روايات وقصص

الجزء الثاني من القصة

قالت ليلى:

— بعد اختفاء حسام، اكتشفنا إن محمود وشريف لم يكونا وحدهما. كان هناك أشخاص آخرون داخل الشركة وخارجها.

وأضافت:

— وأنا اكتشفت أن اسمك، يا سلمى، كان موجودًا في وثائق قديمة كواحدة من الورثة المحتملين لأموال ضخمة.

قال جمال:

— أموال مين؟

— أموال صندوق استثماري كان حسام اكتشفه.

أخرجت ليلى ظرفًا قديمًا.

— الصندوق ده ما كانش تابعًا لمحمود وحده. كان فيه أموال تم تحويلها من شركات متعددة، وبعضها كان مرتبطًا بعائلة الشافعي.

قالت سلمى:

— وليه أنا؟

أجابت ليلى:

— لأن محمود كتب اسمك في وصيته.

تذكرت سلمى الوصية التي وجدوها.

لكن ليلى أكملت:

— وبعد موت محمود، بدأت تظهر محاولات للسيطرة على حصتك.

قال جمال:

— وعشان كده حاولوا يستخدموا كريم؟

— أيوه.

نظر كريم إلى الأرض.

قالت سلمى:

— وإنت وافقت؟

أجاب بصوت ضعيف:

— في البداية.

— وبعدين؟

— لما عرفت إن الخطة وصلت لدرجة إنهم ممكن يأذوكي، حاولت أخرج.

قالت ليلى:

— لكنه تأخر.

نظرت سلمى إليها.

— يعني إيه؟

أخرجت ليلى ورقة أخرى.

— قبل حملك، تم إنشاء ملف كامل عن حياتك.

كانت فيه صور لسلمى، وعناوين أماكن عملها، ومعلومات عن حساباتها.

شعرت سلمى بالاختناق.

— كانوا بيراقبوني؟

— من سنين.

ثم أضافت:

— ولما عرفوا إنك حامل، خافوا إن الطفل يكون وريثًا قانونيًا لبعض الأصول في المستقبل.

قال جمال:

— فبدأوا يضغطوا عليها.

هزت ليلى رأسها.

— لكن لا يوجد دليل مؤكد أن أي شخص تعمد التسبب في فقدان الحمل.

سكت الجميع.

كانت الجملة مهمة.

فكل الشكوك والقرائن لا تكفي وحدها لإثبات أن فقدان الطفل كان جريمة متعمدة.

قالت سلمى:

— إذن مين حط الدواء؟

نظر كريم إلى الأرض.

— أنا.

شهقت سلمى.

— إنت؟

— أنا اللي جبت الدواء.

— ليه؟

— شريف قال لي إنه علاج مساعد للحمل، وإنه آمن.

صرخت:

— وإنت ما سألتش الطبيب؟!

— كنت خايف.

— من مين؟

— منهم.

ثم أضاف:

— لكني ما كنتش أعرف إنه ممكن يضرك.

سألته:

— ولما عرفت؟

— بعد ما فقدنا الطفل.

— ليه ما قلتليش؟

لم يجب.

كانت إجابته في صمته.

فهمت سلمى أنه أخفى الحقيقة لأنه كان يعرف أنه متورط.

قال جمال:

— أنت مش بريء يا كريم.

— عارف.

— لكنك هتتحاسب.

هز كريم رأسه.

— مستعد.

فجأة سمعوا صوت سيارة تتوقف أمام المبنى.

قالت ليلى:

— لازم نمشي.

لكن قبل أن يتحرك أحد، انفتح الباب بعنف.

دخل شريف ومعه رجلان.

— انتهت اللعبة.

وقف جمال أمام ابنته.

— أنت اللي بدأت كل ده.

ابتسم شريف.

— لا.

ثم نظر إلى ليلى.

— هي اللي بدأت.

قالت ليلى:

— كذاب.

ضحك شريف.

— اسألي زوجك.

التفت الجميع إلى جمال.

— زوجي؟

قال شريف:

— ليلى لم تختفِ بسببنا فقط.

تجمدت سلمى.

— تقصد إيه؟

قال شريف:

— والدك هو اللي طلب منها تختفي.

نظر الجميع إلى جمال.

هز جمال رأسه.

— غير صحيح.

قال شريف:

— عندي الدليل.

وأخرج هاتفًا.

شغّل تسجيلًا صوتيًا.

جاء صوت جمال بوضوح:

— لو حصل لي أي شيء، خدي سلمى واهربي. ما تخليش حد يعرف إنك عايشة.

توقفت ليلى عن الكلام.

قالت سلمى:

— بابا؟

أجاب جمال:

— نعم، أنا قلت لها ذلك.

— ليه؟

— لأنني كنت أعرف أن الخطر حقيقي.

قال شريف:

— لكنك أخفيت الحقيقة عن بنتك.

أجاب جمال:

— عشان أحميها.

ابتسم شريف.

— الحماية انتهت.

ثم رفع هاتفه.

— لأن عندي نسخة من كل شيء.

لكن في تلك اللحظة، ظهر صوت صفارات سيارات الشرطة في الخارج.

تغير وجه شريف.

قال كريم:

— أنا اللي اتصلت بيهم.

نظر إليه شريف بغضب.

— خنتني؟

— من أول لحظة عرفت إنهم عايزين يؤذوا سلمى.

حاول شريف الهرب.

لكن رجال الأمن أمسكوا به قبل خروجه.

وخلال دقائق، تم توقيفه هو والرجلين.

أما كريم، فجلس على الأرض وهو يضع يديه فوق رأسه.

اقتربت منه سلمى.

قالت:

— أنا مش عارفة أسامحك.

أجاب:

— وأنا مش طالب منك تسامحيني.

— أنت دمرت ثقتي فيك.

— عارف.

ثم قال:

— لكن فيه حاجة لازم تعرفيها.

— إيه؟

— الشخص اللي كان بيمول شريف… لسه ما ظهرش.

نظرت إليه.

— مين؟

قال:

— أنا ما عرفتش اسمه الحقيقي.

ثم أضاف:

— لكن آخر تحويل مالي وصل لشريف قبل اختفائه جاء من حساب باسم امرأة.

فتحت سلمى عينيها.

— مين المرأة؟

أخرج كريم ورقة صغيرة.

كان عليها اسم واحد.

“سارة الشافعي.”

نظر جمال إلى الاسم، ثم شحب وجهه.

— مستحيل…

سألته سلمى:

— تعرفها؟

لم يجب فورًا.

ثم قال:

— دي أختي.

لكن المشكلة أن سارة الشافعي كانت قد توفيت منذ أكثر من عشرين عامًا.

وهنا أدركوا أن هناك شخصًا ما يستخدم هويتها.

شخصًا يعرف أسرار العائلة القديمة بالكامل.

والأخطر…

أن الحساب الذي يحمل اسم سارة لم يكن قديمًا.

بل تم فتحه منذ ثلاثة أشهر فقط.

أي بعد بداية حمل سلمى مباشرة.

وعندها فهم جمال أن القبض على شريف لم يكن نهاية القصة…

بل كان بداية الوصول إلى العقل الحقيقي وراء كل شيء.

الجزء العاشر والأخير

في اليوم التالي، لم تستطع سلمى التفكير في شيء سوى الاسم الموجود في الملف:

سارة الشافعي.

كانت عمتها قد ماتت قبل أكثر من عشرين عامًا، ومع ذلك كان هناك حساب بنكي حديث يحمل اسمها، وقد استُخدم لتحويل أموال إلى شريف.

قال جمال للمحقق:

— أختي ماتت سنة 2005. مستحيل تكون فتحت حسابًا منذ ثلاثة أشهر.

أجابه المحقق:

— الحساب باسمها فعلًا، لكن بيانات فتح الحساب تشير إلى استخدام وثائق هوية مزورة.

— إذن مين استخدم اسمها؟

— هذا ما نحاول معرفته.

بعد ساعات، وصلت نتيجة فحص الحسابات.

المفاجأة أن جميع التحويلات لم تكن تأتي من شخص واحد.

كانت هناك مبالغ من عدة شركات صغيرة، لكنها في النهاية تتجمع في حساب واحد.

وعندما ظهر اسم صاحب الحساب الحقيقي، ساد الصمت.

كان الاسم:

حسام مراد.

شهقت نادين.

— أبويا؟!

قال المحقق:

— الحساب تم إنشاؤه قبل اختفائه، لكنه ظل نشطًا لفترة طويلة بعد ذلك.

نظرت نادين إلى جمال.

— قلت إنه اختفى.

— لأنه اختفى فعلًا.

لكن المحقق وضع أمامهما مستندًا آخر.

— المشكلة أن آخر عملية تمت من الحساب كانت قبل ستة أشهر فقط.

تجمدت نادين.

— يعني أبويا كان عايش؟

هز المحقق رأسه.

— لا نستطيع إثبات ذلك. شخص آخر قد يكون استخدم الحساب.

لكن جمال قال:

— لازم نعرف مين.

بدأت التحقيقات من جديد.

هذه المرة لم يكن البحث عن كريم أو شريف أو رامي.

كان البحث عن الشخص الذي ظل مختبئًا طوال السنوات الماضية.

وبعد أيام، ظهر خيط جديد.

كاميرا مراقبة التقطت امرأة تدخل أحد البنوك باستخدام هوية سارة الشافعي.

تم تحسين الصورة.

وعندما ظهرت ملامحها بوضوح، شعرت سلمى بصدمة.

كانت ليلى.

والدتها.

لكن ليلى أنكرت.

— أنا ما دخلتش البنك.

واجهها المحقق بالصورة.

ظلت صامتة طويلًا.

ثم قالت:

— لأنني لم أكن أنا.

— لكن الصورة لك.

— أعرف.

— إذن مين؟

نظرت ليلى إلى جمال.

ثم قالت:

— أختي التوأم.

ساد الصمت.

قال جمال:

— ليلى… أنتِ ما عندكيش أخت توأم.

هزت رأسها.

— دي الحقيقة اللي حاولت أخفيها طول حياتي.

ثم أخرجت صورة قديمة.

كانت لامرأتين متشابهتين بشكل مذهل.

— اسمها ليان.

سألت سلمى:

— ومين ليان؟

قالت ليلى:

— كانت تعرف كل أسرار العائلة.

ثم أضافت:

— وهي الشخص الوحيد الذي كان يعرف أين أخفيت المستندات القديمة.

بدأ المحققون البحث عنها.

وبعد يومين فقط، تم تحديد مكانها.

كانت تعيش في مدينة ساحلية باسم مختلف.

وعندما وصلت الشرطة، لم تحاول الهرب.

قالت:

— كنت أعرف أنكم ستصلون إليّ يومًا.

داخل منزلها، وجدوا ملفات كثيرة.

لكن أهم ملف كان يحمل اسم سلمى.

فتحه المحقق.

كانت فيه معلومات عن حملها، وأدويتها، وحساباتها، وحتى مواعيد زياراتها للطبيب.

قالت سلمى:

— ليه كنتِ بتراقبيني؟

أجابتها ليان:

— لأنك كنتِ آخر حلقة في السلسلة.

— أي سلسلة؟

قالت:

— الأموال التي سرقها حسام وشريف ومحمود… لم تكن أموالهم.

نظر جمال إليها.

— أموال مين؟

— أموال صندوق استثماري قديم.

ثم أضافت:

— وحسام لم يكن الضحية الوحيدة.

فتح المحقق ملفًا آخر.

ظهرت أسماء كثيرة.

شركات.

حسابات.

أشخاص.

وفي النهاية ظهر اسم جمال.

قالت ليان:

— أخوك محمود لم يكن العقل المدبر. كان مجرد شريك.

ثم نظرت إلى سلمى.

— أما كريم، فقد تم اختياره لأنه كان قريبًا منك.

قالت سلمى:

— ولماذا أنا؟

— لأن الوصية التي كتبها محمود جعلتك صاحبة الحق في كشف جزء من الصندوق بعد بلوغك سنًا معينة.

سأل جمال:

— وأين الأموال؟

ابتسمت ليان.

— ليست في أي حساب من الحسابات التي وجدتموها.

— إذن أين؟

أجابت:

— مع شخص لم يشك فيه أحد.

ثم أخرجت مفتاحًا صغيرًا.

— حسام تركها في خزينة قديمة.

نادين اقتربت منها.

— أبي؟

— نعم.

ثم قالت:

— حسام لم يمت عندما اختفى.

شهقت نادين.

— أين هو؟

أجابت ليان:

— مات بعد سنوات، لكن قبل موته ترك كل الأدلة.

تم فتح الخزينة بالفعل.

وكان بداخلها مستندات تثبت عمليات التزوير والتحويلات، إضافة إلى تسجيلات تدين شريف وليان وعددًا من المتورطين.

أما كريم، فقد اعترف بكل ما فعله.

لم يكن هو العقل المدبر، لكنه كان شريكًا في الخطة، وقبل المال وساعد في إخفاء المعلومات.

أما شريف ورامي وليان، فبدأت الإجراءات القانونية ضدهم، وتولت الجهات المختصة تحديد مسؤولية كل شخص عن الجرائم التي ارتكبها.

وبعد أشهر من التحقيقات، ظهرت الحقيقة الطبية أيضًا.

لم يتمكن الأطباء من إثبات أن فقدان حمل سلمى كان متعمدًا أو أن الدواء وحده تسبب فيه.

لكنهم أثبتوا أن سلمى تناولت مادة دوائية لم تكن موصوفة لها، وأن كريم أخفى عنها حقيقة ما كان يعطيها.

وهذا كان كافيًا لكشف جانب خطير من تصرفاته.

أما سلمى، فكانت أكثر شيء تحتاج إليه هو أن تتوقف عن لوم نفسها.

في إحدى الأمسيات، جلست أمام والدها في الشرفة.

قالت:

— أنا خسرت ابني.

أمسك جمال يدها.

— عارف.

— لكني كمان خسرت زوجي.

— أحيانًا خسارة شخص مؤذٍ تكون بداية النجاة.

نظرت إلى السماء.

— كنت فاكرة إن حياتي انتهت.

ابتسم جمال.

— لا يا بنتي. حياتك بدأت من جديد.

مرت الشهور.

بدأت سلمى تعود إلى عملها في المدرسة.

وعادت إلى ممارسة حياتها بهدوء.

لم تنسَ طفلها، لكنها تعلمت أن تعيش دون أن تحمل نفسها ذنبًا لم يكن ذنبها.

أما كريم، فكان ينتظر محاكمته.

وقبل أن ينتهي كل شيء، وصل إلى سلمى خطاب منه.

فتحت الرسالة.

كتب:

“سلمى، أعرف أنني لا أستحق أن تسامحيني. أخطأت عندما صدقت المال والخوف، وخذلتك عندما كان يجب أن أحميك. أتمنى فقط أن تكملي حياتك من غير أن تسمحي لما فعلته أن يسرق منك مستقبلك.”

قرأت الرسالة ثم أغلقتها.

لم تمزقها.

ولم تحتفظ بها.

وضعتها في صندوق قديم، ثم أغلقته.

بعد عام، وقفت سلمى أمام قبر صغير كانت قد اختارت أن تضع عليه اسمًا رمزيًا لطفلها.

وضعت وردة بيضاء.

وقالت بهدوء:

— سامحني يا صغيري… أنا حاولت أحميك.

ثم ابتسمت وسط دموعها.

— وهكمل حياتي عشانك.

وقفت وابتعدت.

لم تكن تعرف ماذا سيحمله المستقبل.

لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا:

لقد نجت.

لم يكن فقدان طفلها نهاية قصتها.

ولم يكن خيانة زوجها نهاية حياتها.

بل كان اليوم الذي اكتشفت فيه الحقيقة هو اليوم الذي بدأت فيه تستعيد نفسها.

ومنذ ذلك اليوم، لم تعد سلمى تثق في المظاهر.

تعلمت أن أخطر الأشخاص ليسوا دائمًا من يصرخون أو يهددون…

أحيانًا يكون الشخص الذي يبتسم لك كل صباح، ويقول لك:

“أنا بعمل كل ده عشانك.”

هو نفسه الشخص الذي يجب أن تسأله:

“لكن… ماذا تفعل حقًا؟”
تمت
حكايات محمد عبده

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى