
بصيت له وقلت:
«لأني كنت محتاجة أحمي نفسي وولادي. كنت حامل، ومحدش منكم صدقني. خرجت من بيتك وأنا مش عارفة هربي طفل واحد إزاي، وبعدها اكتشفت إني حامل في خمسة أطفال.»
فارس رفع عينيه بسرعة.
«خمسة؟»
هزيت راسي.
«أيوه. في الأول الأطباء كانوا فاكرين إن الحمل في طفلين، لكن بعد الفحوصات اكتشفنا إنهم خمسة. كانت أصعب فترة في حياتي، وكنت محتاجة وجودك جنبي، لكنك مكنتش موجود.»
دموع فارس نزلت على وشه.
بص لأولاده وقال:
«أنا ضيعت عشر سنين من عمرهم…»
آدم، ابني الكبير، قرب منه شوية وقال:
«إنت ليه مجتش تشوفنا وإحنا صغيرين؟»
فارس مقدرش يرد.
نزل على ركبته قدام الأطفال وقال:
«أنا غلطت يا ابني. ومش هطلب منكم تسامحوني دلوقتي. أنا بس عايز فرصة أعرفكم وأكون موجود في حياتكم.»
مريم بصت له وقالت:
«إحنا مش عارفينك، بس ماما عمرها ما قالت علينا إننا نكرهك.»
الكلام ده كان أقوى من أي اتهام.
فارس غطى وشه بإيده وفضل يبكي.
أما شريف وداليا، فبدأت الشرطة تتدخل بعد ما تم تسليم التسجيلات والمستندات، وبدأ التحقيق في وقائع التزوير والاستيلاء على الأموال.
وبعد مراجعة الأدلة، اتكشفت تفاصيل أكتر عن الخطة اللي اتنفذت من عشر سنين، واتحولت القضية للجهات المختصة علشان كل واحد يتحاسب على دوره.
أما هالة، فتم استدعاؤها للتحقيق بعد ظهور التسجيلات والمستندات اللي أخدتها من الخزنة.
بعد انتهاء الجنازة، وقفت قدام قبر الحاج عبد الرحمن.
حطيت وردة بيضاء وقلت بصوت واطي:
«ربنا يرحمك يا حاج عبد الرحمن. يمكن حضرتك مشيت قبل ما تشوف الحقيقة بعينك، لكن أنا عارفة إنك كنت نفسك تنصفني.»
حسيت بإيد صغيرة بتشد في إيدي.
كانت ليلى.
بصت للقبر وقالت:
«ماما، هو جدو دلوقتي عرف إننا جينا؟»
ابتسمت وسط دموعي وقلت:
«إن شاء الله يا حبيبتي، ربنا يرحمه ويغفر له.»
فارس وقف بعيد شوية، مستني أشاور له يقرب.
ولأول مرة، حسيت إنه فاهم إن وجوده في حياتنا مش حق يقدر يفرضه، لكنه فرصة لازم يكسبها.
بعد أسبوع، طلب فارس يقابلني في مكان هادي.
قعد قدامي وقال:
«نورهان، أنا مش جاي أطلب منك ترجعيلي. أنا عارف إن اللي حصل أكبر من أي اعتذار. بس نفسي أكون أب لأولادي، حتى لو إنتِ مش عايزة أي علاقة بينا.»
بصيت له وقلت:
«أنا مش هحرم ولادي من أبوهم، لكن لازم تفهم إنك مش هتدخل حياتهم وتخرج منها وقت ما تحب. الأطفال مش لعبة، وأنا مش هسمح لحد يوجعهم زي ما اتوجعت.»
هز راسه وقال:
«عندك حق. وأنا مستعد أثبتلك ده بالأفعال، مش بالكلام.»
وبالفعل، بدأ فارس يزور الأطفال بانتظام، واتفقنا إن كل خطوة تحصل بهدوء وبما يضمن راحتهم.
ومع الوقت، بدأ الأولاد يتعرفوا عليه، وبقى بينهم ذكريات صغيرة جديدة، من غير ما ننسى العشر سنين اللي فاتوا.
أما أنا، فرجعت لحياتي وشغلي، واحتفظت باستقلالي، ومطلبتش منه فلوس ولا تعويض عن السنين اللي ضاعت.
لأن فيه حاجات الفلوس عمرها ما تقدر تعوضها.
وبعد شهور، وصلني جواب من المحامي بيأكد إن المستندات الأصلية اتراجعت، وإن حقوقي القانونية اتثبتت، وإن التحقيقات كشفت حجم التلاعب اللي حصل في ممتلكات العيلة.
لكن أكبر انتصار بالنسبالي مكنش الفلوس ولا رجوع اسمي لسمعته.
كان إني قدرت أبص في المراية من غير ما أحس إني محتاجة أثبت لأي حد إني إنسانة تستحق الاحترام.
وفي يوم، وأنا قاعدة مع ولادي في البيت، آدم سألني:
«ماما، إنتِ زعلانة من بابا؟»
فكرت شوية، وبعدين قلت:
«أنا مش هكدب عليكم، اللي حصل وجعني جدًا. لكن مش عايزة أعيش باقي عمري أسيرة للي حصل زمان.»
يوسف سألني:
«يعني سامحتيه؟»
ابتسمت وقلت:
«التسامح مش معناه إننا ننسى، ولا معناه إننا نسمح لنفس الغلط يتكرر. معناه إننا نختار نكمل حياتنا من غير ما الوجع يتحكم فينا.»
في اللحظة دي، عرفت إن السنين اللي فاتت مكنتش سهلة، لكني خرجت منها أقوى.
وأهم درس اتعلمته إن اللي بيحكم عليك من غير ما يسمعك، ممكن يخسر أغلى حاجة في حياته، وإن الحقيقة مهما اتأخرت، ليها يوم وهتظهر.
النهاية.




