روايات وقصص

الجزء الاخير بقلم محمد عبده

ردّت:
«لأ».
«هل تأكدتي إن الطفلة وصلت لمكان آمن؟»
سكتت.
وبعدها قالت:
«لأ، ما تأكدتش».
كان ده اعترافًا واضحًا منها بأنها تركت طفلة في موقف خطر من غير ما تتأكد من سلامتها.
أما بالنسبة للمستندات المالية، فقد أكدت إنها كانت بتستفسر عن فرص استثمارية، لكنها أنكرت إنها حاولت الوصول إلى أموال ملك أو التصرف فيها.
المراجعة ما لقتش دليلًا كافيًا يثبت إنها استولت على أي أموال، وبالتالي ما وجهناش لها اتهامًا بالاستيلاء على الأموال.
لكن مراجعة سلوكها الوظيفي كشفت عن شكاوى موظفين، وبعض القرارات اللي اتخذتها من غير استكمال الإجراءات المطلوبة.
اتخذت الشركة قرارًا باستمرار إيقاف بعض صلاحياتها مؤقتًا، ثم استكملت الإجراءات التأديبية وفقًا للائحة، وانتهى الأمر بإنهاء عملها بعد ثبوت مخالفات إدارية تستوجب ذلك.
أما واقعة ترك ملك على الطريق، فتم توثيقها بصورة منفصلة، واحتفظنا بحقنا في اتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة لحماية الطفلة.
قبل ما تخرج من المكتب، طلبت إيريني تتكلم معايا لدقائق.
وقفت قدامي وقالت:
«إنتِ أخدتي كل حاجة مني».
بصّيت لها بهدوء.
«أنا ما أخدتش منك حاجة. إنتِ مسؤولة عن قراراتك، والشركة اتخذت قراراتها بناءً على نتائج المراجعة».
قالت بحدة:
«كان ممكن تسامحيني. كان ممكن تعدّي اللي حصل».
ردّيت:
«لو كنتِ اعتذرتي من البداية، كان ممكن نبدأ الكلام بشكل مختلف. لكن اللي حصل لملك مش حاجة تتنسي لمجرد إنك عايزة تنهي الموضوع».
سكتت.
وبعدين قلت لها:
«أنا مش محتاجة أشوفك بتخسري علشان أحس إني كسبت. كل اللي كنت محتاجاه إن بنتي تكون في أمان، وإن كل شخص يتحمل مسؤولية أفعاله».
خرجت من المكتب من غير ما ترد.
ولأول مرة، ما حسّيتش إني محتاجة أقول كلمة تانية.

ملك اختارت بنفسها
مرت أسابيع.
ملك بدأت ترجع لطبيعتها تدريجيًا، لكن اللي حصل فضل مأثر عليها.
كانت بتصحى أحيانًا من النوم وهي خايفة، وتسألني إذا كنت هسيبها لوحدها يومًا ما.
كنت باخدها لمتخصصة في دعم الأطفال، وكنت بحاول أديها مساحة تتكلم عن مشاعرها من غير ما أحسسها إنها مطالبة تكون قوية طول الوقت.
وفي يوم، وإحنا قاعدين في الحديقة، سألتني:
«ماما، هو بابا لسه زعلان مني؟»
مسكت إيديها وقلت:
«مشاعره مسؤوليته هو يا حبيبتي. إنتِ ما عملتيش حاجة تستاهلي عليها اللي حصل».
سكتت شوية، وبعدها قالت:
«هو بعت لي رسالة، وقال إنه عايز يشوفني».
سألتها:
«وإنتِ عايزة تشوفيه؟»
فكرت للحظات، وبعدين قالت:
«يمكن… بس مش لوحدي. أنا لسه بخاف».
ابتسمت لها.
«وده حقك. ممكن نرتب لقاء قصير في مكان آمن، ومع وجود شخص إنتِ مرتاحة له، لو حبيتي. ومش لازم تقرري دلوقتي».
بعد أيام، وافقت ملك على مقابلة أبوها في مكان عام، بحضور شخص بالغ موثوق.
محمود وصل قبلنا، وكان معاه صندوق صغير.
لما شافها، ما جريش عليها، وما حاولش يحضنها بالقوة.
اكتفى إنه قال:
«أهلًا يا ملك».
ردّت بصوت هادي:
«أهلًا يا بابا».
قعدوا قدام بعض، وبعد دقائق، فتح محمود الصندوق.
كان جواه ألبوم صور قديم، فيه صور لملك وهي صغيرة، وصور ليها مع جدها.
قال لها:
«كنت عايز أديكي الصور دي. عارف إن مفيش هدية تقدر تصلح اللي حصل، لكن دي ذكرياتك، ومن حقك تحتفظي بيها».
ملك قلبت الصور واحدة واحدة.
ولما وصلت لصورة جدها وهو شايلها وهي رضيعة، ابتسمت للمرة الأولى.
قالت:
«جدو كان بيحبني أوي».
ردّ محمود:
«كان بيحبك أكتر مما تتخيلي».
وبعدين نزل راسّه وقال:
«وأنا كان لازم أكون زيّه في حمايتك. أنا آسف يا بنتي».
ملك فضلت ساكتة شوية.
وبعدين قالت:
«أنا ممكن أسامحك مع الوقت، بس مش عايزاك توعدني بحاجة وتعمل العكس».
رفع محمود عينيه وقال:
«عندك حق».
ما رجعتش ملك تيش عنده، وما اتخذتش قرارًا سريعًا بشأن علاقتها بيه.
لكنها بدأت تتعامل معاه تدريجيًا، على قد ما كانت مرتاحة، ومع وضع سلامتها واحتياجاتها في المقام الأول.
وأنا احترمت قرارها.
لأن بنتي ما كانتش محتاجة حد يختار عنها مين تحب ومين تسامح.
كانت محتاجة تعرف إن صوتها مسموع، وإن من حقها تحط حدودًا تحميها.

بعد ستة أشهر… الحقيقة ظهرت كاملة
استكملت الشركة المراجعات الإدارية والمالية.
وتأكد إن الأموال المخصصة لمستقبل ملك ما اتسحبش منها أي مبلغ، وإن الطلبات اللي اتقدمت للاستعلام عن تفاصيل الحساب ما نتجش عنها أي تصرف مالي.
أما مشروع محمود الاستثماري، فتم رفض استخدام أي أموال مخصصة لملك فيه، لعدم وجود التفويض اللازم وعدم استيفاء المتطلبات القانونية.
وبالنسبة للشركة، اتعملت تعديلات في نظام مراجعة العقود، واتحطت قواعد أوضح تمنع تضارب المصالح، وتحمي الموظفين اللي بيقدموا شكاوى بحسن نية.
محمود خسر فرصة المشاركة في مشروع التوسعة، لكنه احتفظ بعمله الخاص، وبدأ يعيد ترتيب أموره المالية بعيدًا عن أموال ابنته.
ومع مرور الوقت، بدأ يلتزم بمواعيد لقاءاته مع ملك، ويحترم رغبتها لما تحتاج تأجل لقاءً أو تقصّره.
ما بقاش كل شيء مثاليًا، لكن على الأقل بدأ يفهم إن الثقة بتتبني بالأفعال، مش بالوعود.
أما أنا، ففضلت أشتغل في الشركة، لكنني ما بقيتش أشوف النجاح على إنه مجرد أرباح أو مناصب.
بقيت مقتنعة إن أي مؤسسة ناجحة لازم يكون فيها نظام يحمي الناس من استغلال السلطة، وإن أي أب أو أم لازم يفهموا إن مسؤوليتهم تجاه أطفالهم أكبر من رغبتهم في إرضاء شريك جديد أو الحفاظ على صورة اجتماعية.
وفي يوم، وأنا براجع أوراق والدي القديمة في البيت، لقيت رسالة قصيرة بخط إيده، كانت مدسوسة جوه ألبوم الصور اللي محمود ادّاه لملك.
فتحتها وقرأت:
«يا نادية، في يوم من الأيام ممكن تلاقي نفسك مضطرة تختاري بين إنك تثبتي إنك أقوى من الناس، وبين إنك تعملي الصح حتى لو محدش شافك. اختاري الصح دائمًا. القوة الحقيقية مش إنك تقدري تنتقمي، لكن إنك تقدري تحمي اللي بتحبيهم من غير ما تتحولي للشخص اللي أذاهم».
فضلت باصة للرسالة طويلًا.
وبعدين ناديت ملك.
جت قعدت جنبي، وقرأت الرسالة بصوت عالي.
لما خلصت، بصّت لي وقالت:
«جدو كان عارف إنك هتعملي كده؟»
ضحكت وضمّيتها لحضني.
«يمكن كان عارف إني هحاول».
سكتت لحظة، وبعدها سألتني:
«ماما، إنتِ ندمانة إنك رحتي الشركة الليلة دي؟»
بصّيت لها، وافتكرت الطريق المظلم، والبرد، والرسالة اللي بعتها أبوها، والخوف اللي كان في عينيها.
قلت لها:
«لأ يا حبيبتي. أنا ندمانة إنك مريتي بكل الخوف ده، لكن مش ندمانة إني وقفت جنبك».
ابتسمت، وسندت رأسها على كتفي.
وفي اللحظة دي، فهمت إن أهم انتصار حققته ما كانش خروج إيريني من الشركة، ولا اكتشاف أسرار محمود، ولا الحفاظ على الأموال اللي جدك خصصها ليكي.
أكبر انتصار كان إنك عرفتي إنك مش عبء على حد، وإن من حقك تكوني آمنة ومحبوبة، حتى لو بعض الناس نسوا إزاي يحبوا بالطريقة الصح.
ضمّيتها لصدري، وبصّيت من الشباك للشارع اللي بدأ يستقبل نور الصبح.
الليلة اللي بدأت بمكالمة مرعوبة من بنت صغيرة على جانب الطريق، انتهت بدرس عمره ما هيتنسي:
مش كل شخص عنده سلطة يستحقها، ومش كل شخص بيخسر منصبه بيكون اتظلم، والأهم من كل ده… إن الطفل عمره ما المفروض يدفع ثمن غرور الكبار أو خلافاتهم.
ومن يومها، كل ما ملك تسألني إذا كانت مشكلة في حياة أي حد، أقول لها نفس الجملة:
«إنتِ بنتي، مش عبئي. وإنتِ مسؤوليتي، مش مشكلتي. ومهما حصل، مش هتكوني لوحدك طول ما أنا قادرة أقف جنبك».
تمت النهاية.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى