منوعات

الجزء الاخير بقلم محمد عبده

«لقيته في درج مكتبه، وسط أوراق المشروع. وفيه حاجة تانية».

طلعت ورقة ثانية من الظرف.

كانت صورة لرسالة بريد إلكتروني مطبوعة، وفيها تعليمات تتعلق بإجراء مالي طارئ.

لكن اسم المرسل كان محجوبًا في النسخة المطبوعة، وما كانش فيه ما يثبت مين اللي كتبها.

قالت سارة:

«أنا مش عارفة الورقة دي معناها إيه، لكن لما شفت اسم المستشفى، افتكرت كلامك».

بصيت للأوراق، وبدأت أفهم إن أبي ربما كان يعرف أكثر مما اعترف به.

لكن كان لسه فيه سؤال مهم:

هل هو اللي نفّذ عملية السحب بنفسه، ولا حد تاني استغل معرفته بالموضوع؟

لمست الورقة بإيدي، وقلت لسارة:

«هنسلّم النسخ دي للمحامي، وهو هيحدد إزاي نستخدمها بشكل قانوني. ومش هنواجه حد بيها قبل ما نتأكد من صحتها».

هزت رأسها بالموافقة.

وقبل ما تقوم، بصت لي وقالت:

«ليلى، لو طلع بابا هو اللي عمل كل ده، هتقدري تسامحيه؟»

فضلت ساكتة شوية.

وبعدين قلت:

«المسامحة حاجة، وإننا نسيب حقنا يضيع حاجة تانية. أنا مش عايزة أظلم حد، لكن مش هقدر أعتبر اللي حصل كأنه ما حصلش».

خرجت سارة، وفضلت لوحدي مع الأوراق.

كنت فاكرة إنني بحارب عشان أسترد فلوسي فقط.

لكن دلوقتي، بدأت أفهم إن القضية ممكن تكشف طريقة تفكير عيلتي كلها، وإن الحقيقة مش هتظهر إلا لما كل شخص يتحمل مسؤولية قراراته.

وفي اللحظة دي، وصلني إشعار جديد على هاتفي.

رسالة من الرقم المجهول نفسه.

المرة دي، ما كانش فيها تحذير عام.

كان فيها اسم واحد فقط.

«المنارة للاستشارات التجارية».

وتحت الاسم، جملة قصيرة:

«اسألي أباك عن علاقته بالشركة دي، قبل ما تختفي بقية الأدلة».

فضلت باصة للرسالة، وأنا بحاول أقرر الخطوة التالية.

لأنني بدأت أشك إن اختفاء ربع مليون دولار ما كانش نهاية الحكاية…

بل كان أول خيط في سر أكبر، ممكن يغيّر كل اللي كنت أعرفه عن أبي وعيلتي.

لكن مين صاحب الرسائل المجهولة؟ وإيه علاقة شركة المنارة بالأموال اللي اختفت؟

الإجابة كانت موجودة في مستند واحد، لسه ما وصلش ليدي.

يتبع في الجزء الرابع والأخير…
### الجزء الرابع والأخير: الحقيقة ظهرت، لكن المفاجأة كانت أكبر من سرقة ربع مليون دولار!

فضلت أبص لاسم شركة «المنارة للاستشارات التجارية» اللي ظهر في الرسالة المجهولة.

كنت محتاجة أعرف إيه علاقة الشركة دي بأبي، وليه فيه شخص بيحاول يوجّهني ناحيتها، وفي نفس الوقت رافض يكشف عن هويته.

ما رديتش على الرسالة، لكن بعتّ نسخة منها للمحامي، وطلبت منه يتأكد من بيانات الشركة وسجلاتها الرسمية، من غير ما نتواصل مع أي شخص ممكن يكون له علاقة بالتحويلات.

وفي صباح اليوم التالي، اتصل بيا.

قال:

«ليلى، وصلنا لمعلومة مهمة. الشركة مسجلة بشكل رسمي، لكن فيه تحويلات مالية مرتبطة بمشروع أختك محتاجة تفسير. والأهم إننا لقينا مستندات بتشير إلى إن الشركة كانت بتتعامل مع والدك في معاملات تجارية سابقة».

سألته بقلق:

«يعني بابا شريك في الشركة؟»

رد بحذر:

«لسه ما عندناش دليل يثبت إنه شريك. لكن فيه تعاملات مالية بينه وبين أشخاص مرتبطين بيها، وده محتاج مراجعة».

طلبت منه يكمل الإجراءات، وقررت أروح المستشفى بنفسي عشان أتأكد من وضع علاج سارة.

كنت خايفة إن الوقت يكون فات، وإن اختفاء المبلغ يكون ضيّع علينا الفرصة.

بعد مراجعة الملف مع الطبيب المختص، عرفت إن تأجيل الموعد عطّل الإجراءات، لكن الفريق الطبي لسه بيقيّم الخيارات المتاحة لحالتها، وإن فيه خطوات ممكن نتحرك فيها لو قدرنا نوفر التمويل المطلوب.

ما كانش فيه أي ضمان للنتيجة، لكن كان فيه أمل.

والأمل ده كان كفاية يخليني أكمل.

### الشخص اللي بعت الرسائل كشف هويته

بعد يومين، وصلتني رسالة جديدة من الرقم المجهول.

المرة دي، صاحب الرسالة طلب يقابلني في مكتب المحامي، وقال إنه مستعد يقدّم معلومات موثقة عن التحويلات.

وافقت على المقابلة، بشرط إن كل شيء يتم بشكل قانوني.

وفي الموعد المحدد، دخل رجل في أواخر الأربعينات من عمره، وعرّف نفسه بأنه سامح، محاسب سابق كان بيتعامل مع شركة المنارة.

قعد قدامنا، وفتح حقيبته، وطلع مجموعة من المستندات.

قال:

«أنا عارف إن اللي حصل لك ظلم، لكن لازم أوضح إني ما عنديش دليل على كل حاجة حصلت. اللي معايا هو مستندات تثبت معاملات مالية، ورسائل تخص طلبات تحويل».

سأله المحامي:

«وليه قررت تتكلم دلوقتي؟»

رد سامح:

«لأني اكتشفت إن فيه تحويلات اتسجلت بطريقة مش مطابقة للمستندات اللي كانت عندي، ولما اعترضت، طلبوا مني أوقف مراجعة الملف. أنا ما شاركتش في الدخول على الحساب، لكن عندي نسخ من بعض المراسلات اللي ممكن تساعد التحقيق».

بدأ المحامي يراجع الأوراق، وبعد دقائق، طلب من سامح يشرح لنا مستندًا معينًا.

كان المستند عبارة عن كشف لتسويات مالية بين شركة المنارة وجهة أخرى مرتبطة بمشروع سارة.

وفيه مبلغ كبير اتسجل باعتباره دفعة مقدمة مقابل خدمات استشارية.

لكن الخدمات نفسها ما كانش ليها وصف واضح، ولا مستندات كافية تثبت تنفيذها.

سألت سامح:

«هل المبلغ ده من فلوس حسابي؟»

قال:

«ما أقدرش أؤكد ده بنفسي. لكن تاريخ التسوية قريب جدًا من تاريخ التحويلات اللي اتكلمتوا عنها. البنك والتحقيق المالي هما اللي يقدروا يثبتوا مصدر الأموال».

كان كلامه منطقيًا.

ما كنتش عايزة أبني اتهامًا على مجرد تشابه في التواريخ.

لكن الأوراق كانت كفاية عشان المحامي يضمها إلى ملف التحقيق، ويطلب مراجعة مسار الأموال.

وقبل ما سامح يمشي، قال جملة خلتني أفكر في حاجة ما كنتش منتبهة لها.

«فيه شخص كان مصرّ إن كل مستندات مشروع سارة تمر من خلاله، وكان دايمًا بيقول إن محمود المنصوري هو المسؤول عن الموافقات النهائية».

سألته:

«مين الشخص ده؟»

ذكر اسم المحاسب المسؤول عن متابعة المشروع.

كان نفس الشخص اللي سارة قالت لي إنه بعت لها المستندات المالية.

دلوقتي، بقى عندنا خيط واضح نقدر نتابعه رسميًا.

### أبي يكتشف إنني مش هتراجع

في نفس المساء، اتصل بيا أبي.

قال بصوت متوتر:

«ليلى، وصلني إنك بتراجعي معاملات شركة المنارة».

سألته:

«عرفت منين؟»

رد بعصبية:

«الموضوع بقى معروف، والمحامي بتاعك بيتواصل مع ناس كتير. إنتِ عايزة توصلي لإيه بالضبط؟»

قلت له:

«عايزة أعرف فلوسي راحت فين، ومين استخدم بيانات مزوّرة عشان يسحبها».

سكت للحظات، وبعدها قال:

«أنا أخدت قرارًا غلطًا، لكن ما كنتش ناوي أضرّك».

كانت أول مرة يعترف فيها بوضوح إنه اتخذ قرارًا من غير إذني.

لكنني ما قاطعتوش.

كمل كلامه:

«أنا كنت شايف إن مشروع سارة فرصة مهمة، وإننا لو استنينا، ممكن نخسر التوقيت المناسب. كنت فاكر إني هقدر أرجع الفلوس بسرعة».

سألته:

«طيب، ليه ما طلبتش مني؟»

رد بصوت منخفض:

«كنت عارف إنك هترفضي».

الجملة دي كانت أقسى من أي اعتذار.

لأنه اعترف إنه كان عارف إن الفلوس مش بتاعته، وإنه تعمّد يتجاوز قراري لأنه توقع إني مش هوافق.

قلت له:

«وخطاب المستشفى اللي وصل لك؟»

ما ردش فورًا.

وبعد صمت طويل، قال:

«كنت عارف إن فيه إجراء طبي مهم، لكن ما كنتش فاهم كل التفاصيل».

قلت له:

«كان ممكن تتصل بيا وتسألني. كان ممكن تقول لي إن المشروع محتاج تمويل. لكنك اخترت تاخد الفلوس من غير إذني».

قال:

«أنا أبوكي يا ليلى».

رديت بهدوء:

«وده كان المفروض يخليك تحافظ على حقي، مش تستغله».

حاول يبرر موقفه، لكنني طلبت منه يتواصل مع المحامي، ويقدم كل المعلومات المتعلقة بالتحويلات، بدل ما نفضل ندور في نفس الدائرة.

وقبل ما أقفل المكالمة، قال:

«إنتِ مستعدة تضيّعي عيلتك كلها عشان الفلوس؟»

أخدت نفسًا عميقًا.

«أنا ما ضيعتش العيلة يا بابا. أنا بحاول أعرف الحقيقة، وأمنع تكرار اللي حصل».

قفلت المكالمة.

كنت حزينة، لكنني لأول مرة ما حسّيتش بالذنب لمجرد إني دافعت عن حقي.

### سارة تعرف الحقيقة كاملة

في اليوم التالي، طلبت من سارة تقابلني في المستشفى.

لما وصلت، كانت باينة عليها علامات التعب والقلق.

قعدنا في غرفة الانتظار، وبدأت أحكيلها كل اللي عرفته عن الحساب، والتحويلات، والمستندات اللي ظهرت.

فضلت ساكتة فترة طويلة، وبعدها قالت:

«يعني بابا كان عارف إن فيه فلوس مخصصة لإجراء طبي، ومع ذلك استخدمها للمشروع؟»

قلت لها:

«ده اللي المستندات والمحادثات بتشير له لحد دلوقتي، والتحقيق هو اللي هيحدد كل التفاصيل».

حطت إيديها على وشها، وبدأت تعيط.

قالت:

«أنا كنت فاكرة إن بابا بيموّل المشروع من فلوسه. ما كنتش أعرف إن فيه حد هيتضرر بالشكل ده».

مسكت إيدها وقلت:

«أنا مش عايزاكي تلومي نفسك على حاجة ما كنتيش تعرفيها. لكن دلوقتي بعد ما عرفتي، لازم تساعدينا نحافظ على المستندات ونكشف الحقيقة».

هزت رأسها، وبعدها قالت:

«أنا مستعدة أقدّم كل أوراق المشروع، حتى لو ده هيأثر على سمعتي قدام الناس».

كانت دي أول مرة أشوف سارة مستعدة تتنازل عن صورتها المثالية قدام الناس عشان تتحمل مسؤولية موقف صعب.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى