
كانت صورة قديمة لمحمود، واقف جنب رجل ما كنتش شفته قبل كده.
لكن اللي خلاني أحس ببرودة في أطرافي، إن الرجل اللي واقف جنبه في الصورة كان هو نفسه الشخص اللي شفته من كام يوم واقف قدام بيتنا، بيراقبني من بعيد.
مين الرجل الغريب اللي كان يعرف محمود؟ وإزاي وصل العميد شريف لصورة قديمة بالشكل ده؟ وهل المفتاح النحاسي فعلًا هو الطريق الوحيد للوصول للمستندات اللي محمود خبّاها؟
اللي حصل بعد كده كان أخطر مما تخيلت، لأن العميد شريف قال جملة واحدة كشفت إنه عارف سرًا ما كانش المفروض يعرفه أصلًا…
يتبع في الجزء الرابع.
الجزء الرابع والأخير: الحقيقة اللي قلبت حياة قائد الشرطة
فضلت باصة للصورة اللي العميد شريف حطها قدامي، وأنا بحاول أستوعب إزاي وصلته.
كان محمود واقف جنب راجل غريب قدام مبنى قديم، وفي إيد الراجل ملف بني كبير.
أما العميد شريف، فكان بيراقب تعبيرات وشي كأنه مستني مني كلمة تكشف له إني أعرف الشخص ده.
قال بهدوء:
— تعرفي الراجل اللي واقف جنب جوزك؟
هزيت راسي بالنفي.
— أول مرة أشوفه.
ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:
— غريبة، لأن الراجل ده كان آخر شخص قابل محمود قبل ما يتوفى بفترة قصيرة.
حسيت بقلبي بينقبض.
— حضرتك بتقول إيه؟ محمود مات بعد مرض مفاجئ، والدكاترة وقتها شرحوا لنا كل حاجة.
رد بسرعة:
— أنا ما اتهمتش حد بحاجة يا مدام نجلاء. أنا بس بحاول أفهم ليه جوزك كان محتفظ بمستندات تخص شركة النور للمقاولات، وليه ابنه معاه مفتاح ممكن يكون مرتبط بالمستندات دي.
الأستاذ سامح تدخل فورًا:
— سيادة العميد، لو عند حضرتك استفسارات رسمية، تقدر تقدمها للجهات المختصة. لكن ما ينفعش تضغط على سيدة داخل مكتب محاميها، خصوصًا إن ابنها مصاب ولسه بيتعالج.
العميد تجاهله، وفضل باصص لي.
— اسمعي نصيحتي. سلّميني المفتاح، وأنا هضمن إن الموضوع ينتهي من غير مشاكل ليكي أو لابنك.
المرة دي، ما خفتش من نبرة صوته زي ما كنت بخاف في البداية.
لأني بدأت أفهم إن الشخص اللي واقف قدامي مش بالضرورة أقوى من الحقيقة، حتى لو كان عنده نفوذ وسلطة.
قلت له بثبات:
— المفتاح ملك ابني، وأي حاجة تخصه لازم تتعامل من خلال القانون. ولو فيه مستندات مهمة، فمكانها عند الجهات المختصة، مش في إيد أي شخص يطلبها مني.
ملامحه اتغيرت، لكنه قبل ما يرد، الباب اتفتح فجأة.
دخلت الأستاذة مريم، مدرسة آدم، ومعاها راجل في أواخر الخمسينات، لابس بدلة بسيطة، وشايل حقيبة جلدية.
أول ما شافه العميد شريف، وقف من مكانه.
— إنت بتعمل إيه هنا يا أستاذ فؤاد؟
الراجل حط الحقيبة على المكتب وقال:
— جاي أقول الحقيقة اللي كان لازم تتقال من أول يوم.
اتضح إن اسمه المستشار فؤاد عبد الرحمن، وكان مسؤولًا سابقًا عن مراجعة بعض الملفات الإدارية والمالية في شركة النور للمقاولات.
مريم بصت لي وقالت:
— أنا آسفة إني اتأخرت في الكلام. كنت خايفة أخسر شغلي، لكن لما شفت اللي حصل لآدم، عرفت إن السكوت بقى مشاركة في الغلط.
المستشار فؤاد فتح حقيبته، وطلع مجموعة مستندات وصورًا من مراسلات قديمة.
وقال:
— محمود اكتشف مخالفات مالية داخل الشركة، وجمع مستندات تثبت وجود تحويلات غير مبررة. لكنه قبل ما يقدم الملف كاملًا، بدأ يتعرض لضغوط عشان يتراجع عن البلاغ.
بصيت للعميد شريف.
كان ساكت، لكن ملامحه بقت متوترة.
كمل المستشار:
— بعض الأشخاص حاولوا يوصلوا للمستندات دي قبل ما تتقدم للجهات المختصة. وفيه مراسلات بتوضح إن شخصًا من عيلة العميد كان مهتمًا بالحصول على نسخة من الملف.
العميد ضرب بإيده على المكتب.
— الكلام ده اتهامات من غير دليل!
رد المستشار بهدوء:
— علشان كده أنا جاي بالمستندات، مش بالكلام. وكل ورقة هنا ممكن تتراجع وتتأكد الجهات المختصة من صحتها.
وبعدين التفت ناحيتي.
— محمود كان حريص إنه ما يعرّضش أسرته للخطر. عشان كده احتفظ بنسخة من بعض المعلومات في مكان منفصل، وترك لابنه المفتاح النحاسي باعتباره أمانة شخصية.
سألته بسرعة:
— يعني المفتاح بيفتح إيه؟
أخرج من جيبه صورة لصندوق معدني صغير.
— خزنة قديمة في مكتب المحامي سامح. محمود كان سايب فيها رسالة شخصية وبعض الأوراق اللي تخص أسرته، وطلب إن المفتاح ما يتستخدمش إلا بعد ما تتراجع المستندات القانونية المطلوبة.
الأستاذ سامح أومأ برأسه.
— ده صحيح. محمود طلب مني أحتفظ بالخزنة، لكنه أكد إن المفتاح يفضل مع ابنه. ما كانش عايز أي حد يستولي على حاجاته أو يضغط على الطفل عشان يوصل لها.
بصيت للعميد شريف وقلت:
— عشان كده ابن حضرتك كان بيحاول ياخد المفتاح من آدم؟
رد بسرعة:
— أنا ما طلبتش من يوسف يعمل أي حاجة من دي.
لأول مرة، صوته ما كانش واثق زي الأول.
لكن المستشار فؤاد أخرج ورقة أخرى وقال:
— فيه تسجيل من كاميرا المدرسة، ونسخة من تقرير داخلي اتكتب يوم الحادثة. التسجيل بيوضح إن آدم ما بدأش أي تصرف غير لائق، وإن يوسف حاول ياخد المفتاح بالقوة، وبعدها حصلت الإصابة.
مريم أضافت:
— وأنا شفت جزءًا من الواقعة بنفسي. ولما حاولت أبلغ الإدارة، اتطلب مني أكتب إن الموضوع مجرد مشاجرة بسيطة. أنا رفضت أوقّع على التقرير بعد ما عرفت إن آدم اتصاب بالشكل ده.
العميد شريف بص لابنه اللي كان واقف عند الباب، ووشه شاحب.
— يوسف، الكلام ده صحيح؟
يوسف فضل ساكت.
— أنا بسألك! إنت حاولت تاخد المفتاح من الولد؟
بدأ يوسف يعيط، وقال بصوت ضعيف:
— أيوه يا بابا… بس أنا ما كنتش أعرف إنه هيحصل كده.
سكت لحظة، وبعدين اعترف:
— أنا كنت عايز المفتاح عشان الراجل اللي كلمتني قال لي إنه مهم، وإن لو جبته له هيديني فلوس. وأنا خفت أقول لك لما الموضوع كبر.
العميد اتجمد مكانه.
— أنهي راجل؟
يوسف طلع موبايله، وفتح محادثة قديمة، وورّاه صورة الشخص اللي كان بيتواصل معاه.
كانت صورة الرجل الغريب اللي ظهر جنب محمود في الصورة القديمة.
المستشار فؤاد بص للصورة وقال:
— ده شخص اسمه مدحت سالم. كان بيشتغل وسيطًا في بعض التعاملات التجارية، وظهر اسمه في المراسلات اللي تخص الملف المالي.
هنا بدأت أجزاء الحكاية تتجمع.
مدحت كان عارف إن محمود احتفظ بمستندات مهمة، وكان بيحاول يوصل لها بأي طريقة. ولما عرف إن المفتاح مع آدم، استغل صغر سن يوسف، ووعده بمكافأة مقابل الحصول عليه.
أما دور العميد شريف، فكان محتاج تحقيقًا مستقلًا يحدد إذا كان على علم بما فعله ابنه أو بما كان يجري حول الملف. وجود اسمه في المراسلات وحده ما كانش كفاية لإدانته، لكن الضغط اللي مارسه عليّ وطلبه الحصول على المفتاح خلّى الأمر يستحق التحقيق.
المهم إن الحقيقة بقت قدام الجميع، وما بقاش ممكن إخفاؤها بمجرد إصدار أمر أو التلويح بالنفوذ.
الخزنة اللي احتفظت بآخر رسالة من محمود




