قادر تضحك من قلبك تاني، ماتحسش إنك كده نسيتني.
أنا هفضل جزءًا من حياتك، حتى لو الأيام أخدتك لطريق جديد.
زوجتك اللي بتحبك دائمًا، مريم.»
سقطت الرسالة من إيد أحمد على المكتب.
بكى طويلًا، لكنه المرة دي ماكانش بكاء رجل فقد الأمل. كان بكاء إنسان بدأ يفهم إن الحب مش لازم ينتهي عند لحظة الفقد، وإن الذكريات ممكن تتحول إلى سبب يساعده يكمل حياته بدل ما تحبسه في الماضي.
وفي صباح اليوم التالي، اتصل بمؤسسة مريم، وطلب ترتيب اجتماع لمراجعة برامج الدعم.
لكنه اتخذ قرارًا مهمًا.
مش هيطلب من المؤسسة إنها تفضّل نهى على أي أسرة تانية، ومش هيستخدم اسم مريم عشان يتدخل في حياتها.
كل اللي هيعمله إنه يضمن وجود فرص حقيقية للأسر اللي محتاجاها، وإن كل مساعدة تتم بشفافية وكرامة.
وبالفعل، بدأ يموّل برنامجًا لتوفير اللبن والتغذية المناسبة للأطفال، وبرنامجًا آخر لمساعدة الأمهات على استكمال تعليمهن أو اكتساب مهارات تؤهلهن للعمل.
وكان من شروطه إن الاختيار يتم وفقًا لاحتياجات الأسر، وإن المساعدة ما تكونش مرتبطة بأي مقابل شخصي.
بعد أسابيع قليلة، كانت نهى قاعدة في بيتها، بتراجع بعض الأوراق القديمة الخاصة بدراستها.
كانت روزي اتحسنت حالتها بفضل المتابعة الطبية المنتظمة، وبدأت نهى تقدر تنظم مصاريف البيت بشكل أفضل بعد حصولها على الدعم المستحق من البرنامج.
أما ملك، فكانت كل يوم تسأل أمها:
«ماما، هو عمو أحمد هييجي يزورنا تاني؟»
فتبتسم نهى وترد:
«مش عارفة يا حبيبتي، بس لو جه هنرحب بيه.»
كانت نهى ممتنة لأحمد، لكنها ماكانتش عايزة تعتمد على مساعدة الآخرين طول عمرها. كانت نفسها ترجع تحقق حلمها، وتوفر لبناتها حياة مستقرة بجهدها.
وفي يوم، وصلتها رسالة من المؤسسة بتدعوها لحضور مقابلة بخصوص فرصة لاستكمال دراستها في مجال المحاسبة، ضمن برنامج مخصص للأمهات اللي اضطروا يوقفوا تعليمهم بسبب ظروف الحياة.
قرأت الرسالة أكتر من مرة، ثم بدأت تبكي من الفرحة.
لأول مرة من سنين، حسّت إن حلمها القديم ممكن يرجع للحياة.
وبعد أيام، راحت للمؤسسة، وهناك قابلت أحمد مرة تانية.
كان واقفًا في قاعة صغيرة، بيتكلم مع فريق البرنامج عن فرص التدريب والعمل.
لما شافها، ابتسم ورحّب بيها.
«أهلًا يا مدام نهى. عاملة إيه؟ وروزي أخبارها إيه؟»
ابتسمت نهى.
«الحمد لله، بقت أحسن كتير. وأنا جيت النهارده عشان مقابلة الدراسة.»
هز أحمد رأسه بسعادة.
«أتمنى لك كل التوفيق. أهم حاجة إنك تختاري الطريق اللي يناسبك ويناسب بناتك.»
بصّت له نهى وقالت:
«أنا كنت عايزة أشكر حضرتك، لكن مش بس على اللبن أو علاج روزي. أنا عايزة أشكرك لأنك ماخلتنيش أحس إني ضعيفة أو إني أقل من أي حد عشان احتجت مساعدة.»




