روايات وقصص

الخامس للنهاية بقلم محمد عبده

سألته:

— وإنت قلت له إيه؟

رد بهدوء:

— قلت له إن أي خلاف مالي لازم يتحل بالأوراق والقانون، وإن اللي حصل معاكِ مش مقبول مهما كانت المشاكل اللي عندنا.

وبعدها طلع موبايله ووراني رسالة من أحمد.

كانت مكتوبة فيها:

«لو ليلى قدمت التسجيلات أو الأوراق دي لأي جهة، محدش في العيلة هيقف معاها.»

كريم بصلي وقال:

— أنا مش هقدر أتكلم بدل كل الناس في العيلة، لكني مش هشارك في الضغط عليكي.

كانت أول مرة أحس إن فيه شخص من عيلة أحمد مستعد يقول له «لأ».

بعد الاجتماع، بدأت المحامية تتولى مراجعة المستندات، واحتفظنا بنسخ من الرسائل والتسجيلات، من غير ما نشرها على مواقع التواصل أو نستخدمها للضغط على أي حد.

وفي نفس الوقت، قررت إني أبدأ الإجراءات القانونية المناسبة بخصوص الخلافات والتجاوزات اللي حصلت.

ما كانش قرار سهل.

كنت عارفة إن بعض الناس هتقول إني استعجلت، وإن كان المفروض أدي جوازي فرصة تانية.

لكن كل مرة كنت بفتكر صوت حماتي وهي بتشجعه، كنت بتأكد إني مش مطالبة أرجع لمكان حسيت فيه بعدم الأمان والإهانة.

بعد أيام، وصلني استدعاء من أحمد عشان نتقابل ونتكلم في موضوع الانفصال.

المحامية نصحتني إن أي مقابلة تحصل بوجودها أو من خلال الإجراءات الرسمية، فوافقت.

وفي الموعد المحدد، دخل أحمد المكتب.

كان شكله مرهق، وملامحه اتغيرت عن آخر مرة شفته فيها.

قعد قدامي، وفضل ساكت فترة طويلة.

وبعدين قال:

— ليلى، أنا عارف إنك زعلانة، وعارف إني غلطت.

بصيتله من غير ما أرد.

كمل:

— أنا ما كنتش متوقع إن الموضوع يوصل للدرجة دي. كنت فاكر إنك هترجعي بعد يومين، وإننا هننسى اللي حصل.

سألته:

— إنت ندمان بجد، ولا عشان أنا ما رجعتش؟

اتوتر، وقال:

— الاتنين. أنا خسرتك، وخسرت ثقتك، وكل حاجة اتعقدت بعد اللي حصل.

قلتله:

— أنا خرجت من بيتك لأن كرامتي واحترامي اتهانوا، ومش عشان اختلفنا على تفاصيل عادية. ولو كنت شايفني زوجة ليك فعلًا، ما كنتش سمحت لنفسك تسيء لي، ولا كنت سمحت لأمك تهينني.

نزل عينيه للأرض.

لأور مرة، ما حاولش يقاطعني أو يرفع صوته.

بعد شوية قال:

— أنا ممكن أغير كل حاجة. هنعيش لوحدنا، وماما مش هتتدخل في حياتنا، ومش هطلب منك أي فلوس للمشروع.

بصيتله بحزن.

— المشكلة مش في المشروع يا أحمد. المشكلة إنك لما كنت قادر تختار بين إنك تحترمني وبين إنك تثبت لأمك إنك المسيطر، اخترت تسيء لي. وبعدها حاولت تخوفني عشان أرجع، بدل ما تتحمل مسؤولية اللي عملته.

قال بصوت منخفض:

— طب إنتِ مش ممكن تديني فرصة أخيرة؟

أخدت نفسًا عميقًا.

كنت فاكرة إني هحس بالشماتة وأنا شايفاه ندمان، لكن الحقيقة إني ما حسيتش غير بالحزن على نفسي، وعلى السنتين اللي قضيتهم وأنا فاكرة إني عرفت الإنسان اللي هكمل معاه عمري.

قلتله:

— أنا مش هقدر أرجع لجواز فقدت فيه إحساسي بالأمان. وقراري مش عقاب ليك، لكنه حماية لنفسي.

أحمد سكت طويلًا.

وبعدين قال:

— يعني خلاص؟

رديت:

— خلاص.

مرت الشهور التالية، واتخذنا الإجراءات القانونية الخاصة بإنهاء الزواج.

أما الخلاف المالي داخل شركة عائلة أحمد، فبدأ يتراجع بعد مراجعة المستندات، ودخل الأطراف في إجراءات منفصلة لتحديد الحقوق والمسؤوليات.

ما كانش من حقي أحكم على كل تفاصيل الشركة، ولا كنت طرفًا في إدارتها. وكل اللي كنت عايزاه هو التأكد إن اسمي وفلوسي مش مرتبطين بأي اتفاق ما وافقتش عليه.

وفي النهاية، حصلت على تأكيد قانوني بخصوص المستندات اللي كنت محتفظة بيها، واتضح إن المسودة اللي ظهر فيها اسمي لم تكن في حد ذاتها دليلًا على وجود التزام مالي عليّا.

أما أحمد، فاضطر يواجه نتائج تصرفاته، وخسر ثقتي وثقة ناس كتير من عيلته.

ونوال، حماتي السابقة، حاولت تتصل بيا أكثر من مرة.

في البداية، كانت بتطلب مني أرجع عشان «أحافظ على البيت».

وبعدها بدأت تلومني على إن العيلة اتقسمت، وإن المشاكل المالية ظهرت للناس.

لكن في آخر مكالمة، قالتلي:

— إنتِ كنتِ ممكن تحلي كل ده بينك وبين جوزك من غير ما تكبري الموضوع.

رديت بهدوء:

— يا طنط نوال، أنا حاولت أحل المشكلة من أول لحظة. قلت إني تعبانة، ورفضت أكون في موقف مهين، لكن ردكم كان بالإساءة. أنا ما هدمتش البيت، أنا خرجت من مكان ما بقيتش آمنة فيه.

قفلت المكالمة، وما رجعتش اتصلت بيها تاني.

بعد سنة تقريبًا، كنت قاعدة في مكتبي الصغير، وبراجع حسابات المشروع اللي بدأت أجهزه من فلوسي.

ما كانش مشروعًا كبيرًا، ولا حققت ثروة في وقت قصير، لكن كان مشروعي أنا.

كل قرار فيه كان بإرادتي، وكل خطوة كنت باخدها وأنا عارفة إني مش مضطرة أثبت لأي حد إني أستحق الاحترام.

في يوم الافتتاح، وصلتني رسالة من رقم أحمد.

كتب فيها:

«أتمنى تكوني بخير يا ليلى. أنا عارف إنك مش هتسامحيني بسهولة، لكني حبيت أقولك إني فاهم دلوقتي إن اللي عملته كان غلط.»

قرأت الرسالة، وفكرت لحظات قبل ما أرد.

وفي النهاية كتبت:

«أتمنى لك الخير، لكن كل واحد فينا لازم يكمل حياته. الاحترام مش حاجة بنطلبها بعد ما نخسر الناس، المفروض تكون موجودة من البداية.»

وبعدها قفلت الموبايل، ورجعت لشغلي.

ما كنتش محتاجة أنتقم منه، ولا كنت محتاجة أشوفه بيخسر كل حاجة عشان أحس إني كسبت.

أنا كسبت يوم ما بطلت أقبل الإهانة، ويوم ما فهمت إن الجواز مش معناه إن الإنسان يتنازل عن كرامته عشان يرضي الطرف التاني.

أما ليلة فرحي، اللي كنت فاكرة إنها هتكون بداية أجمل أيام حياتي، فبقت ذكرى، لكنها علمتني درسًا عمري ما هنساه:

البيت اللي لازم تدفعي كرامتك تمنًا عشان تفضلي فيه، مش بيت يستحق إنك ترجعي له.

والحقيقة إن ليلى ما خرجتش من بيت أحمد وهي مهزومة، زي ما هو كان فاكر.

خرجت وهي موجوعة، وخايفة، ومش عارفة بكرة مخبي لها إيه.

لكنها خرجت كمان وهي لسه مالكة قرارها، وده كان أول انتصار حقيقي ليها.

النهاية.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى