
«فيه مستند واحد لازم تشوفيه بنفسك. والدك طلب مني ما أفتحهش إلا لو ظهرت ظروف معينة تخص مستقبل ملك».
قلبي بدأ يدق بسرعة.
«وإيه هي الظروف دي؟»
ردّ بصوت جاد:
«إن حد يحاول يتصرف في حقوقها من غير ما تكون الصورة كاملة قدامك».
سكت لحظة، ثم أضاف:
«لكن قبل ما تشوفي المستند، لازم تعرفي إن والدك كان محتفظ بمعلومة عن محمود، وكان شايف إنها ممكن تغيّر نظرتك لسنين طويلة من حياتك».
قفلت المكالمة وأنا مش قادرة أستوعب الكلام.
بصّيت لبنتي النائمة، وافتكرت كل مرة كانت بتسألني فيها ليه جدو كان بيصر إنها تتعلم وتحافظ على مستقبلها، حتى في أصعب الظروف.
دلوقتي بدأت أفهم إن والدي كان بيحاول يحميها من شيء ما.
لكن السؤال كان: إيه الحقيقة اللي عرفها والدي عن محمود، وخلاها سرًّا لحد ما بعد وفاته؟
وهل السر ده له علاقة باللي حصل لملك في الليلة دي؟
يتبع…
الجزء الخامس والأخير: الحقيقة اللي قلبت حياة محمود وإيريني
الساعة كانت قربت من السادسة الصبح، وأنا لسه قاعدة في مكتبي، قدامي خطاب والدي القديم، وبحاول أربط كل الخيوط ببعضها.
ملك كانت نامت أخيرًا على الكنبة بعد ليلة طويلة، وكنت كل شوية أبص عليها علشان أتأكد إنها بخير.
أما أنا، فكان عندي إحساس إن اللي اكتشفته مجرد بداية لحقيقة أكبر.
رنّ موبايلي.
كان المحامي، الأستاذ حاتم، اللي والدي كان موصيني أتواصل معاه.
قال لي:
«مدام نادية، أنا راجعت الملف القديم، وهكون في مكتب الشركة خلال ساعة. لكن لازم أوضح لك حاجة من البداية: والدك ما كانش عايزك تتخذي أي قرار ضد محمود لمجرد خلاف شخصي. هو كان عايز حقوق ملك تفضل محفوظة مهما حصل بينكم».
قلت له:
«أنا مش عايزة أظلم حد. كل اللي عايزاه أعرف الحقيقة، وأضمن إن بنتي تكون في أمان».
ردّ:
«وده بالضبط اللي والدك كان عايزه».
بعد أقل من ساعة، وصل الأستاذ حاتم، ومعاه حقيبة جلدية صغيرة.
دخلنا قاعة الاجتماعات، وطلبت من مدير المكتب يقفل الباب، ثم جلست قدامه.
فتح الحقيبة وأخرج مستندات قديمة، من بينها نسخة من اتفاق قانوني خاص بالاستثمار اللي والدي خصص جزءًا منه لمستقبل ملك.
قال:
«والدك أنشأ الترتيب ده علشان يضمن إن الأموال المخصصة لملك ما تتحولش إلى وسيلة ضغط عليها، أو تتأثر بالخلافات بينك وبين والدها. وكان فيه شرط واضح: أي تصرف في الأموال لازم يتم وفقًا للإجراءات القانونية، وبما يحقق مصلحة ملك».
سألته:
«طيب، إيه علاقة محمود بالموضوع؟»
أخرج ورقة تانية.
«قبل وفاة والدك بفترة، محمود تواصل معاه بخصوص مشروع استثماري. والدك رفض وقتها إدخال الأموال المخصصة لملك في المشروع، لأن المخاطر كانت مرتفعة، ولأن المستندات المقدمة ما كانتش كافية».
حسّيت إن قلبي اتقبض.
«ومحمود كان عارف إن الفلوس دي مخصصة لبنته؟»
ردّ المحامي:
«أيوه. كان على علم بوجود ترتيب مالي لمصلحة ملك، لكنه ما كانش صاحب صلاحية مطلقة للتصرف فيه».
سكتُّ للحظات.
افتكرت محمود وهو واقف قدامي في القاعة، وإصراره على معرفة تفاصيل الحساب، وارتباكه لما ظهر اسم والدي في الخطاب.
لكن الأستاذ حاتم أكمل كلامه:
«ومع ذلك، لازم نفرّق بين المعرفة ومحاولة المخالفة. المستندات اللي قدامنا تثبت إن والدك رفض المشروع وقتها، لكنها لوحدها ما تثبتش إن محمود حاول يستولي على أموال ملك».
هزّيت راسّي.
«أنا فاهمة. عايزة كل حاجة تتراجع بشكل قانوني».
ابتسم المحامي وقال:
«علشان كده والدك اختارك إنتِ مسؤولة عن متابعة حقوقها، مش علشان تعاقبي أي حد، لكن علشان تحافظي عليها».
كانت الجملة دي أهم من أي مستند.
والدي ما كانش عايزني أنتقم.
كان عايزني أكون عادلة.
الحقيقة اللي ما قدرش محمود يخبيها
في نفس اليوم، طلبت من محمود يقابلني في مكتب المحامي.
وصل بعد الظهر، وكان شكله مرهق، وكأنه ما نامش طول الليل.
قعد قدامي، وبصّ للأوراق اللي على المكتب.
قلت له:
«أنا مش هسألك عن اللي حصل بيننا زمان. أنا عايزة إجابة واضحة عن موضوع واحد: هل حاولت تستخدم الأموال المخصصة لمستقبل ملك في مشروعك الاستثماري؟»
فضل ساكت شوية، وبعدها قال:
«أنا فكرت في الموضوع، لكن ما سحبتش أي فلوس».
سألته:
«هل قدمت طلبًا للوصول إلى معلومات الحساب؟»
هزّ راسّه.
«أيوه. شركتي استفسرت عن بعض الإجراءات، لكن ما حصلش أي سحب».
قلت له:
«وليه ما قلتليش؟»
ردّ وهو بيبص للأرض:
«كنت خايف ترفضي، وكنت فاكر إن المشروع هيحقق أرباح كبيرة. إيريني قالت لي إن فيه طريقة نستخدم بيها الاستثمار كجزء من الضمانات، وإن الموضوع ممكن يتعمل بشكل قانوني».
سألته:
«وهل كان عندك تفويض يسمح بده؟»
هزّ راسّه بالنفي.
«لأ».
سكتُّ لحظة، وبعدها قلت:
«يبقى كان لازم تسأل المحامي قبل ما تتحرك. مش كل فكرة ممكن تحقق ربح تبقى مناسبة، خصوصًا لما تكون مرتبطة بمستقبل بنتك».
رفع عينيه ناحيتي، وقال:
«أنا عارف إني غلطت في طريقة تفكيري. لكن والله ما كنت ناوي أضر ملك».
ما كانش عندي دليل يخليني أتهمه بمحاولة الاستيلاء على أموالها، وما كنتش هحوّل الشك إلى إدانة.
قلت له:
«المراجعة هتحدد إذا كانت حصلت أي مخالفة فعلية. لو مفيش مخالفة، مش هظلمك. ولو فيه، لازم تتحمل مسؤوليتها. لكن فيه حاجة تانية لازم تتكلم عنها».
عرف فورًا إني أقصد اللي حصل لبنته.
نزل راسّه وقال:
«أنا فشلت كأب يا نادية».
ما رديتش.
كمل:
«أنا كنت عايز حياتي الجديدة تنجح، وكنت خايف من أي خلاف بيني وبين إيريني. ومع الوقت، بقيت أوافق على حاجات ما كنتش مقتنع بيها، لمجرد إني ما كنتش عايز مشاكل».
قلت له بهدوء:
«إنت من حقك تبدأ حياة جديدة، لكن مش من حقك تخلي بنتك تدفع ثمن اختياراتك. وكونك بتحبها ما يكفيش لو أفعالك بتخليها تخاف منك».
دموعه نزلت، لكنه ما حاولش يبرر نفسه.
قال:
«أنا عايز أصلح اللي حصل».
ردّيت:
«ابدأ بأنك تحترم رغبتها. لو محتاجة وقت، اديها وقت. ولو محتاجة مساعدة متخصصة علشان تتجاوز اللي حصل، لازم نوفرها ليها. متطلبش منها تسامحك علشان إنت حاسس بالذنب».
هزّ راسّه بالموافقة.
ولأول مرة، حسّيت إنه بدأ يفهم إن الأبوة مش مجرد اسم أو حق في إصدار الأوامر.
الأبوة مسؤولية، خصوصًا وقت الخلاف.
إيريني حاولت تبرر كل حاجة
بعد يومين، انتهت المرحلة الأولى من مراجعة المستندات، واتحدد موعد لسماع أقوال إيريني رسميًا.
دخلت المكتب وهي لسه محافظة على مظهرها الأنيق، لكن ثقتها القديمة ما كانتش موجودة.
جلست قدام اللجنة، وبدأت تشرح موقفها.
قالت إنها كانت متوترة بسبب خلافها مع ملك، وإنها فقدت أعصابها لما رفضت البنت تلبس الفستان.
لكنها أنكرت إنها كانت تقصد تعريضها للخطر، وقالت إنها توقعت إن محمود هيتصرف ويرجع ياخدها.
سألها أحد أعضاء اللجنة:
«هل اتصلتي بمحمود أو بوالدة الطفلة قبل ما تسيبي المكان؟»




