قصص وروايات

الجزء الثاني والاخير

«أنا ما كنتش متوقعة إنك هتتأثر بالشكل ده بعد السنين دي كلها».

رد عليها بصوت منخفض، لكنه كان أخطر من الصراخ:

«إنتِ ما أخفيتيش عني خبر وبس. إنتِ حرمتيني من بنتي سبع سنين».

وقفل المكالمة.

لأول مرة، مجدي حس إن الفلوس والنفوذ اللي قضى عمره بيجمعهم ما يقدروش يصلحوا اللي ضاع منه.

في الناحية التانية من القاهرة، كنت قاعدة مع ليلى في الفندق، بنحاول نستوعب اليوم الطويل اللي مر علينا.

ليلى كانت حاطة الجائزة على الترابيزة، لكنها ما كانتش مهتمة بيها زي الصبح.

كانت ساكتة، وبتبص من الشباك كل شوية.

قعدت جنبها وسألتها:

«مالك يا حبيبتي؟»

بصت لي وقالت:

«هو بابا مش بيحبني؟»

قلبي وجعني من السؤال.

حضنتها وقلت:

«ليه بتقولي كده؟»

ردت:

«عشان لما شافني، كان مستغرب. ولما سألته إذا كان يعرفني، قال إنه ما كانش يعرف إني موجودة. بس لو كان بيحبك زمان، إزاي ما سألش عليكي؟ وإزاي ما دورش عليا؟»

ما كانش عندي رد سهل.

كنت أقدر أقول لها إنه شخص أناني، أو إنه اختار حياته على حسابنا، لكني ما كنتش عايزة أحط في قلبها كراهية أكبر من اللي تقدر تتحملها.

قلت لها:

«يا ليلى، الحب مش مجرد كلام. الحب الحقيقي بيبان في التصرفات، وفي المسؤولية، وفي إن الإنسان يكون موجود وقت ما نحتاجه. باباكي أخد قرارات غلط، ودي مسؤوليته هو. لكن إنتِ مش غلطانة، ومش مطلوب منك تحبيه أو تسامحيه قبل ما تكوني مستعدة».

سكتت شوية، وبعدها سألتني:

«طب لو هو عايز يعرفني دلوقتي، أعمل إيه؟»

مسحت على شعرها وقلت:

«مش لازم تقرري النهارده. إحنا هنفكر بهدوء، ومش هنسمح لأي حد يضغط عليكي».

هزت راسها، وبعدها حضنتني بقوة.

في اللحظة دي، عرفت إن أهم حاجة عندي لسه زي ما هي: إني أحمي بنتي، حتى لو اضطررت أواجه الماضي مرة تانية.

في صباح اليوم التالي، كنت بجهز ليلى عشان نرجع الإسكندرية، لما تليفوني رن.

كان رقم غريب.

رديت، وسمعت صوت مجدي.

قال بهدوء:

«صباح الخير يا نور. أنا عارف إنك ممكن ما تكونيش عايزة تسمعي صوتي، لكن محتاج أتكلم معاكي في حاجة مهمة».

قلت ببرود:

«لو الموضوع يخص ليلى، اتكلم».

قال:

«أنا اكتشفت إن أمي كانت عارفة بوجودها من أول يوم، وإنها أخفت عني الحقيقة».

إيدي وقفت مكانها وأنا بقفل شنطة ليلى.

«إنت بتقول إيه؟»

حكى لي عن الرسالة اللي لقاها، وعن المكالمة اللي حصلت بينه وبين أمه.

فضلت ساكتة لثواني، وبعدها قلت:

«أنا ما كنتش أعرف حاجة عن الرسالة دي».

رد بسرعة:

«أنا مصدقك».

الكلمتين دول استفزوني أكتر ما ريحوني.

قلت:

«ما تقولش إنك مصدقني وكأنك بتعمل لي معروف. أنا مش محتاجة إثبات منك يا مجدي. أنا عشت اللي حصل، وإنت كنت جزء منه».

قال بصوت مكسور:

«أنا عارف. ومش بطلب منك تسامحيني. بس فيه حاجة تانية اكتشفتها».

سألته:

«إيه هي؟»

قال:

«أمي ما كانتش لوحدها في الموضوع. فيه أوراق بتقول إن حدًا من عيلة سالي كان بيتواصل معاها وقتها، وإن فيه اتفاق حصل قبل ما نور تمشي من القاهرة».

حسيت بقلبي بيدق أسرع.

«اتفاق على إيه؟»

رد:

«لسه مش عارف كل التفاصيل، لكن عندي سبب أعتقد إن سالي كانت عارفة أكتر بكتير مما قالت».

بصيت ناحية ليلى، اللي كانت واقفة قدامي بتلبس جاكيتها، ومش عايزة تسمع أي كلام يخص أبوها.

قلت لمجدي:

«أنا مش هسمح إن بنتي تتحول لأداة في صراع بينك وبين عيلتك أو بينك وبين سالي. لو عندك دليل، احتفظ بيه، لكن ابعد ليلى عن أي مواجهة لحد ما الحقيقة تبقى واضحة».

قال:

«موافق. بس أرجوكي، اديني فرصة أصلح اللي أقدر عليه».

رديت:

«اللي فات ما بيتصلحش بكلمتين».

وقفلنا المكالمة.

كنت فاكرة إن أخطر حاجة في القصة هي إن والدة مجدي أخفت عنه وجود ليلى.

لكن بعد ساعات قليلة، وصلتني رسالة من رقم مجهول.

كانت عبارة عن صورة قديمة لورقة من المستشفى، ومعاها جملة واحدة:

«لو عايزة تعرفي مين اللي بدأ كل ده، اسألي سالي عن الاتفاق اللي حصل قبل ولادة ليلى بثلاثة أيام».

فضلت باصة للصورة، وأنا بحاول أفهم مين اللي بعتها وليه دلوقتي.

وبعد لحظات، وصلت رسالة تانية:

«سالي ما كانتش مجرد ست تانية في حياة جوزك. هي كانت عارفة إنك حامل، وكانت عارفة إن مجدي هيكون في المستشفى يوم ولادتك. لكن اللي ما تعرفيهوش، إن فيه حد طلب منها حاجة محددة قبل ما تدخلي أوضة الولادة».

حسيت ببرودة في أطرافي.

مين الشخص ده؟

وإيه الحاجة اللي طلبها من سالي؟

وليه حد يقرر يفتح الملف القديم بعد سبع سنين كاملة؟

مسكت الموبايل واتصلت بدينا، صديقتي ومحاميتي.

أول ما ردت، قلت لها:

«دينا، أنا محتاجة مساعدتك. واضح إن فيه حاجات حصلت وقت طلاقي من مجدي ما كنتش أعرف عنها أي حاجة».

دينا طلبت مني أبعت لها الصور، وبعد ما شافتها، قالت بجدية:

«نور، ما تواجهيش حد دلوقتي. لازم نعرف الأول إذا كانت الأوراق دي حقيقية، ومين اللي بعتها».

وبعدها أضافت جملة خلتني أسكت تمامًا:

«لأن لو الكلام ده صحيح، فممكن يكون فيه حد تعمد يزوّر الحقيقة عشان يضمن إنك تبعدي عن مجدي للأبد».

بصيت لليلى، اللي كانت بتضحك وهي بتحاول تحط الجائزة في شنطتها، وحسيت إن الماضي لسه مخبي أسرار أخطر مما تخيلت.

لكن المفاجأة الحقيقية كانت لسه جاية.

لأن في نفس اليوم، سالي طلبت مقابلة مجدي على انفراد.

ولما دخلت مكتبه، قفلت الباب وراها، وبصت له بعينين مليانين خوف.

قالت:

«مجدي، قبل ما تسمع أي كلام تاني عن نور أو عن بنتك، لازم تعرف الحقيقة اللي أنا مخبياها عنك من يوم ما اتولد عمر».

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى