روايات وقصص

القصة كاملة للنهاية من هنا

ابتسم عمر.

«هناك فرق بين أن يكون الشخص غير ملحوظ، وبين أن يكون عمله يتحدث عنه بصمت.»

ثم أخرج هاتفه ونظر إلى الشاشة.

«لكن هناك شيء آخر لا أفهمه.»

«ما هو؟»

«لماذا ما زلتِ مساعدة محاسبة مبتدئة؟»

لم أجد إجابة.

لأنني في الحقيقة كنت أعرف.

كنت أظن أنني لا أستحق أكثر.

كنت أرى الأشخاص الذين يرتدون الملابس الفاخرة ويتحدثون بثقة، وأقنع نفسي بأنهم ينتمون إلى أماكن أعلى مني.

أما أنا…

فكنت مجرد فتاة تحاول دفع فواتير منزلها وإعالة أمها.

قال عمر:

«أحيانًا أكبر عقبة أمام الموظف ليست المدير.»

نظرت إليه.

«بل الصورة التي صنعها عن نفسه.»

كانت كلماته بسيطة.

لكنها أصابت شيئًا بداخلي.

ثم قال:

«غدًا الساعة التاسعة صباحًا، أريدك في مكتبي.»

تجمدت.

«هل أنا مطرودة؟»

رفع حاجبه باستغراب.

ثم ضحك لأول مرة.

«لا.»

توقفت لحظة.

«إذن لماذا؟»

أجاب:

«لأنني أريد أن أعرض عليكِ وظيفة جديدة.»

وقبل أن أستوعب كلماته، فتح الباب.

لكن قبل أن نعود إلى القاعة، التفت إليّ وقال:

«وبالمناسبة يا سارة…»

نظرت إليه.

«لا ترتدي فستانًا جديدًا غدًا.»

ابتسمت بحيرة.

«لماذا؟»

قال:

«لأنني أريد أن أعرف ما الذي تستطيعين فعله عندما لا تضطرين إلى قضاء طاقتك في محاولة إخفاء نفسك.»

ثم عاد إلى القاعة.

وبقيت وحدي في الممر، أحدق في حاشية فستاني القديمة.

لأول مرة…

لم أرَ فيها عيبًا.

رأيت فيها أحد عشر شهرًا من الصبر.

ورأيت أمًا كنت أحاول حمايتها.

ورأيت أبًا لم أستطع إنقاذه.

ورأيت نفسي…

التي كنت على وشك أن أنساها.

الجزء الثالث

في صباح اليوم التالي، وصلت إلى الشركة قبل موعدي بنحو أربعين دقيقة.

لم أنم جيدًا طوال الليل.

كنت أفكر في كلام عمر، وفي العرض الذي قال إنه يريد تقديمه لي.

هل كان يقصد ترقية فعلية؟

أم أنه كان يحاول فقط تعويض إحراجي أمام الجميع؟

وبصراحة، كنت أخشى الاحتمال الثاني أكثر.

دخلت إلى قسم الحسابات وجلست أمام مكتبي.

بعد دقائق، بدأت الرسائل تصل إلى هاتفي.

زميلة تسألني عن الحفل.

وأخرى تقول إن ما حدث أصبح حديث الشركة.

ثم وصلتني رسالة من زميل كنت أعرف أنه قريب من الإدارة:

«استعدي. هناك اجتماع كبير اليوم.»

وضعت الهاتف جانبًا.

لم أكن أريد أن أعرف المزيد.

في التاسعة تمامًا، جاء اتصال من مكتب عمر.

«الأستاذ عمر ينتظرك.»

أخذت نفسًا عميقًا، ثم توجهت إلى الطابق التنفيذي.

عندما دخلت مكتبه، وجدته واقفًا أمام نافذة كبيرة تطل على المدينة.

التفت إليّ.

«صباح الخير يا سارة.»

«صباح الخير.»

أشار إلى الكرسي.

«اجلسي.»

جلست.

فتح ملفًا أمامه.

«قبل أن نتحدث عن أي ترقية، أريد أن أسألك عن مشروع الحسابات الذي عملتِ عليه خلال الأشهر الثلاثة الماضية.»

بدأ يطرح أسئلة دقيقة.

كيف اكتشفت خطأ في أحد التقارير؟

لماذا غيرت طريقة تصنيف بعض المصروفات؟

كيف تمكنت من تقليل وقت مراجعة الفواتير؟

في البداية كنت متوترة.

لكن بعد دقائق، نسيت أنني في مكتب المدير التنفيذي.

بدأت أشرح.

وعندما انتهيت، ظل عمر صامتًا لعدة ثوانٍ.

ثم قال:

«هذا بالضبط ما كنت أبحث عنه.»

نظرت إليه باستغراب.

«ماذا؟»

«أنتِ لا تقومين بعملك فقط. أنتِ تفكرين في طريقة تحسين العمل.»

فتح درجًا وأخرج ملفًا آخر.

«أريد نقلك إلى فريق التحليل المالي.»

حدقت فيه.

«لكنني لا أملك خبرة كافية.»

ابتسم.

«لديك خبرة أكثر مما تعتقدين.»

«والراتب؟»

خرج السؤال مني دون تفكير.

ابتسم عمر.

«أكثر من راتبك الحالي بنسبة كبيرة.»

لم أستطع الكلام.

ثم أضاف:

«لكن هناك شرط.»

رفعت عيني إليه.

«ما هو؟»

قال:

«لا أريد منكِ أن تقبلي الوظيفة لأنني دافعت عنكِ أمس.»

سكت قليلًا.

«أريدك أن تقبليها لأنك تعرفين أنك تستحقينها.»

شعرت بعيني تدمعان.

أدرت وجهي للحظة.

ثم قلت:

«أوافق.»

مد يده.

صافحته.

لكن قبل أن أخرج، سألته:

«أستاذ عمر… ماذا سيحدث لريم؟»

تغيرت ملامحه.

«هذا يعتمد على التحقيق.»

«تحقيق؟»

«ما حدث بالأمس لم يكن أول شكوى تتعلق بها.»

توقفت عند الباب.

«كانت هناك شكاوى أخرى؟»

«نعم.»

ثم قال:

«لكن أغلب الموظفين كانوا يخافون من الكلام.»

خرجت من مكتبه وأنا أفكر في جملة واحدة:

لم أكن الوحيدة التي خافت.

وبعد ساعة تقريبًا، انتشر بريد إلكتروني من إدارة الموارد البشرية على جميع الموظفين.

كان عنوانه:

“مراجعة عاجلة لسياسات السلوك المهني والاحترام داخل بيئة العمل.”

بدأت الهمسات تنتشر.

وبعد الظهر، تم استدعاء ريم إلى اجتماع مغلق.

وفي اليوم التالي، لم تعد إلى مكتبها.

ثم اكتشفت شيئًا جعلني أفهم لماذا كان عمر يعرف الكثير عن سلوكها.

كان هناك ملف كامل من الشكاوى القديمة.

موظفون تعرضوا للإهانة أمام زملائهم.

موظفة تم تجاهل ترقيتها بعد أن رفضت مجاملة شخصية.

وموظف آخر تم تهديده بخفض تقييمه لأنه اعترض على أسلوبها.

لكن الأمر الأكثر صدمة…

أن الإدارة كانت تعرف عن معظم هذه الوقائع.

ولم تفعل شيئًا.

إلا بعد تلك الليلة.

بعد أيام، صدر القرار.

تم إعفاء ريم من منصبها الإداري.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك.

أطلقت الشركة برنامجًا جديدًا لتقييم المديرين، وأصبح بإمكان الموظفين تقديم شكاوى سرية دون المرور بمديريهم المباشرين.

أما أنا، فبدأت عملي الجديد.

ولأول مرة في حياتي، دخلت اجتماعًا مع مجموعة من المديرين دون أن أفكر في ملابسي.

لم أعد أخفي يدي عندما يظهر الخيط المختلف في فستاني.

ولم أعد أعتذر عن الأشياء التي لا أملك المال لتغييرها.

لكن بعد ثلاثة أشهر، حدث شيء لم أتوقعه.

كنت في اجتماع لمراجعة ميزانية مشروع كبير، عندما وضع عمر تقريرًا أمام مجلس الإدارة.

وقال:

«أريد أن تتولى سارة قيادة هذا الجزء من المشروع.»

رفعت رأسي بسرعة.

لم أكن مستعدة.

لكن عمر نظر إليّ وقال:

«أنتِ مستعدة.»

بدأت العرض.

وفي نهاية الاجتماع، طرح أحد أعضاء مجلس الإدارة سؤالًا صعبًا.

أجبته.

ثم طرح سؤالًا آخر.

أجبته أيضًا.

وبعد انتهاء الاجتماع، اقترب مني عمر.

وقال:

«هل تعرفين ما الذي تغير؟»

قلت:

«وظيفتي؟»

ابتسم.

«لا.»

ثم أشار إلى سترتي البسيطة.

«أنتِ لم تتغيري. لكنك توقفتِ عن تصديق أن الآخرين أعلى منكِ.»

ابتسمت.

وفي تلك اللحظة فهمت شيئًا لم أكن أفهمه ليلة الحفل.

لم يكن عمر قد أنقذ مسيرتي المهنية.

هو فقط أعطاني فرصة لأرى قيمتي بوضوح.

أما أنا…

فكان عليّ أن أقرر ماذا سأفعل بهذه الفرصة.
الجزء الرابع

مرت ستة أشهر منذ تلك الليلة.

وخلال تلك الفترة، تغيرت حياتي بطريقة لم أكن أتخيلها.

لم أصبح ثرية.

ولم أتحول فجأة إلى شخصية مختلفة.

ما زلت أعيش في المنزل نفسه، وما زالت أمي تحتاج إلى أدويتها، وما زالت سيارتي القديمة تصدر ذلك الصوت المزعج كلما أدرتها.

لكن شيئًا واحدًا تغير تمامًا:

لم أعد أشعر بالخجل من حياتي.

أصبحت أعمل في فريق التحليل المالي، ثم تم تكليفي بقيادة مشروع صغير.

كنت أعود إلى المنزل كل مساء متعبة، لكنني كنت متعبة من شيء أحبه.

وذات يوم، دخلت مكتب عمر وفي يدي ملف.

قلت:

«أعتقد أنني وجدت خطأ في توقعات الميزانية الخاصة بالمشروع الجديد.»

رفع عينيه عن الحاسوب.

«خطأ كبير؟»

«قد يكلف الشركة ملايين إذا لم نكتشفه قبل توقيع العقود.»

أغلق حاسوبه فورًا.

«أريني.»

جلسنا لأكثر من ساعة نراجع الأرقام.

وفي النهاية، اتضح أنني كنت على حق.

قال عمر:

«أحسنتِ.»

ابتسمت.

«شكرًا.»

ثم سألني:

«هل تعرفين ماذا كنت ستفعلين قبل ستة أشهر؟»

ضحكت.

«كنت سأفترض أنني مخطئة لأنني موظفة مبتدئة.»

ابتسم.

«وهذا بالضبط ما لم أعد أريده منك.»

لكن في ذلك اليوم، حدث شيء آخر.

بينما كنت أخرج من مكتبه، رأيت امرأة تقف في نهاية الممر.

عرفتها فورًا.

ريم.

كانت ترتدي ملابس بسيطة، وتحمل صندوقًا صغيرًا.

يبدو أنها جاءت لتستلم بعض أغراضها القديمة.

عندما رأتني، توقفت.

لم أكن أعرف ماذا أفعل.

توقفت هي أيضًا.

ثم قالت:

«سارة.»

«نعم؟»

نظرت إليّ للحظات.

«أريد أن أعتذر.»

لم أتوقع ذلك.

قلت:

«حسنًا.»

قالت:

«كنت قاسية معك.»

ثم ابتسمت ابتسامة حزينة.

«بل كنت قاسية مع الكثيرين.»

لم أقل شيئًا.

أكملت:

«في البداية كنت أظن أنني أفعل ذلك لأنني أريد أن أجعل الناس أفضل. لكن الحقيقة أنني كنت أخاف من أن يكتشف أحد أنني لست مثالية كما أبدو.»

نظرت إلى الصندوق في يدها.

«كنت أستخدم ملابس الناس وأخطاءهم ونقاط ضعفهم حتى أشعر أنني أقوى.»

ساد الصمت.

ثم قالت:

«الفستان لم يكن المشكلة يا سارة.»

نظرت إليها.

«أعرف.»

رفعت عينيها إليّ.

«هل تسامحينني؟»

فكرت للحظة.

لم أكن بحاجة إلى أن أكرهها.

ولم أكن بحاجة أيضًا إلى أن أنسى ما فعلته.

قلت:

«سامحتك، لكنني لن أنسى.»

أومأت.

«هذا يكفيني.»

ثم رحلت.

وقفت أراقبها حتى اختفت في نهاية الممر.

وبعدها عدت إلى مكتبي.

في المساء، اتصلت بي أمي.

«مبروك يا بنتي.»

ضحكت.

«على إيه؟»

«وصلني الخطاب.»

توقفت.

«أي خطاب؟»

قالت:

«الخطاب الخاص بالترقية.»

لم أكن قد أخبرتها بعد.

ضحكت أمي وقالت:

«أنتِ فاكرة إني مش عارفة؟»

ضحكت.

«إزاي؟»

قالت:

«لأن عمر اتصل بي قبل أسبوعين.»

تجمدت.

«اتصل بكِ؟»

«آه.»

«وقال لكِ إيه؟»

ضحكت أمي.

«قال لي إن بنتي عندها مستقبل كبير، وإنها لا يجب أن تسمح لأي شخص يجعلها تشك في نفسها.»

لم أعرف ماذا أقول.

ثم قالت أمي:

«لكن عندي سؤال أهم.»

«إيه؟»

«الفستان الأحمر لسه عندك؟»

ضحكت بصوت عالٍ.

«طبعًا.»

«ليه؟»

نظرت إلى الخزانة.

كان الفستان معلقًا في الداخل.

فستان قديم.

حاشيته غير متساوية.

وخيطه مختلف قليلًا عن لون القماش.

قلت:

«هحتفظ بيه.»

سألتني:

«ليه؟»

قلت:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى