
— متى؟
— أكثر من مرة.
— لم تقل شيئًا!
— لأنهم كانوا يراقبونك.
ثم أضاف:
— وفي كل مرة كنت أحاول الابتعاد، كانوا يهددونني بكشف أمر نور.
نظرت إليه.
— لكنك خذلتني.
خفض رأسه.
— نعم.
— واستغليت أموالي.
— نعم.
— وأخفيت عني حقيقة نور.
— نعم.
— إذن لا تطلب مني أن أتعاطف معك.
قال:
— لا أطلب منك ذلك.
ثم أخرج ظرفًا صغيرًا.
— أريد فقط أن أعطيك هذا.
فتحته.
وجدت داخله وثيقة.
كانت بخط والدي.
قرأت:
«إلى ابنتي ليلى، إذا وصلتك هذه الرسالة، فاعلمي أنني لم أخفِ الحقيقة عنك لأنني لم أثق بك، بل لأنني كنت أخشى أن تدفعك طيبتك إلى التسامح مع من لا يستحق.»
انهرت بالبكاء.
كانت تلك آخر رسالة من أبي.
—
فجأة، سمعنا صوت سيارة أخرى.
قال حسام:
— يجب أن نغادر الآن.
لكن قبل أن نتحرك، ظهرت سيارة سوداء في نهاية الطريق.
توقفت.
نزلت منها سارة.
كانت ترتدي معطفًا أسود، وتمسك هاتفًا بيدها.
نظرت إلينا.
ثم قالت:
— كنت أعلم أنكم ستصلون إلى هنا.
قلت:
— لماذا يا سارة؟
ابتسمت.
— لأنك كنتِ تثقين بالناس بسرعة يا ليلى.
شعرت بغضب شديد.
— كنت أعتبرك أختي.
— وهذا ما جعل الأمر سهلًا.
اقتربت مني.
— كنت أعرف الكثير عنك. أين تذهبين، ماذا تملكين، وأين تحتفظين بأموالك.
قال ماجد:
— كفى يا سارة.
التفتت إليه.
— أنت آخر شخص يحق له الكلام.
ثم قالت:
— هل أخبرتها لماذا تزوجتها؟
قلت:
— أعرف.
ابتسمت.
— لا، لا تعرفين كل شيء.
ثم نظرت إلى حسام.
— أخبرها.
ساد الصمت.
قلت:
— ماذا؟
كان حسام شاحبًا.
ثم قال:
— هناك شيء لم أخبرك به.
شعرت بالخوف.
— ماذا؟
قال:
— والدك لم يترك لك الثروة فقط.
— ماذا ترك أيضًا؟
نظر إلى سارة.
ثم قال:
— ترك لك شركة سرية مسجلة باسمك منذ سنوات.
تجمدت.
— ماذا؟
— كانت الشركة تملك حصصًا في عدد كبير من العقارات والاستثمارات. وماجد وسارة كانا يحاولان الوصول إليها منذ سنوات.
قالت سارة:
— لكننا لم ننجح.
ابتسمت.
— لأن والدك كان قد وضع شرطًا.
سألت:
— ما هو؟
قال حسام:
— لا يمكن فتح الشركة أو نقل ملكيتها إلا بعد بلوغك الخامسة والأربعين.
نظرت إليه.
ثم أدركت.
عمري الآن خمسة وأربعون عامًا.
ابتسمت سارة ابتسامة غريبة.
— الآن فهمتِ لماذا كان توقيت الطلاق مهمًا.
شعرت ببرودة تسري في جسدي.
— كان يجب أن تطلقني قبل العملية…
قال ماجد:
— لأنهم كانوا يريدونك خارج الصورة قبل أن تكتشفي الشركة.
نظرت إليه.
ثم إلى سارة.
ثم إلى حسام.
كل الخيوط أصبحت واضحة.
لم يكن الخلاف بسبب الخيانة وحدها.
ولم تكن نور هي السبب.
ولم تكن أموالي الحالية وحدها هي الهدف.
كانوا ينتظرون بلوغي الخامسة والأربعين للوصول إلى ثروة أكبر بكثير مما كنت أعرف أنها موجودة أصلًا.
وفجأة رن هاتف سارة.
نظرت إلى الشاشة.
تغير وجهها.
قالت:
— ماذا حدث؟
ثم سكتت.
أغلقت الهاتف.
نظر إليها حسام وقال:
— انتهى كل شيء.
سألته:
— ماذا تقصد؟
قال:
— الجهات المختصة ألقت القبض على فؤاد.
ثم أضاف:
— وبدأ في كشف تفاصيل مهمة.
نظرت إلى سارة.
لأول مرة، اختفت الابتسامة من وجهها.
لكنها قالت شيئًا جعلني أشعر أن النهاية لم تصل بعد:
— إذا كنتِ تعتقدين أن اعتراف فؤاد سيحل كل شيء، فأنت مخطئة.
قلت:
— لماذا؟
اقتربت مني وقالت:
— لأن هناك شخصًا واحدًا فقط يعرف الحقيقة الأخيرة عن والدك.
سألتها:
— من؟
ابتسمت.
ثم قالت:
— أنتِ.
وغادرت المكان مع الجهات المختصة وهي تقترب من الموقع.
لكنني لم أفهم معنى كلامها…
إلا عندما فتح حسام آخر ملف تركه والدي.
وفي الصفحة الأولى كانت هناك صورة قديمة لي وأنا طفلة.
وخلف الصورة جملة واحدة:
«ليلى… هناك سر عن ولادتك لم أخبرك به قط.»
—
# الجزء الأخير
ظللت أحدق في الصورة القديمة، وكأنني أحاول أن أجد داخل ملامح طفولتي إجابة عن السؤال الذي قلب حياتي كلها.
— ما معنى هذا يا حسام؟
لم يجب فورًا.
فتح الملف ببطء، وأخرج شهادة قديمة.
قال:
— هذه ليست شهادة ميلادك الأصلية.
نظرت إليه.
— ماذا؟
— شهادة الميلاد التي تعرفينها صحيحة من الناحية القانونية، لكن والدك احتفظ بنسخة من ملف قديم جدًا.
بدأت يداي ترتجفان.
— قل لي الحقيقة.
أخرج ورقة أخرى.
— قبل ولادتك بأشهر، كانت هناك امرأة تعمل لدى والدك. اسمها مريم.
— وما علاقتها بي؟
نظر إليّ طويلًا.
— كانت والدتك البيولوجية.
شعرت أنني فقدت القدرة على التنفس.
— ماذا تقول؟
— والدك الذي رباك لم يكن والدك البيولوجي.
حدقت فيه غير مصدقة.
— إذن من أنا؟
قال:
— والدك البيولوجي كان رجلًا اسمه يوسف مراد.
تراجعت خطوة.
يوسف…
والد نور.
الرجل الذي قيل إنه توفي في حادث.
الرجل الذي ترك الأدلة.
الرجل الذي كان يحاول حماية والدي.
قلت:
— إذن أنا ونور…
أومأ حسام.
— أختان من الأب.
شعرت بدموعي تنهمر.
كل شيء أصبح مفهومًا فجأة.
ولهذا كان والدي يحمي نور.
ولهذا ترك يوسف رسالته.
ولهذا كانت سارة تخشى ظهور الحقيقة.
لكن بقي سؤال واحد.
— لماذا أخفى أبي الأمر عني؟
قال حسام:
— لأن يوسف ومريم كانا يواجهان ظروفًا صعبة، ووالدك تولى مسؤولية حمايتك بعد رحيل يوسف، وقرر أن تبقى هويتك سرًا حتى تكبري.
— وما علاقة ماجد؟
فتح حسام ملفًا آخر.
— ماجد اكتشف الحقيقة قبل زواجه منك.
تجمدت.
— كيف؟
— كان يعمل في شركة والدك، ووجد بعض الوثائق القديمة.
— وهل كان يعرف أن يوسف أبي البيولوجي؟
— نعم.
— ولهذا تزوجني؟
— في البداية كان الهدف هو الوصول إلى ثروتك ومعرفة مكان الوثائق.
أغمضت عيني.
خمسة عشر عامًا من حياتي…
كلها كانت مبنية فوق أسرار لم أكن أعرفها.
—
بعد ساعات، تم توقيف سارة.
وخلال التحقيق، اعترفت بأنها كانت تعمل مع فؤاد، وأنها كانت تزودهم بالمعلومات عن ممتلكاتي وحساباتي.
واعترفت أيضًا بأنها كانت تعرف أن نور ابنة يوسف.
لكن المفاجأة كانت أن ماجد لم يكن العقل المدبر.
كان جزءًا من الشبكة فقط.
أما الأموال التي كان يحولها إلى كريم، فلم تكن مرتبطة بنور بالطريقة التي توقعتها.
كان ماجد يخشى أن يصل رجال فؤاد إلى كريم ونور، فكان يدفع مبالغ مقابل إبعاد الخطر عنهما.
كان ماجد خائفًا…
لكن خوفه لم يبرر خيانته.
ولم يبرر استغلال أموالي.
ولم يمحُ السنوات التي جعلني أعيش فيها وأنا أظن أنني السبب في كل شيء.
—
بعد عدة أسابيع، خرجت نور من المدرسة ذات يوم، فوجدتني أنتظرها.
كانت طفلة هادئة، لا تعرف شيئًا عن كل هذه التفاصيل.
انحنيت أمامها.
قلت:
— نور، هل يمكنني أن أخبرك شيئًا؟
نظرت إليّ بتردد.
— ماذا؟
ابتسمت رغم دموعي.
— والدك كان رجلًا شجاعًا جدًا.
سألت:
— هل تعرفينه؟
أجبت:
— نعم… أكثر مما كنت أتخيل.




