منوعات

الجزء الاخير بقلم محمد عبده

وفي اللحظة دي، دخل الدكتور كريم، وطلب يتكلم معانا.

شرح لنا إن حالة سارة محتاجة متابعة دقيقة، وإن الفريق الطبي بيقيّم الخيارات المتاحة بناءً على نتائج الفحوصات الحالية.

وبعد ما خرج، بصت لي سارة وقالت:

«ليلى، أنا عايزاكي تعرفي حاجة. حتى لو ما قدرتيش تجمعي المبلغ تاني، أنا مش هطلب منك تضحّي بحياتك عشان علاجي».

الكلام ده وجعني، لكنه في نفس الوقت خلاني أحس إنها بدأت تفهم معنى المسؤولية.

قلت لها:

«إحنا هنعمل كل اللي نقدر عليه، لكن هنمشي حسب الخطة الطبية والإمكانيات المتاحة، من غير ما ندمّر حياة أي حد فينا».

### التحقيق يكشف صاحب التوقيع المزوّر

مرت أسابيع من المراجعات والإجراءات القانونية.

البنك قدّم السجلات المتاحة، والمستندات اللي قدمها المحاسب السابق اتراجعت، وتم فحص طلب الدخول إلى الحساب والطريقة اللي اتستخدمت في التحقق.

وفي النهاية، ظهرت الحقيقة الأساسية.

أبي كان قد وافق على استخدام إجراء الطوارئ للوصول إلى الأموال، رغم إنه ما كانش صاحب الحق في التصرف فيها.

أما طلب التحقق الإلكتروني، فكان فيه بيانات مزوّرة أُرسلت من خلال بريد لم أصرّح باستخدامه.

وبمراجعة المراسلات والمستندات، ظهرت أدلة تربط المحاسب المسؤول عن المشروع بإعداد بعض الأوراق المالية غير الدقيقة، وتنسيق تحويلات إلى شركة المنارة.

لكن التحقيق ما اعتبرش مجرد وجود اسم أبي أو توقيعه في بعض المستندات دليلًا كافيًا على مسؤوليته عن كل خطوة؛ لذلك استمرت مراجعة دوره في الموافقات والتحويلات، إلى جانب فحص المسؤولية عن التزوير.

وبعد استكمال الإجراءات، ثبتت مسؤولية المتورطين عن المخالفات المالية التي دعمتها الأدلة، واتخذت الجهات المختصة الإجراءات القانونية اللازمة.

أما أبي، فاضطر يواجه حقيقة إنه استخدم صلاحيات ما كانتش من حقه، وإن قراره ما كانش مجرد خطأ عائلي بسيط.

المبلغ اللي اتسحب ما رجعش كله في يوم وليلة، لكن بعد التسويات والإجراءات القانونية، استعدت جزءًا كبيرًا منه، وتم ترتيب سداد الباقي وفق الاتفاقات والإجراءات المعتمدة.

والأهم إننا قدرنا نعيد فتح ملف علاج سارة، وبدأ الفريق الطبي يحدد الخطوات المناسبة لحالتها من جديد.

ما كانش فيه وعد بالشفاء الكامل، لكن فرصة العلاج ما ضاعتش بالكامل زي ما كنت خايفة.

### المواجهة الأخيرة على مائدة العيلة

بعد شهور، اجتمعنا في بيت العيلة بالإسكندرية.

نفس السفرة اللي أبي أعلن عليها بكل فخر إنه استخدم فلوس علاجي لتمويل مشروع سارة.

لكن المرة دي، ما كانش فيه حفل افتتاح، ولا ضيوف، ولا محاولة لإظهار إن كل شيء مثالي.

كان أبي قاعد في مكانه المعتاد، لكنه ما كانش بيتكلم بنفس الثقة القديمة.

أمي كانت ساكتة، وسارة قاعدة جنبي، وإيديها على الطاولة.

أبي بص لي وقال:

«ليلى، أنا عارف إن الاعتذار مش هيرجع كل حاجة زي الأول، لكن أنا غلطت في حقك».

سكتُّ، وسبته يكمل.

قال:

«كنت فاكر إن نجاح سارة هيحل مشاكل كتير، وإنك هتسامحيني في الآخر. ما فكرتش إن اللي بعمله ممكن يضيع عليها فرصة العلاج، أو يخلّيكي تفقدي ثقتك فينا».

بصيت له وقلت:

«أنا كنت مستعدة أساعد سارة من فلوسي، لو كنت طلبت مني. لكن اللي حصل إنك اعتبرت تعبي حقًا مكتسبًا ليك، وقررت بدلًا مني أعمل إيه بفلوسي».

نزل عينيه للأرض.

كملت:

«أنا مش هقدر أنسى اللي حصل بسهولة، ومش هقدر أرجع أثق فيك زي الأول لمجرد إنك اعتذرت. الثقة محتاجة وقت، ومحتاجة أفعال».

أمي بدأت تعيط وقالت:

«إحنا عيلة واحدة يا ليلى. ما ينفعش نفضل متفرقين كده».

رديت عليها:

«العيلة مش معناها إن حد يسرق حق حد تاني، وبعدها يطلب منه يسكت عشان الناس ما تعرفش. العيلة الحقيقية هي اللي تحافظ على بعضها، حتى وقت الخلاف».

سارة مسكت إيدي وقالت:

«أنا عارفة إني استفدت من قرار غلط، حتى لو ما كنتش عارفة تفاصيله. ومش عايزاكي تدفعي تمن أحلامي تاني. أنا هبني مشروعي بإمكانياتي، وهتحمل مسؤولية قراراتي».

بصيت لها وابتسمت.

ما كنتش عارفة إذا كانت علاقتنا هترجع زي زمان، لكنني كنت شايفة إنها بدأت تفهم إن الحب مش معناه إن الآخرين يضحّوا بكل حاجة عشان راحتها.

### النهاية: انتقامي الحقيقي ما كانش في تدميرهم

بعد مرور عام، بدأت حياة كل واحد فينا تتغير.

سارة استمرت في متابعة علاجها، والتزمت بتعليمات الأطباء، وبدأت مشروعها من جديد بصورة أصغر وأكثر واقعية.

ما بقيتش بتصرف أموالًا ضخمة عشان تظهر بصورة مثالية على مواقع التواصل الاجتماعي، وبدأت تعتمد على شغلها وتخطط لمستقبلها بنفسها.

أما أنا، فرجعت أركز على حياتي وشغلي، ووضعت حدودًا واضحة في علاقتي بعيلتي.

ما بقيتش أوافق على كل طلب لمجرد إني خايفة أزعل حد.

وما بقيتش أعتبر الدفاع عن حقي نوعًا من العقوق أو قلة الوفاء.

أما أبي، فاضطر يتقبل إن الاعتذار وحده مش كفاية، وإن استعادة الثقة مسؤولية تحتاج وقتًا والتزامًا.

في يوم، اتصل بيا وقال:

«كنت فاكر إن الفلوس هي اللي هتخلي عيلتنا سعيدة، لكني اكتشفت إننا خسرنا حاجات أهم بكتير بسبب طريقتنا في التعامل مع بعض».

ما قلتلوش إن كل حاجة اتصلحت، لأن ده ما كانش صحيحًا.

لكنني قلت له:

«لسه عندنا فرصة نصلح اللي نقدر عليه، بشرط إننا نتعلم من اللي حصل».

قفلت المكالمة، وبصيت من شباك مكتبي على شوارع القاهرة.

افتكرت الليلة اللي فتحت فيها الحساب ولقيت الرصيد صفر.

وقتها كنت فاكرة إنهم أخدوا مني كل حاجة، وإن حياتي اتدمرت في لحظة.

لكن الحقيقة إنهم كشفوا لي درسًا كنت محتاجة أتعلمه من زمان:

إن مساعدة أهلك فضيلة، لكن السماح لهم باستغلالك مش واجب. وإن التسامح لا يعني التنازل عن الحقوق، وإن صلة الرحم لا تعني السكوت عن الظلم.

أنا ما انتقمتش منهم بإيذائهم، ولا حاولت أدمّر حياتهم.

أنا بس رفضت أخبي الحقيقة، ورفضت أسمح لحد إنه يقرر بالنيابة عني إزاي أستخدم تعبي وفلوسي.

والأهم، إني ما استسلمتش لما اعتقدوا إنهم انتصروا.

لأن أبي كان فاكر إنه لما صفّر حسابي، أنهى قدرتي على المقاومة.

لكنه ما فهمش إن الفلوس ممكن تتعوض، وإن الثقة ممكن تُبنى من جديد، وإن الإنسان يقدر يبدأ من الصفر لو تمسك بحقه وبكرامته.

وفي النهاية، ما كانش انتقامي الحقيقي إني أشوفهم بيخسروا… كان إني أستعيد حقي، وأحافظ على فرصة علاج أختي، وأتعلم أخيرًا إن قلبي الطيب ما يمنعنيش أقول: لأ.

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى