روايات وقصص

الجزء الاخير بقلم محمد عبده

وقلت:

«دي كل المستندات الرسمية. الشركة اتأسست بفلوسي، واتطورت بمجهودي، وكل التزاماتها وعقودها واضحة. لو فيه أي ادعاء قانوني، ياريت يتقدم من خلال الإجراءات الرسمية.»

المحامي راجع الأوراق، وبعد شوية بص لكريم وقال:

«لازم أوضح لحضرتك إن القرابة وحدها مش بتنشئ ملكية في شركة.»

كريم اتعصب وقال:

«يعني إنتِ هتسيبيني كده؟ بعد كل اللي حصل؟»

قلت له:

«إنت اللي سبتني من عشر سنين وأنا خارجة من البيت بشنطة هدومي. أنا ماطلبتش منك حاجة وقتها، ولا طلبت منك تساعدني في أي خطوة.»

قام من الكرسي وقال:

«أنا كنت صغير ومحتاج مساعدة!»

رديت:

«إنت كنت عندك 24 سنة، وأنا كنت عندي 18 سنة. مين فينا كان محتاج مساعدة أكتر؟»

ماعرفش يرد.

بعدها المحامي جمع أوراقه، واعتذر عن أي سوء تفاهم، وخرج.

أما كريم ففضل واقف قدامي، وبعد لحظات قال بصوت أقل حدة:

«أنا عارف إني غلطت معاكي، بس أنا فعلًا وصلت لطريق مسدود. خسرت شغلي، وعليا ديون، ومش عارف أبدأ منين.»

لأول مرة من بداية المواجهة، حسيت إن كلامه مش مجرد محاولة للضغط عليّ.

قلت له:

«أنا مش هديك فلوس، ومش هتنازل لك عن جزء من شركتي، لكن لو إنت فعلًا عايز تبدأ من جديد، أقدر أديك فرصة شغل حقيقية.»

بص لي باستغراب.

كملت:

«عندنا وظيفة في المخزن، وهتبدأ من أول السلم. مرتب ثابت، ومواعيد واضحة، ومسؤوليات محددة. هتتعامل معايا كمديرتك، مش كأختك. ولو التزمت ونجحت، تقدر تترقى زي أي موظف.»

سكت شوية، وبعدها قال:

«يعني مش هتديني منصب كبير؟»

ابتسمت وقلت:

«المنصب بيتاخد بالتعب، مش بالقرابة.»

هز رأسه، وقال إنه محتاج يفكر.

بعدها بأيام، رحت أزور أمي وأبويا.

المرة دي ماكنتش رايحة عشان أطلب منهم اعتذار، ولا عشان أثبت إني بقيت أحسن منهم.

كنت رايحة أشوف أبويا وأطمن على صحته.

دخلت البيت، ولقيته قاعد لوحده في الصالة.

لما شافني، وقف بصعوبة وقال:

«منار، اقعدي يا بنتي.»

قعدت جنبه.

فضل ساكت فترة طويلة، وبعدها قال:

«أنا عايز أقولك حاجة، ومش عارف إذا كان ينفع أطلب منك تسامحيني ولا لأ.»

بصيت له وقلت:

«اتفضل يا بابا.»

قال وهو بيبص للأرض:

«أنا ظلمتك. يوم ما طلبت منك تدي أخوكي العربية، كنت فاكر إني بعمل الصح، لكن الحقيقة إني كنت بدلع كريم على حسابك. ولما رفضتي، عاقبتك بدل ما أحمي حقك. وكنت عارف إنك تعبتي عشان تجيبي العربية، ومع ذلك طردتك.»

عينيه دمعت، وكمل:

«كنت مستني ترجعي وتعتذري، لكن كل يوم كان بيعدي كنت باكتشف إني خسرت بنتي بإيدي.»

حسيت بدموعي بتنزل، لكن المرة دي ماكانش جوايا نفس الغضب القديم.

قلت له:

«أنا سامحتك يا بابا، بس مش هقدر أنسى اللي حصل. أنا محتاجة أحس إن وجودي في البيت ده مش مرتبط بفلوس أو عربية أو مساعدة أقدمها لحد.»

مسك إيدي وقال:

«حقك عليّا يا بنتي.»

بعدها دخلت أمي، وحضنتني وهي بتعيط، وقالت:

«أنا كمان غلطت لما سكتّ. كنت خايفة أعارض أبوكي، لكن خوفي خلاني أسيبك لوحدك.»

حضنتها وقلت:

«كان نفسي وقتها ألاقيكي واقفة جنبي، مش بتتفرجي عليّا وأنا بمشي.»

ماكانش فيه كلام يقدر يرجع السنين اللي فاتت، لكن كان فيه فرصة إننا نبدأ بشكل مختلف.

أما كريم، فبعد أسبوع رجع لي واتقبل الوظيفة.

بدأ من المخزن، وكان الموضوع صعب عليه في البداية، خصوصًا إنه لأول مرة يشتغل تحت إشراف أشخاص مش بيجاملوا حد.

وفي أول شهر، اتأخر أكتر من مرة، واتنبه رسميًا.

لكنه بدأ يتغير تدريجيًا.

بقى ملتزم بمواعيده، ويتحمل مسؤولية شغله، وبعد فترة قدر يثبت إنه ممكن يعتمد على نفسه.

وأنا ما اديتلوش عربية من عربياتي، لكنه بعد شهور جمع جزء من فلوسه واشترى عربية مستعملة صغيرة بفلوسه.

وفي يوم جالي المكتب، وحط قدامي مفتاح العربية وقال:

«كنت عايز أقولك حاجة يا منار… أنا أول مرة أحس إن فيه حاجة في حياتي أنا اللي جبتها بتعبي. دلوقتي فهمت إنتِ كنتِ متمسكة بعربيتك القديمة ليه.»

ابتسمت وقلت:

«الموضوع عمره ما كان مجرد عربية يا كريم. الموضوع كان إنك تحترم تعب غيرك.»

ابتسم وقال:

«عارف. وأنا آسف.»

بعد فترة، اتفقنا نبيع العربية القديمة اللي كانت سبب كل الخلافات، بعد ما راجعنا أوراقها وتأكدنا من سلامة الإجراءات، واستخدمت جزءًا من قيمتها في التبرع لمساعدة مجموعة من الشباب اللي محتاجين فرصة يتعلموا حرفة ويبدأوا شغلهم.

أما أنا، ففضلت مكملة في شركتي، ووسعتها سنة بعد سنة.

وبقيت كل ما أشوف بنت صغيرة بتبدأ شغلها وبتحاول تعتمد على نفسها، أشجعها وأقول لها:

«ما تسمحيش لحد يقلل من تعبك، حتى لو كان أقرب الناس ليكي.»

وبعد مرور عشر سنين من الليلة اللي خرجت فيها من بيت أبويا، فهمت درس عمره ما هيتنسي

العيلة مش مجرد ناس بيجمعك بيهم اسم واحد أو سقف واحد. العيلة الحقيقية هي اللي تحترم تعبك، وتحافظ على حقك، وتفرح بنجاحك من غير ما تطلب منك تتنازل عن نفسك عشان ترضيها.

وأهم حاجة اتعلمتها إن التسامح مش معناه إنك تسمح للناس تكرر نفس الأذى، وإن مساعدة الآخرين مش معناها إنك تتخلى عن كرامتك.

أنا خرجت من بيت أبويا وأنا عندي 18 سنة، ومعايا عربية قديمة وشنطة هدوم.

لكن بعد عشر سنين رجعت وأنا عندي شركة، وكرامة، وحياة بنيتها بإيدي.

وفي النهاية، أنا ما احتجتش أنتقم من حد… نجاحي كان كفاية يثبت إن البنت اللي طردوها من البيت كانت أقوى بكتير مما تخيلوا.

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى