
— لكنه لم يقل لي ذلك.
— وأنا لم أصدقه.
ثم قال:
— لهذا وقعت على اتفاق آخر مع والدك.
— أي اتفاق؟
أخرج كريم محفظته.
أخرج ورقة مطوية.
— هذه نسخة أعطاني إياها والدك.
فتحتها.
كانت رسالة بخط يد أبي.
قرأتها.
“يا كريم، إذا كنت تحب سلمى حقًا، فلا تسمح لأي شخص أن يجعلها تشعر بأنها مدينة لكم بشيء. هي ليست صفقة، وليست طريقًا إلى المال. إذا بقيت إلى جانبها، فستكون ابني. وإذا حاولت استغلالها، فسأترك لها ما يكفي لتحمي نفسها منك ومن أي شخص آخر.”
بدأت أبكي.
قال كريم:
— أنا لم أفهم معنى الرسالة بالكامل وقتها.
ثم أمسك يدي.
— لكنني فهمت شيئًا واحدًا: والدك كان يثق بي أكثر مما كنت أعتقد.
قلت:
— وأنا كنت أظن أن عائلتك تكرهني لأنني أخذتك منهم.
— الحقيقة أنهم كانوا يخافون أن أختارك عليهم.
ساد الصمت.
ثم وصل إشعار إلى هاتفي.
كانت رسالة من نوال.
“غدًا الساعة العاشرة، تعالي وحدك إلى منزلنا القديم. إذا لم تأتِ، سأرسل لكِ كل شيء.”
نظرت إلى كريم.
قال فورًا:
— لن تذهبي وحدك.
لكنني هززت رأسي.
— سأذهب.
— لماذا؟
— لأنها قالت إنها سترسل لي كل شيء.
ثم قلت:
— أريد أن أعرف ما الذي تخفيه.
—
في صباح اليوم التالي، ذهبت إلى المنزل القديم.
كانت نوال تنتظرني وحدها.
لم تكن غاضبة هذه المرة.
كانت تبدو متعبة.
قالت:
— اجلسي.
جلست.
وضعت أمامي صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
— هذا كان عندي منذ خمس سنوات.
فتحته.
وجدت بداخله صورًا، وإيصالات، ورسائل.
قلت:
— لماذا أعطيتني هذا الآن؟
نظرت إليّ.
— لأنني فشلت.
— في ماذا؟
بدأت عيناها تدمعان.
— في حماية ابني.
ضحكت بمرارة.
— حماية ابنك؟ كنتِ تحاولين طردي من منزلي!
قالت:
— لأنني كنت خائفة.
— من ماذا؟
سكتت طويلًا.
ثم قالت:
— من والدك.
شعرت بالصدمة.
— أبي مات منذ سنوات.
— أعرف.
ثم أضافت:
— لكنه ترك لي شيئًا لم أستطع نسيانه.
أخرجت رسالة قديمة.
— هذه وصلتني قبل زفافكما بأسبوع.
فتحت الرسالة.
وكانت عبارة واحدة فقط:
“إذا حاولتِ إيذاء ابنتي، فسوف يعرف كريم الحقيقة كاملة.”
رفعت عيني إليها.
— أي حقيقة؟
قالت نوال:
— الحقيقة التي أخفاها والدك عنك.
ثم دفعت لي صورة.
نظرت إليها.
كان فيها والدي…
وبجانبه رجل آخر.
رجل أعرفه.
لكنني لم أستطع تصديق ما رأيته.
كان الرجل هو الحاج محمود.
والصورة لم تكن قديمة كما توقعت.
كانت ملتقطة قبل وفاة والدي بشهر واحد فقط.
قلت:
— ماذا كان أبي يفعل معه؟
أجابت نوال:
— كانا يتفقان على شيء.
— ماذا؟
قالت:
— على ألا تعرفي أبدًا أن كريم…
ثم توقفت.
— أن كريم ماذا؟
نظرت إليّ في عيني مباشرة.
وقالت:
— أن كريم لم يكن يعلم أن والدك هو الذي أنقذ شركة والده من الإفلاس قبل زواجكما بأيام.
تجمدت.
لكنها لم تكن المفاجأة الأخيرة.
فقد قلبت الصورة.
وكان خلفها سطر مكتوب بخط والدي:
“إذا قرأت سلمى هذه الرسالة يومًا، فهذا يعني أن الخطة فشلت… وعندها يجب أن تعرف أن الخطر الحقيقي لم يكن من عائلة كريم.”
رفعت رأسي ببطء.
— إذن من كان الخطر؟
نظرت نوال نحو الباب.
ثم همست:
— الشخص الذي كان والدك يثق به أكثر من الجميع.
وفي تلك اللحظة…
سمعنا صوت مفتاح يدور في قفل الباب.
دخل رجل لم أتوقع رؤيته أبدًا.
كان محامي والدي.
لكنه لم يأتِ وحده.
كان برفقته رجل آخر يحمل حقيبة سوداء.
وعندما رأيته، عرفت وجهه فورًا.
كان أحد أقرب أصدقاء والدي…
الرجل الذي حضر جنازته قبل سنوات.
ابتسم وقال:
— أظن أن الوقت حان لتعرفي لماذا مات والدك وهو يعتقد أنني سأحميك.
الجزء قبل الأخير
دخل الرجلان إلى الغرفة، وأغلقت نوال الباب خلفهما.
كان الرجل الذي يحمل الحقيبة السوداء هو سامح الديب، صديق والدي القديم. رأيته مرات كثيرة في طفولتي، وكان أبي يثق به ثقة عمياء.
لكن ابتسامته هذه المرة لم تكن مطمئنة.
قال:
— سلمى، والدك لم يكن يخشى عائلة كريم وحدها.
نظرت إليه بحذر.
— إذن ممن كان يخاف؟
وضع الحقيبة على الطاولة وفتحها.
كانت مليئة بملفات ومستندات.
قال المحامي:
— قبل وفاة والدك بشهر، اكتشف تحويلات مالية مشبوهة من إحدى شركاته إلى حسابات لا علاقة لها بنشاطه.
سألت:
— ومن كان يدير هذه الحسابات؟
نظر سامح إلى الأرض.
— أنا.
تجمدت.
— أنت؟
أومأ.
— والدك اكتشف الأمر.
ثم أضاف:
— لكنه لم يواجهني مباشرة. بدأ يجمع الأدلة في سرية.
شعرت بالغضب.
— وهل كنت تسرق أموال أبي؟
قال:
— في البداية نعم.
ثم رفع عينيه إليّ.
— لكنني لم أكن أعمل وحدي.
فتح المحامي ملفًا ووضع أمامي مجموعة من العقود.
كان اسم الحاج محمود موجودًا فيها.
ثم اسم سامح.
ثم أسماء أشخاص آخرين.
قال المحامي:
— والدك اكتشف أنهم كانوا يحاولون الاستيلاء على جزء من أصوله تدريجيًا، ثم استخدام نفوذهم للسيطرة على الشركة بعد وفاته.
قلت:
— لكن لماذا أدخلوا كريم في الأمر؟
أجاب سامح:
— لأن كريم كان نقطة ضعفهم الوحيدة.
نظرت إليه باستغراب.
— كيف؟
قال:
— والدك اكتشف أن كريم مختلف عن عائلته. لذلك قرر أن يختبره.
— يختبره؟
— نعم.
ثم أخرج تسجيلًا آخر.
ضغط زر التشغيل.
سمعت صوت أبي:
— كريم لا يعرف شيئًا عن الخطة. إذا أحب سلمى بعيدًا عن المال، سأعطيه ثقتي. وإذا حاول أحد استخدامه للوصول إليها، فسأعرف.
ثم جاء صوت سامح:
— وماذا ستفعل؟
أجاب أبي:
— سأجعل كل شيء باسم سلمى، لكن لن تحصل عليه إلا بعد خمس سنوات من الزواج.
توقفت عن التنفس.
الآن فهمت كل شيء.
لم تكن السنوات الخمس مجرد شرط في وصية.
كانت مهلة.
أبي كان يريد أن يتأكد أن زواجي من كريم حقيقي، وأن عائلته لن تستطيع الوصول إلى أمواله قبل أن تنكشف حقيقتهم.
لكن بقي سؤال واحد.
— إذا كنت أنت من خان أبي، فلماذا تساعدني الآن؟
خفض سامح رأسه.
— لأنني عرفت متأخرًا أنني كنت أداة في خطة أكبر مني.




