منوعات

الجزء الاخير بقلم محمد عبده

كان هناك ظرف صغير لم ننتبه إليه في المرة الأولى.

على الظرف كتب حسن:

«افتحيه عندما تتوقفين عن الخوف.»

فتحته.

وجدت بداخله صورة قديمة لنا ونحن في بداية زواجنا، ومعها ورقة قصيرة.

قرأتها، وابتسمت وسط دموعي:

«نادية، المال يمكن أن يشتري بيتًا جديدًا، لكنه لا يستطيع أن يعيد أربعين عامًا من الحب. إذا اضطررتِ يومًا للاختيار بين حماية ثروتك وحماية كرامتك، اختاري كرامتك أولًا.»

وضعت الورقة بجوار صورته.

وفي تلك اللحظة أدركت أنني لم أخسر عائلتي.

أنا فقط اكتشفت أخيرًا من كان يراني أمًا… ومن كان يراني ثروة.

ومنذ ذلك اليوم، لم أعد أخجل من ثروتي، ولم أعد أستخدمها لشراء حب أحد.

أما الساعة، فبقيت في يدي.

ليس لأنها كانت تساوي ملايين…

بل لأنها كانت آخر شيء تركه لي الرجل الذي أحبني، دون أن يسأل يومًا كم أملك.

الجزء السابع والأخير

مرت سنة كاملة منذ تلك الأيام.

تغيرت أشياء كثيرة في حياتي.

لم أعد أعيش في خوف من أن يطمع أحد فيما أملك، ولم أعد أشعر بالذنب لأنني امرأة لديها مال.

بدأت أخصص جزءًا من ثروتي لمشروعات صغيرة تحمل اسم حسن، لمساعدة أصحاب الورش والمشروعات العائلية الذين بدأوا من الصفر مثلما بدأنا نحن.

أما منزلي في رأس البر، فلم أبعْه.

بل رممته بالكامل.

أعدت ترتيب مكتبة حسن، ووضعت صوره في كل الأماكن التي كان يحب الجلوس فيها.

وأبقيت غرفته كما هي تقريبًا.

أما كريم، فقد تغير.

استغرق الأمر وقتًا طويلًا، لكنه بدأ من جديد.

ترك المشروع الذي كانت سارة تديره، وسدد ديونه بالتدريج، وبدأ يعمل بنفسه دون الاعتماد على أموالي.

لم أعطه ثروتي.

لكنني أعطيته شيئًا أهم:

فرصة ليصبح الرجل الذي كان والده يتمنى أن يكونه.

وفي أحد الأيام، جاء كريم إلى منزلي.

كان يحمل باقة من الزهور.

قال:

—أمي، هذه لكِ.

ابتسمت.

—لماذا؟

قال:

—لأنني أردت أن أقول لك شيئًا.

جلس أمامي.

—كنت أعتقد أنني أخاف أن أخسرك لأنك أمي.

سألته:

—وماذا اكتشفت؟

خفض رأسه.

—كنت أخاف أن أخسرك لأنني كنت أريد ما تملكين.

ساد الصمت.

ثم قال:

—وأنا آسف.

لم أبكِ.

هذه المرة، اكتفيت بأن وضعت يدي فوق يده.

قلت:

—أنا سامحتك يا كريم.

رفع عينيه.

—حقًا؟

—نعم.

ثم أضفت:

—لكن الثقة لا تعود بكلمة. تعود بالوقت والأفعال.

ابتسم.

—سأثبت لك ذلك.

بعد أن غادر، عدت إلى المكتبة.

أخرجت ساعة حسن من الدرج.

وضعتها على الطاولة.

كانت تعمل من جديد بعد أن أصلحها صانع ساعات قديم.

نظرت إلى عقاربها.

وتذكرت الليلة التي كنت فيها أنام داخل المرآب، وأسمع سارة تقول:

«في يوم من الأيام، كل شيء سيكون لنا.»

كدت أضحك.

لأنني في ذلك الوقت كنت أظن أنني خسرت عائلتي.

لكن الحقيقة كانت مختلفة.

لقد خسرت وهمًا فقط.

وهم أن الحب يعني أن أتنازل عن كل شيء حتى يظل الآخرون بجانبي.

أما الآن، فقد فهمت شيئًا لم أفهمه طوال حياتي:

العائلة الحقيقية لا تسأل كم تملك.

العائلة الحقيقية تسأل:

هل أنت بخير؟

وفي مساء هادئ، جلست أمام صورة حسن.

وضعت الساعة بجوارها.

وقلت:

—كنت على حق يا حسن.

ثم ابتسمت.

—المال فعلًا يغيّر بعض الناس… لكنه أيضًا يكشف حقيقتهم.

نظرت من النافذة إلى البحر.

ولأول مرة منذ وفاته، لم أشعر أنني أعيش بقية عمري وحدي.

كنت أعيش حياتي.

بشروطي.

وبكرامتي.

وبقلب أكثر هدوءًا.

أما الساعة التي بدأت منها كل الحكاية، فلم تعد بالنسبة لي مفتاحًا لصندوق أو سرًا لثروة.

كانت تذكارًا من رجل قضى معي أربعين عامًا، وأثبت لي في آخر رسالة كتبها أن أعظم ما يمكن أن يتركه الإنسان لمن يحب…

ليس المال، بل القدرة على الوقوف من جديد عندما يكتشف أن من حوله لم يكونوا كما ظن.

ومنذ ذلك اليوم، كلما سمعت دقات الساعة، كنت أبتسم وأقول:

«أنا بخير يا حسن… وهذه المرة، لن أسمح لأحد أن يجعلني أشعر بأنني عبء.»

النهاية.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى