
«تلات بنات مرة واحدة مسؤولية كبيرة يا أدهم. إنت لسه صغير، وشغلك واخد كل وقتك.»
كنت فاكر إنها مجرد نصيحة من أم خايفة على بنتها.
لكن بعد الولادة، كانت مصممة إن نور تعيش معاها فترات طويلة، بحجة إنها محتاجة تساعدني في تربيتها.
كنت برفض أحيانًا، لكنها كانت تزعل وتقول إني مش مقدر تعبها.
ومع مرور الوقت، بقيت بعتمد عليها في حاجات كتير، خصوصًا لما أكون مسافر بسبب الشغل.
لكن دلوقتي، كل ذكرى كانت بتاخد معنى مختلفًا.
قلت لحسام:
«أنا لازم أقابلها.»
رد بحزم:
«هتقابلها، لكن مش لوحدك، ومش قبل ما نرتب كل حاجة. لازم نحافظ على الأدلة، ونخلي التعامل مع الموضوع قانوني.»
وافقته، وطلبت منه يجهز كل المستندات اللازمة.
وفي الوقت نفسه، وصلني اتصال من المعمل اللي بدأ إجراءات تحليل الحمض النووي للبنات.
قال الموظف إن النتائج النهائية محتاجة وقتًا إضافيًا، وإنهم هيتواصلوا معانا فور اكتمالها.
قفلت المكالمة، وبصيت من الشباك.
كنت محتاج الدليل العلمي عشان أحسم الشك، لكن قلبي كان حاسم بالفعل.
مريم وملك كانتا بنتي.
كل حاجة فيهم كانت بتقول كده.
ومع ذلك، ماكنتش هسمح لنفسي أظلم حد من غير دليل واضح.
### ظهور منى أخيرًا
في حوالي الساعة الرابعة عصرًا، رن تليفون حسام.
كان الرقم مجهولًا.
رد، وسمعنا صوت ست بتتكلم بسرعة وبتعيط.
«أستاذ حسام؟ أنا منى… أخت ليلى.»
بصيت لحسام، وقمت من مكاني.
حسام قال:
«إنتِ فين يا مدام منى؟ إحنا محتاجين نتكلم معاكي بخصوص مريم وملك.»
ردت بصوت مرتعش:
«أنا عارفة إن البنات عندكم. أنا كنت بدور عليهم من امبارح، ومش عارفة أوصل لهم.»
صرخت من غير ما أقدر أتمالك نفسي:
«إنتِ كنتِ سايباهم في الشارع ليلتين يا منى! دول بناتي! إزاي تعملي فيهم كده؟»
سمعت صوتها وهي بتعيط أكتر.
«أنا ماكنتش عايزة يحصل لهم كده يا أدهم. والله العظيم ماكنتش عايزة.»
حسام أخد التليفون مني، وقال لها:
«إحنا مش هنقدر نناقش الموضوع بالشكل ده في التليفون. لازم تقابلي الجهات المختصة وتوضحي كل اللي تعرفيه.»
سكتت شوية، وبعدها قالت:
«أنا موافقة. بس قبل ما أقابل أي حد، لازم أقول لأدهم حاجة مهمة عن ليلى.»
رجع حسام بصلي.
قلت له:
«خليها تتكلم.»
منى قالت:
«ليلى ما ماتتش بالطريقة اللي إنت فاكرها يا أدهم.»
حسيت إن قلبي هيقف.
«إنتِ بتقولي إيه؟»
ردت بصوت مخنوق:
«أنا مش بقول إنها عايشة. أنا بقول إنك ماعرفتش الحقيقة كاملة عن آخر ساعات في حياتها.»
فضلت ساكت، مش قادر أتكلم.
منى كملت:
«ليلى كانت اكتشفت إن فيه حد بيحاول يتحكم في حياتها وفي مستقبل بناتها. وقبل الولادة بأيام، اتصلت بيا وطلبت مني أساعدها. قالتلي إنها خايفة إن بناتها يتاخدوا منها، وإنها مش واثقة في حد غيري.»
سألتها:
«طب ليه ماجتيش وقولتيلي الكلام ده من خمس سنين؟»
ردت:
«لأن الحاجة زينب هددتني. قالتلي لو فتحت بقي، هتخليني أخسر كل حاجة، وإنها هتتهمني بخطف البنات. وأنا كنت ضعيفة وخايفة، فهربت.»
«هربتي وسيبتي بناتي في الشارع؟»
ماقدرتش أرد على السؤال.
منى فضلت تعيط، وبعدين قالت:
«أنا عارفة إني غلطت. بس امبارح، لما اكتشفت إن الحاجة زينب عرفت إن البنات ظهروا، خفت يحصل لهم حاجة. حاولت أوصل لهم، لكن ماقدرتش. كنت ناوية أرجع لهم النهارده.»
قلت بغضب:
«إنتِ كنتِ فين طول الليلتين دول؟»
ردت بعد تردد:
«كنت مستخبية في مكان قريب، وبراقب من بعيد. كنت خايفة أقرب وأخليهم يعرفوا مكاني.»
الكلام ده ماكانش كافي عشان يبرر اللي عملته، لكنه أكدلي إن منى كانت عارفة أكتر بكتير مما قالت في البداية.
حسام طلب منها تبعت موقعها، وإنها تقابلنا في مكان آمن بحضور الجهات المختصة.
وافقت.
لكن قبل ما تقفل، قالت جملة خلتني أتجمد في مكاني:
«يا أدهم، فيه سبب تاني خلى الحاجة زينب مصممة إن مريم وملك يختفوا من حياتك. والسبب ده متعلق بوصية ليلى وبحاجة كانت بتملكها قبل ما تموت.»
### الرسالة الأخيرة
بعد المكالمة، رجعت لغرفة البنات.
نور كانت بتلعب مع مريم وملك، وبتوريهم صورها وهي صغيرة.
لما شافتني، جريت عليا وحضنتني.
«بابا، هو ينفع مريم وملك يفضلوا معانا في البيت؟»
بصيت للبنات، ولقيت مريم مستنية ردي بقلق.
قلت:
«هنعمل كل اللي نقدر عليه عشان تفضلوا مع بعض وفي أمان يا حبيبتي.»
نور ابتسمت، ورجعت تلعب.
أما أنا، فقعدت جنب ملك وسألتها:
«يا ملك، خالتو منى كانت بتتكلم عن حاجة اسمها وصية؟ أو كانت بتقول إن مامتكم سابت لكم حاجة؟»
ملك فكرت شوية، وبعدين هزت راسها.
«أيوه. كانت بتقول إن ماما سابت لنا صندوقًا، وإن فيه ورق مهم لازم نوصل له لما نكبر.»
«طب الصندوق ده فين؟»
ردت:
«مش عارفة. بس خالتو منى كانت بتقول إن الحاجة زينب أخدته بعد وفاة ماما.»
حسيت إن خيوط الحكاية بدأت تتجمع.
صورة من يوم الولادة.
سجلات طبية فيها تناقضات.
رسالة من ليلى.
وصندوق اختفى بعد وفاتها.
كل حاجة كانت بتشير إلى إن اللي حصل ماكانش مجرد قرار اتاخد في لحظة ارتباك.
كان فيه سر، ويمكن مصلحة مادية، خلت حد مستعد يغيّر حياة عيلة كاملة.
وفي اللحظة دي، وصلتني رسالة جديدة من نفس الرقم المجهول.
فتحتها، فلقيت صورة لورقة قديمة عليها توقيع ليلى.
وتحت الصورة جملة واحدة:
«الحاجة زينب مش بس أخفت بنتيك عنك… دي كمان عندها سبب يخليها تخاف من ظهور الوصية، لأن ليلى كتبت فيها اسم الشخص اللي كان المفروض يرث كل ممتلكاتها.»
بصيت لحسام، وقلت:
«لازم نعرف الوصية دي فين.»
لكنه كان بيبص للتوقيع الموجود في الصورة.
قال بصوت منخفض:
«أدهم، ده مش مجرد توقيع عادي. لو الورقة دي أصلية، ممكن تغيّر كل حاجة.»
وبعدين رفع عينيه ليا وسألني:
«إنت متأكد إن ليلى ماقالتلكش قبل وفاتها إنها كتبت وصية؟»
هزيت راسي.
«عمرها ما قالتلي حاجة زي دي.»
كان مكتوبًا:
«لا تُسلَّم الوصية إلا بعد التأكد من أن بناتي الثلاثة أصبحوا مع والدهم، وأن الشخص الذي خان ثقتي لن يستطيع الوصول إليهم مرة أخرى.»
لكن الاسم الموجود تحت السطر كان مشطوبًا بعناية.
ولأول مرة، بدأت أفهم إن اختفاء بنتين من بناتي يمكن ماكانش هو السر الوحيد اللي حاولوا يدفنوه.
لأن الشخص اللي خان ثقة ليلى… يمكن يكون شخصًا كنت بوثق فيه أنا كمان طول عمري.
يتبع في الجزء الرابع والأخير…




