
— دورت.
— فين؟
— في كل مكان.
ثم أضاف:
— لكن بعد أيام، وصلتني رسالة منه.
تجمدت نادين.
— رسالة؟
— كانت قصيرة جدًا.
— قالت إيه؟
أخرج جمال هاتفه القديم.
— “ما تثقش في حد. حتى أقرب الناس ليك.”
حدقت نادين فيه.
— وليه احتفظت بالرسالة عشر سنين؟
— لأنني كنت عارف إن حسام ما كانش بيكتب كلامًا عبثيًا.
قالت سلمى:
— بابا… مين كان أقرب الناس ليك وقتها؟
نظر جمال إليها.
ثم قال:
— شريف.
ساد الصمت.
لكن نادين هزت رأسها.
— مش شريف وحده.
— تقصدي مين؟
— كان فيه شخص آخر.
أخرجت الدفتر.
— اسمه موجود هنا.
قلبت الصفحات حتى وصلت إلى آخر صفحة.
وكان هناك اسم مكتوب بخط اليد:
“محمود الشافعي.”
تجمد جمال.
— أخويا؟
نظرت سلمى إليه.
— عمي محمود؟
هز جمال رأسه ببطء.
— محمود مات من سبع سنين.
قالت نادين:
— يمكن مات… لكن ده لا يعني إنه ما كانش جزءًا من البداية.
فتح جمال الدفتر.
وجد بجوار الاسم أرقامًا وتواريخ.
ثم قال:
— دي أرقام حسابات قديمة.
أخذ المحامي الدفتر.
— أقدر أراجعها.
وبعد دقائق، ظهر شيء صادم.
قال:
— الحسابات دي كانت مرتبطة بشركة استيراد.
سأل جمال:
— شركة مين؟
— شركة كان يملكها أخوك محمود.
شعرت سلمى بالصدمة.
— يعني عمي كان بيشارك في الخطة؟
قال جمال:
— مش عارف.
ثم أضاف:
— لكن لو كان متورطًا، فده يفسر حاجات كتير.
في تلك اللحظة، رن هاتف نادين.
كان رقمًا مجهولًا.
أجابت.
لم يتحدث أحد.
ثم جاء صوت رجل مسجل:
— لو كملتوا البحث، سلمى هتكون في خطر.
أغلقت نادين الهاتف فورًا.
لكن الرسالة لم تكن تهديدًا فقط.
كان معها تسجيل فيديو.
فتحوه.
ظهر شريف في مكان مجهول.
قال أمام الكاميرا:
— أنا عارف إنكم وصلتوا لمحمود.
ثم ابتسم.
— لكنكم متأخرين.
توقف التسجيل.
قالت سلمى:
— هو عايزنا نعرف.
أجاب جمال:
— لأنه واثق إن عنده حاجة أقوى.
وفي نفس اللحظة، وصل بريد إلكتروني جديد.
هذه المرة كان من حساب قديم جدًا يعود إلى محمود.
فتح المحامي الرسالة.
لم يكن فيها سوى ملف واحد.
“الحقيقة الكاملة.”
فتحوه.
ظهرت مستندات من عشر سنوات.
وفي منتصفها عقد شراكة.
اسم الطرف الأول:
جمال الشافعي.
اسم الطرف الثاني:
محمود الشافعي.
لكن العقد لم يكن لشركة.
كان اتفاقًا على إدارة صندوق استثماري خاص.
والتوقيع الموجود باسم جمال لم يكن توقيعه.
قال جمال:
— التوقيع مزور.
ثم لاحظ شيئًا.
— التاريخ.
كان العقد مؤرخًا في نفس الليلة التي اختفى فيها حسام.
قالت نادين:
— يعني حسام اكتشف التزوير.
رد جمال:
— وراح لشريف.
قال المحامي:
— ثم اختفى.
فهمت سلمى شيئًا.
— ومحمود؟
قال جمال:
— غالبًا كان يعرف كل شيء.
لكن قبل أن يكمل، وجدوا مستندًا آخر.
كان عبارة عن وصية قديمة لمحمود.
قرأ المحامي أول سطر.
ثم توقف.
— أستاذ جمال…
— إيه؟
— الوصية فيها بند غريب.
— بند إيه؟
— محمود أوصى بنقل جزء من ممتلكاته إلى… سلمى.
حدقت سلمى في والدها.
— ليا أنا؟
— أيوه.
قال المحامي:
— لكن الوصية لم تُنفذ.
سأل جمال:
— ليه؟
— لأن أحد الأشخاص قدم اعتراضًا قانونيًا عليها.
— مين؟
رفع المحامي عينيه.
— كريم.
تجمدت سلمى.
— كريم؟
— أيوه.
قال جمال:
— هو كان يعرف محمود؟
رد المحامي:
— يبدو أن العلاقة بينهما أقدم بكثير مما كنا نعتقد.
شعرت سلمى بأنها لم تعد تعرف زوجها إطلاقًا.
قالت:
— لازم نلاقي كريم.
لكن هاتفها رن في نفس اللحظة.
كانت رسالة من كريم.
“أنا في المكان اللي بدأ منه كل شيء.”
ثم أرسل إحداثيات.
فتحها جمال.
فكان العنوان لمبنى قديم خارج المدينة.
قالت نادين:
— ده مكتب والدي القديم.
نظر جمال إليها.
— إذن كريم عرف الحقيقة قبلكم.
ركبوا السيارة فورًا.
لكن عندما وصلوا، وجدوا الباب مفتوحًا.
دخلوا بحذر.
كانت الغرفة خالية.
وفي المنتصف وُجد صندوق معدني.
فتحه جمال.
كان بداخله هاتف قديم.
شغله.
وبمجرد أن ظهر الفيديو الأول، سقط الهاتف من يد نادين.
كان تسجيلًا لحسام مراد.
قال فيه:
— لو وصلتوا للتسجيل ده، يبقى محمود ما كانش هو العقل المدبر.
ثم نظر مباشرة إلى الكاميرا.
— الشخص اللي بدأ كل حاجة موجود داخل عائلة الشافعي.
تجمد الجميع.
ثم أكمل حسام:
— وأنا اكتشفت الحقيقة بعد فوات الأوان.
انقطع التسجيل.
وفي نفس اللحظة، سمعوا صوت خطوات خلفهم.
استدار جمال.
كان كريم واقفًا عند الباب.
لكنه لم يكن وحده.
كانت معه امرأة.
وعندما رآها الجميع، شهقت سلمى.
كانت والدتها.
المرأة التي ماتت منذ سنوات.
أو هكذا كانت سلمى تعتقد طوال حياتها.
الجزء التاسع
تجمدت سلمى في مكانها.
حدقت في المرأة الواقفة بجوار كريم، وكأن عقلها يرفض تصديق ما تراه عيناها.
— ماما…؟
لم تجب المرأة.
لكن دموعها بدأت تنزل.
اقتربت سلمى منها خطوة.
— مستحيل… أمي ماتت من سبع سنين.
قالت المرأة بصوت مبحوح:
— أنا آسفة يا بنتي.
تراجعت سلمى.
— إنتِ مين؟
قال كريم:
— اسمها الحقيقي مش مهم دلوقتي.
صرخ جمال:
— إنت اتجننت؟!
ثم نظر إلى المرأة.
— لو كنتِ فعلًا زوجتي… قوليلي حاجة محدش يعرفها غيرنا.
رفعت المرأة عينيها إليه.
— في ليلة زواجنا، كنت خايف جدًا، وقلت لي إنك مش هتقدر تحميني من أخوك محمود لو عرف إنك اكتشفت الحقيقة.
تغير وجه جمال.
كان ذلك سرًا لا يعرفه أحد.
اقترب منها ببطء.
— إنتِ…
لكن المرأة قالت:
— أيوه، أنا ليلى.
انهارت سلمى في البكاء.
— ليه عملتي فينا كده؟ ليه سيبتيني أعتقد إنك ميتة؟
قالت ليلى:
— لأنهم كانوا هيموتوكي.
ساد الصمت.
قالت سلمى:
— مين؟
نظرت ليلى إلى كريم.
— هو كان واحدًا منهم.
خفض كريم رأسه.
— أنا عارف.
صرخت سلمى:
— عارف إيه؟!




