
«بابا؟»
الكلمة خرجت منها بصعوبة، كأنها بتجربها لأول مرة.
إبراهيم بص لها، لكنه ما قدرش يرد.
مريم قربت منه خطوة صغيرة وسألته:
«يعني إنت فعلًا بابا؟ ليه ما قلتليش؟ وليه كنت بتخليني أحس إني مش بنتك؟»
إبراهيم حط إيده على وشه، وبدأ يتكلم بصوت متقطع:
«أنا… كنت خايف.»
مريم سألت ببراءة:
«خايف مني أنا؟»
هنا، ما قدرتش أستحمل أكتر.
قلت له بحدة:
«جاوبها يا إبراهيم! البنت دي عاشت 9 سنين في بيتك، وكانت بتتمنى تسمع منك كلمة حلوة. إنت كنت خايف من إيه بالضبط؟»
رفع رأسه، وبص لأمه.
«كنت خايف أخسر رضاكي.»
حماتي اتجمدت.
لأول مرة، ما لقتش رد جاهز تدافع بيه عن نفسها.
إبراهيم كمل، وكل كلمة كانت بتكشف جزءًا جديدًا من الحكاية.
«لما كنت صغير، قبل ما أتجوز نهى، اتعرفت على واحدة اسمها سارة. علاقتنا انتهت قبل ما أعرف إنها حامل. بعد فترة، عرفت إن عندي بنت، لكن الأمور بيني وبين أم مريم كانت معقدة، وأنا ما كنتش مستعد أتحمل المسؤولية.»
بص لمريم، وصوته بدأ يضعف.
«ولما أمها توفت، مريم بقت محتاجة حد يرعاها. وقتها نهى هي اللي أصرت إنها تيجي تعيش معانا، وهي اللي فتحت لها قلبها وبيتها.»
حماتي بصت لي باستغراب.
«يعني إنتِ كنتِ عارفة من البداية؟»
هزيت رأسي.
«أيوه. كنت عارفة إنها بنته، ووافقت أربيها باعتبارها بنتي. ما كنتش عايزة طفلة تدفع تمن أخطاء الكبار. لكني ما كنتش أعرف إن إبراهيم هيفضل خايف يعترف بيها قدامك طول السنين دي.»
حماتي سكتت، وبعدها بصت لمريم من رأسها لقدمها.
للمرة الأولى، ما قالتش إنها غريبة عن العيلة.
لكن نظرتها ما كانتش نظرة حنان؛ كانت نظرة صدمة، وكأنها بتحاول تعيد ترتيب كل حاجة عرفتها عن ابنها.
وبعدين قالت جملة خلتني أحس إن الحكاية لسه ما وصلتش لنهايتها:
«استنى يا إبراهيم… إنت بتقول إن مريم بنتك من علاقة قديمة، وإن أمها ماتت. طيب، ليه كنت بتخبيها عني كل السنين دي؟ أنا كنت ممكن أساعدك!»
إبراهيم رفع عينيه لأمه، واتردد قبل ما يرد.
وبعدين قال:
«لأنك كنتِ تعرفي سارة… وكنتِ السبب في إن علاقتنا انتهت بالطريقة دي.»
حماتي شحب وجهها.
أما أنا، فحسيت إن سرًا تاني بدأ يظهر، سر ما كنتش أعرف عنه أي حاجة.
لأن السؤال ما بقاش مين مريم وبس… السؤال بقى: إيه اللي حصل بين إبراهيم وأم مريم زمان، وإيه علاقة حماتي بكل اللي حصل؟
يتبع في الجزء الثالث…
### الجزء الثالث: الحقيقة اللي حماتي حاولت تدفنها من سنين
حماتي فضلت واقفة في نص المطبخ، ووشها شاحب، وعينيها متعلقة بإبراهيم كأنها بتحاول تتأكد إنها سمعت كلامه صح.
قالت بصوت متوتر:
«إنت بتتهمني إني السبب في اللي حصل بينك وبين سارة؟ إنت واعي للكلام اللي بتقوله؟»
إبراهيم رفع عينيه ليها، ولأول مرة من سنين، ما حاولش يهرب من المواجهة.
«أيوه يا أمي، أنا واعي. إنتِ كنتِ رافضة سارة من أول يوم، وفضلتي تقولي إنها مش مناسبة ليا، وإنها هتضيّع مستقبلي. ولما عرفت إنها حامل، ضغطتي عليّا علشان أبعد عنها.»
حماتي هزت رأسها بعنف.
«أنا عملت كده علشان مصلحتك! إنت كنت لسه بتبدأ حياتك، وهي كانت جاية من ظروف صعبة، وأنا كنت خايفة عليك!»
إبراهيم رد عليها بمرارة:
«مصلحتي؟ طيب، ومصلحة بنتي اللي فضلت سنين من غير أب حقيقي في حياتها كانت فين؟»
الكلمات دي نزلت على المطبخ زي الصاعقة.
يوسف وآدم كانوا ساكتين تمامًا، ومريم واقفة جنبي، ماسكة إيدي بقوة. كنت حاسة إن البنت الصغيرة بتحاول تفهم إزاي كل حاجة كانت فاهمها عن عيلتها بدأت تتغير في دقائق.
قربت منها وقلت بهدوء:
«تعالي اقعدي جنبي يا حبيبتي.»
لكنها ما تحركتش.
فضلت باصة لإبراهيم، وبعد لحظة سألته السؤال اللي كنت متوقعة إنها هتسأله من أول ما سمعت إنه أبوها.
«يعني إنت كنت عارف إني بنتك من الأول؟»
إبراهيم نزل رأسه.
«أيوه يا مريم.»
«ومن تسع سنين؟»
«أيوه.»
عينيها اتمَلَت بالدموع، لكنها ما عيطتش. وده كان أصعب من العياط نفسه.
قالت بصوت ضعيف:
«طيب، ليه كنت بتعاملني كأني ضيفة عندك؟ ليه كنت بتقول لتيتا إني مش بنتك؟ وليه لما كنت بسألك إذا كنت بتحبني، كنت بتغير الموضوع؟»
إبراهيم فتح بقه علشان يرد، لكن ما خرجش منه أي كلام.
لأن مفيش إجابة تقدر تمسح تسع سنين من الحيرة.
تسع سنين كانت مريم بتحاول فيها تكسب رضاه، وتفرح لما يبتسم لها مرة، وتحزن لما يعدي من جنبها من غير ما يسألها عن يومها.
تسع سنين كانت بتشوف فيها إخواتها بيجروا عليه أول ما يرجع من الشغل، بينما هي كانت بتفضل واقفة بعيد، مستنية منه إشارة صغيرة تسمح لها تقرب.
وأنا كنت شايفة كل ده.
كنت بحاول أعوضها عن غيابه، لكني ما قدرتش أكون الأب اللي كانت محتاجاه.
قلت لإبراهيم:
«عارف إيه أكتر حاجة وجعتني؟ مش إنك كنت خايف من أمك، ولا إنك أخفيت الحقيقة عنها. اللي وجعني إنك كنت بتشوف بنتك بتتألم قدامك، وكنت بتختار راحتك بدل ما تدافع عنها.»
حماتي قاطعتني بعصبية:
«كفاية بقى! إنتِ مالكيش حق تحاكمي ابني! إنتِ كنتِ عارفة الحقيقة، وكان بإمكانك تتكلمي من زمان!»
بصيت لها بهدوء.
«أنا وافقت أربي مريم علشان ما تتحرمش من بيت وأسرة بعد وفاة أمها. ما وافقتش على إن البنت تعيش عمرها كله وهي حاسة إنها أقل من إخواتها. وما وافقتش إني أساعد في استمرار كذبة بتوجعها.»
وبعدين أشرت إلى ورق الطلاق الموجود على الترابيزة.
«وعلشان كده أنا قررت أنهي جوازي من إبراهيم. مش بسبب مريم، لكن بسبب كل السنين اللي قضيتها وأنا بحاول أصلح حاجات هو مش مستعد يواجهها.»
إبراهيم رفع رأسه فجأة.
«نهى، أرجوكي، خلينا نتكلم بعيد عن الأولاد. أنا عارف إني غلطت، بس الطلاق مش الحل الوحيد.»
هزيت رأسي.
«أنا حاولت أتكلم معاك سنين. كنت بطلب منك تقرب من مريم، وتسأل عنها، وتخليها تحس إنها بنتك. كل مرة كنت بتوعدني إنك هتتغير، وبعدها كل حاجة كانت بترجع زي ما هي.»
سكتُّ لحظة، ثم أكملت:
«أنا مش هفضل مستنية لحد ما بنتك تكبر وهي مقتنعة إنها مش تستاهل الحب.»
مريم أخيرًا نزلت دموعها.
مسحتها بسرعة، وكأنها محرجة إنها بتعيط قدامنا، لكني ضمّيتها لحضني.
همست لي:
«ماما، أنا مش عايزة أكون سبب في إنك تسيبي البيت.»
بعدتها عني قليلًا علشان أبص في عينيها.
«إنتِ مش السبب يا مريم. اسمعيني كويس، إنتِ مش السبب في أي حاجة حصلت النهارده. الكبار هم المسؤولين عن قراراتهم، مش الأطفال.»
هزت رأسها، لكني عرفت من نظرتها إنها لسه شايلة جواها أسئلة كتير.
في اللحظة دي، حماتي سحبت كرسي وقعدت عليه ببطء.
قالت بصوت مختلف عن صوتها المعتاد:
«أنا ما كنتش أعرف إن سارة ماتت.»
إبراهيم بص لها باستغراب.
«إنتِ ما كنتيش تعرفي؟»
هزت رأسها.
«آخر مرة سمعت عنها كانت من سنين طويلة. كنت فاكرة إنها سافرت مع أهلها، وإنها بدأت حياة جديدة بعيد عنك.»
إبراهيم ضحك بمرارة.
«وده اللي إنتِ صدقتيه، لأنك ما حاولتيش تعرفي الحقيقة.»
حماتي حطت إيديها على الترابيزة.
«طيب، إنت عرفت إنها ماتت إمتى؟»
«قبل ما مريم تيجي تعيش معانا بفترة. عرفت إن أمها كانت بتعاني من مرض، وإنها سابت بنتها وهي لسه صغيرة. وقتها حاولت أعمل اللي أقدر عليه علشان مريم ما تضيعش.»
سألته:
«وإيه اللي منعك إنك تعترف بيها قدام أمك؟»
بص ناحية أمه، وقال:
«كنت عارف إنها هترفضها، وكنت خايف إن ده يعمل مشاكل في البيت. وفي كل مرة كنت بأجل الكلام، كان الموضوع بيبقى أصعب.»




