
بدأت تبكي.
—ريم، اسمعيني.
—أجيبي أولًا.
—منذ شهرين.
شعرت بالخذلان.
—لماذا؟
قالت:
—كريم طلب مني ذلك.
—ماذا كان يريد؟
—معلومات عن استثماراتك.
—وأعطيته إياها؟
هزت رأسها.
—لم أكن أعرف أنه يريد سرقتك.
صرخت:
—وماذا كنتِ تظنين أنه يريد؟!
انهمرت دموعها.
—كان يقول إنه يريد فقط معرفة كيف يمكنك مساعدته.
سكتُّ.
ثم سألت:
—هل أخبرته عن مؤسسة الظل؟
ترددت.
وهذا التردد كان كافيًا.
قلت:
—أخبرته.
قالت:
—أنا آسفة.
ثم اقتربت مني.
—لكني توقفت عندما اكتشفت الحقيقة.
—متى؟
—قبل أسبوع.
—ولماذا لم تخبريني؟
قالت:
—كنت خائفة.
جلست أمامها.
—ماذا اكتشفتِ؟
أخرجت هاتفها.
—وجدت محادثة بين كريم وشخص اسمه يوسف النجار.
شعرت بقلبي يخفق.
—ماذا قالا؟
فتحت المحادثة.
كان كريم يكتب:
«سارة أصبحت تشك في كل شيء. نحتاج إلى إنهاء الأمر قبل أن تتحدث مع ريم».
وكان رد يوسف:
«لا تلمسها. نحتاجها حتى يتم تحويل الملكية».
قلت:
—تحويل ملكية ماذا؟
قالت سارة:
—لم أعرف.
لكنها أرسلت لي صورة أخرى.
كانت عبارة عن مستند.
قرأته.
ثم شعرت بالدماء تنسحب من وجهي.
كان المستند يتعلق بحصة استثمارية ضخمة.
الحصة التي تركتها جدتي.
لكن اسم المستفيد النهائي لم يكن اسمي.
كان:
يوسف النجار.
—
في تلك اللحظة رن هاتفي.
كانت ليلى.
—ريم، أين أنتِ؟
—مع سارة.
قالت بسرعة:
—تعالي إلى المكتب فورًا.
—ماذا حدث؟
—اكتشفنا الشخص الذي كان يتلاعب بسجلات الصندوق.
سألت:
—من؟
سكتت لثانية.
ثم قالت:
—لا أستطيع قول ذلك عبر الهاتف.
أغلقت الخط.
نظرت إلى سارة.
—تعالي معي.
—
عندما وصلنا إلى المكتب، كانت ليلى تنتظرنا.
وضعت ملفًا على الطاولة.
—وجدنا الحساب الذي كان يستخدم لإخفاء التحويلات.
فتحته.
ثم قالت:
—صاحبة الحساب ليست سارة.
نظرت إليها.
—من إذن؟
قلبت الملف نحوي.
ظهر الاسم.
نادية عبد الرحمن.
اسم أمي.
لم أستطع الكلام.
سارة وضعت يدها على فمها.
—أمي؟
قالت ليلى:
—والدتك كانت تتلقى مبالغ مالية منذ أكثر من عام.
لكنني لم أقتنع.
—هل كانت تعرف مصدرها؟
—ربما.
ثم أخرجت ليلى مستندًا آخر.
—لكن هناك شيء أغرب.
—ماذا؟
—آخر تحويل دخل إلى حساب والدتك لم يأتِ من كريم.
—ممن؟
نظرت إليَّ.
—من حساب تابع لأطياف كابيتال.
تجمدت.
—هذا مستحيل.
—لهذا طلبت منك الحضور.
فتحت سجل العمليات.
كانت هناك تحويلات خرجت من الصندوق دون علمي.
والشخص الذي وافق عليها استخدم توقيعًا إلكترونيًا مطابقًا لتوقيعي.
لكنني لم أوقع عليها.
قلت:
—هناك شخص يملك صلاحية توقيعي.
قالت ليلى:
—نعم.
—من؟
أجابت:
—هذا هو الجزء الذي لم أكن أريد قوله عبر الهاتف.
وضعت أمامي صورة من سجل الصلاحيات.
ظهر اسم واحد.
ليلى نفسها.
رفعت رأسي ببطء.
كانت تنظر إليَّ وعيناها ممتلئتان بالدموع.
—ريم… أقسم لك أنني لم أفعل هذا.
لم أجب.
كان كل شيء ينهار أمامي.
أبي متورط.
أمي تتلقى الأموال.
سارة سربت معلوماتي.
والآن اسم ليلى موجود في التحويلات.
لكنني تذكرت رسالة جدتي:
«لا تثقي حتى بمن يحمل اسم العائلة».
ثم تذكرت شيئًا آخر.
الجملة لم تقل:
«لا تثقي بموظفيك».
بل قالت:
«لا تثقي حتى بمن يحمل اسم العائلة».
نظرت إلى ليلى.
ثم ابتسمت.
—أنتِ لم تفعليها.
قالت بدهشة:
—كيف عرفتِ؟
—لأن الشخص الذي فعلها كان يريدني أن أشك فيك.
ثم أخرجت هاتفي.
—ولهذا السبب تركت له فخًا.
عرضت عليها تسجيلًا.
كان صوتًا واضحًا لرجل يتحدث مع شخص آخر.
الصوت كان مألوفًا.
مألوفًا جدًا.
قال الرجل:
—غدًا سيتم تحويل الملكية بالكامل.
ثم جاء صوت آخر:
—وماذا عن ريم؟
أجاب الأول:
—لن تعرف شيئًا حتى يصبح كل شيء باسم يوسف.
أوقفت التسجيل.
نظرت إلى سارة.
ثم إلى ليلى.
وقلت:
—غدًا لن ننتظرهم.
سنذهب نحن إليهم.
لكن قبل أن أغادر، وصلني بريد إلكتروني جديد.
كان يحتوي على وثيقة واحدة.
فتحتها.
وفي أعلى الصفحة كان هناك اسم:
«مؤسسة الظل — المستفيد النهائي: ريم عبد الرحمن».
وتحت الاسم مباشرة كانت هناك ملاحظة بخط جدتي:
«يا ريم، إذا وصلتِ إلى هذه اللحظة، فقد حان الوقت لتعرفي الحقيقة كاملة».
وفي أسفل الصفحة جملة واحدة جعلتني أفقد القدرة على الكلام:
«يوسف النجار ليس عدوك الحقيقي… إنه الشخص الذي أنقذ حياتك عندما كنتِ طفلة».
النهاية
قرأت الجملة مرات متتالية.
«يوسف النجار ليس عدوك الحقيقي… إنه الشخص الذي أنقذ حياتك عندما كنتِ طفلة».
لم أفهم.
قلت لليلى:
—هذا مستحيل.
أجابت:
—علينا أن نعرف الحقيقة قبل أن نحكم عليه.
في صباح اليوم التالي، ذهبنا إلى المكان الذي حددته الرسالة.
كان مكتبًا قديمًا في الإسكندرية.
دخل رجل مسن يرتدي بدلة داكنة.
كان هو يوسف النجار.
لم يبدُ خائفًا.
بل جلس بهدوء وقال:
—أخيرًا قابلتك يا ريم.
قلت:
—كنت تراقبني طوال هذه السنوات؟
ابتسم بحزن.
—كنت أحميك.
—من ماذا؟
نظر إلى سارة وليلى.
—من الأشخاص الذين سرقوا أموال جدتك، وحاولوا الوصول إليك بعد وفاتها.
قلت:
—لكن اسمك ظهر في كل الملفات.
—لأنني كنت أعمل معها.
ثم أخرج ملفًا قديمًا.
—جدتك لم تكن مجرد مستثمرة. كانت تحقق في شبكة كبيرة من عمليات الاحتيال المالي.
فتح الملف.
—والد كريم كان أحد الأشخاص الذين اكتشفتهم.
ثم نظر إلى أبي.
—والدك كان يعرف ذلك.
التفتُّ إلى أبي.
خفض رأسه.
قال يوسف:
—لكن والدك لم يبدأ خائنًا.
صمت لحظة.
—تم ابتزازه.
قلت:
—بماذا؟
أجاب:
—بكِ.
تجمدت.
—عندما كنتِ طفلة، تعرضتِ لحادث خطير. والدك كان بحاجة إلى المال لعلاجك، والشخص الوحيد الذي عرض عليه المساعدة كان والد كريم.
نظرت إلى أبي.
بدأت الدموع في عينيه.
—كنتِ ستموتين يا ريم.
قال بصوت مكسور:
—وأنا كنت مستعدًا لفعل أي شيء لإنقاذك.
شعرت بالغضب.
—وهل لذلك بعت عائلتي؟
قال:
—بدأ الأمر هكذا… ثم تورطت أكثر وأكثر.
تدخل يوسف:
—جدتك عرفت الحقيقة.
ثم أضاف:
—ولهذا أنشأت مؤسسة الظل.
قلت:
—ولماذا أخفت كل شيء عني؟
—لأنها أرادتك أن تكبري بعيدًا عن هذا العالم.
ثم أخرج وثيقة.
—لكنها كانت تعرف أنك في يوم من الأيام ستكتشفين الحقيقة.
—
في تلك اللحظة دخل محامٍ يحمل مجموعة أوراق.
قال:
—لدينا أوامر قضائية.
ثم وضع المستندات أمامي.
كانت الجهات المختصة قد بدأت رسميًا التحقيق مع كريم والشركات المرتبطة به.
أما والد كريم، فتم فتح ملفات قديمة ضده.
والدي لم يُعتقل.
لكنه وافق على التعاون الكامل مع التحقيقات مقابل تسوية قانونية بشأن دوره.
أما أمي، فقد اعترفت بأنها كانت تستقبل الأموال دون معرفة الصورة الكاملة.
لكن أكثر شخص انهار كان كريم.
بعد أيام، ظهر في جلسة التحقيق وهو يطلب من المحامين مساعدته.
لم يعد يتحدث عن الملايين.
لم يعد يتباهى بشركته.
ولم يعد أحد ينظر إليه كرجل أعمال ناجح.
كل ما كان يملكه كان مبنيًا على أسرار وديون وتحويلات مشبوهة.
أما سارة، فقد ألغت خطوبتها.
قالت لي ذات مساء:
—كنت أعتقد أنني وجدت الرجل الذي سيغير حياتي.
أجبتها:
—أحيانًا الشخص الذي يبدو أنه سيغير حياتك يكون هو نفسه الشخص الذي يحاول تدميرها.
احتضنتني.
ولأول مرة منذ سنوات، شعرت أنني استعدت أختي.
—
بعد عدة أشهر، انتهت القضية الأساسية.
تم تجميد الأصول المشبوهة.
وعادت الأموال التي أمكن تتبعها إلى أصحابها.
أما حصة جدتي، فقد أصبحت رسميًا تحت إدارتي.
لم أعد أخفي هويتي.
لكنني لم أعد بحاجة إلى لقب «الشبح».
في يوم من الأيام، ذهبت إلى منزل والدي.
فتح الباب.
كان يبدو أكبر سنًا بكثير.
قال:
—هل جئتِ لتنتقمي؟
هززت رأسي.
—لا.
ثم أخرجت ظرفًا ووضعته أمامه.
—هذا آخر شيء تركته جدتي لك.
فتح الظرف.
كانت رسالة قصيرة.
قرأها، ثم بدأ يبكي.
قلت:
—أنا لا أستطيع أن أنسى ما فعلته.
صمت.
—لكنني لن أحمل الكراهية طوال حياتي.
رفع رأسه.
—هل ستسامحينني؟
نظرت إليه طويلًا.
—ربما يومًا ما.
ثم أضفت:
—لكن المسامحة لا تعني أنني سأسمح لك بإيذائي مرة أخرى.
غادرت المنزل.
—
بعد عام، عدت إلى المطعم نفسه في الزمالك.
المطعم الذي شهد أول إهانة.
جلست مع سارة وليلى.
رفعنا كؤوسنا.
قالت سارة مبتسمة:
—إلى ماذا نشرب؟
نظرت إلى الكأس.
ثم قلت:
—إلى أننا لم نعد نحتاج إلى إثبات قيمتنا لأي شخص.
ضحكنا.
وفي اللحظة نفسها، وصلتني رسالة من رقم مجهول.
فتحتها.
كانت جملة واحدة:
«جدتك كانت ستفخر بك».
نظرت إلى سارة.
—من المرسل؟
هززت رأسي.
لم أعرف.
لكنني ابتسمت.
لأنني أدركت أن بعض الأسرار لا تحتاج إلى إجابات.
وقبل أن أغلق الهاتف، ظهرت رسالة ثانية:
«لكن هناك صندوقًا آخر تركته جدتك في بيروت».
توقفت.
نظرت إلى الشاشة.
ثم قلت:
—يبدو أن جدتي لم تكن قد انتهت من مفاجآتها بعد.
النهاية… أم بداية حكاية جديدة؟
تمت
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




