روايات وقصص

الجزء الاخير

لم أستطع التنفس.

كريم؟

كان والدي يعرف اسمه قبل أن أقابله.

كيف؟

فتحت الملف البني.

وجدت صورًا لكريم وهو شاب.

وصورة أخرى له مع عماد.

ثم وجدت صورة جعلت يدي ترتجف.

كانت صورة قديمة تجمع والدي وكريم.

لكن كريم كان في الصورة أصغر بكثير.

ربما في أوائل العشرينيات.

وخلف الصورة كتب والدي:

«ابن نوال. يراقب العقار منذ سنوات.»

جلست على الأرض.

كل شيء بدأ يتضح.

كريم لم يدخل حياتي بالصدفة.

كان يعرف عائلتي.

وكان يعرف البيت.

وربما كان يعرفني قبل أن أعرفه.

لكن بقي سؤال واحد:

كيف استطاع أن يتقرب مني؟

واصلت البحث.

وجدت رسالة بريد إلكتروني مطبوعة.

كانت بين عماد وشخص آخر.

وفيها:

««كريم هو الأنسب. ندى تثق فيه بسرعة، وإذا تزوجها سيكون الوصول إلى العقار أسهل.»»

شعرت بدموعي تنزل.

لم يكن زواجي حبًا من البداية.

كان مشروعًا.

مشروعًا للاستيلاء على البيت.

لكنني وجدت شيئًا آخر.

رسالة بخط كريم نفسه.

كانت موجهة إلى شخص مجهول:

«في البداية كنت داخل الموضوع عشان الفلوس، لكني حبيتها فعلًا. مش قادر أكمل الخطة.»

توقفت.

إذن كريم كان قد أحبني فعلًا؟

حتى لو كان دخوله حياتي مبنيًا على الخداع، يبدو أن مشاعره تغيرت.

لكن لماذا وافق على الكاميرا والدين المزور؟

وجدت جوابًا في السطر التالي:

«أمي هددتني. قالت لو انسحبت، هتفضح ديوني وتخليني أواجه الناس اللي بطالبوني بالفلوس.»

أغلقت الرسالة.

لم أشعر بالشفقة عليه.

الخوف قد يفسر بعض أفعاله، لكنه لا يبررها.

—

ثم وجدت آخر ظرف.

كان عليه اسم:

«إلى ندى فقط.»

فتحته.

كانت رسالة من أمي.

بدأت أقرأ:

««ابنتي، إذا وصلتِ إلى هذا الخطاب، فاعلمي أنني لم أثق في نوال يومًا.»»

توقفت.

تابعت:

««هي لم تكن تريد الانتقام من والدك فقط. كانت تريد السيطرة على العقار لأن هناك شيئًا أهم من قيمته المالية.»»

قلبت الصفحة.

وكانت الجملة التالية هي التي غيرت كل شيء:

««الأرض الموجودة أسفل المنزل تحتوي على حق قانوني في مشروع مستقبلي، وقيمته الحقيقية أكبر بكثير من ثمن البيت نفسه.»»

فهمت الآن لماذا كان فؤاد مستعدًا لكل هذا.

ولماذا كان عماد يلاحق العقار.

ولماذا كانت نوال متمسكة به.

ولماذا حاولوا تلفيق دين بقيمة ثلاثة ملايين فقط.

ثلاثة ملايين كانت بالنسبة لهم مجرد بداية.

قيمة المشروع كانت أضعاف ذلك.

لكن أمي كتبت شيئًا أخيرًا:

««وأريدك أن تعرفي شيئًا أهم من كل المال. والدك لم يترك لكِ البيت فقط. لقد ترك لكِ الدليل الذي يستطيع كشف الخيانة التي حدثت قبل سنوات.»»

ثم وجدت اسمًا.

اسم شخص كان حاضرًا في كل الوثائق القديمة.

فؤاد منصور.

لكن أمي كتبت تحته:

«فؤاد ليس العقل المدبر.»

تجمدت.

كنت أعتقد أنني وصلت إلى الرأس الحقيقي.

لكن لا.

كان هناك شخص فوق فؤاد.

شخص يحرك الجميع.

ثم قرأت السطر الأخير:

««إذا أردتِ معرفة من بدأ كل شيء، ابحثي عن الشخص الذي كان يعرف والدك قبل الجميع.»»

رفعت رأسي.

بدأت أفكر.

من كان يعرف والدي قبل الجميع؟

من كان يعرف نوال؟

من كان يعرف فؤاد؟

ومن كان يعرف كريم؟

ثم تذكرت شيئًا.

صورة قديمة.

والدي.

أمي.

نوال.

فؤاد.

ورجل خامس.

كنت قد رأيته في الصورة، لكنني لم أعرفه.

بحثت عن الصورة مرة أخرى.

أخرجتها من الملف.

حدقت في وجه الرجل.

ثم شعرت بصدمة هائلة.

لقد كنت أعرفه.

بل إنني تحدثت معه قبل أيام.

كان الشخص الذي قابلته في البداية وأعطاني معلومات عن الملف.

محمود الشاذلي.

الرجل الذي ادعى أنه كان يعمل مع والدي.

لم يكن مجرد موظف.

كان هو الشخص الوحيد الذي يعرف كل الأسرار منذ البداية.

وفي تلك اللحظة، رن هاتفي.

كانت رسالة منه:

«عرفتِ الحقيقة، أليس كذلك؟ لا تثقي في محاميتك.»

توقفت أنفاسي.

ثم وصلت رسالة ثانية:

«لأنها تعمل معي منذ البداية.»

نظرت إلى الشاشة في رعب.

هل كانت محاميتي، التي وثقت بها طوال هذه القضية، جزءًا من المؤامرة؟

وقبل أن أستوعب الأمر، وصلتني صورة.

كانت صورة لمحاميتي وهي تجلس مع محمود الشاذلي.

وتحتها رسالة واحدة:

«غدًا ستعرفين لماذا كان والدك يخاف منا جميعًا.»

وعندها أدركت أن المواجهة الأخيرة لن تكون مع كريم أو نوال أو عماد.

بل مع الشخص الذي كان يقف خلفهم جميعًا منذ البداية.
أكيد، نكمل بالجزء الأخير ونكشف الحقيقة كاملة ونقفل كل الخيوط.

الجزء الأخير

لم أنم تلك الليلة.

ظللت أحدق في الصورة التي أرسلها محمود الشاذلي.

محاميتي تجلس أمامه.

وبينهما ملف أزرق.

نفس الملف الذي بحثت عنه أسابيع.

لكن شيئًا واحدًا لم أفهمه…

إذا كانت محاميتي متورطة، فلماذا كانت هي التي كشفت تزوير المستندات؟

ولماذا ساعدتني في إثبات ملكيتي للبيت؟

في الصباح، اتصلت بها.

قلت بهدوء:

— محتاجة أشوفك فورًا.

صمتت للحظة.

ثم قالت:

— تعالي المكتب.

ذهبت إليها، لكنني لم أذهب وحدي.

كان معي تسجيل كامل للمكالمة، ونسخة من كل المستندات، وأهم شيء…

لم أخبرها أنني عرفت بأمر الصورة.

دخلت مكتبها.

نظرت إليّ طويلًا، ثم أغلقت الباب.

قلت:

— محمود بعتلي صورة ليكي معاه.

لم تتفاجأ.

بل جلست وقالت:

— كنت مستنية اليوم ده.

شعرت بقلبي يهبط.

— يعني الصورة حقيقية؟

قالت:

— حقيقية.

ثم فتحت درج مكتبها وأخرجت الملف الأزرق.

— لكن محمود هو اللي عايزك تصدقي إني خنتك.

حدقت فيها.

— وإنتِ مش خنتيني؟

هزت رأسها.

— لا. أنا كنت أشتغل ضده.

ثم وضعت أمامي ورقة قديمة.

كانت تحمل توقيع والدي.

قالت:

— والدك جاء لي قبل وفاته بفترة قصيرة. كان يعرف أن فؤاد ونوال وعماد يحاولون الوصول إلى البيت، لكنه اكتشف شيئًا أخطر.

سألت:

— إيه؟

أشارت إلى الورقة.

— محمود.

شعرت بالصدمة.

— محمود كان شريكًا سريًا لفؤاد، لكنه كان يظهر أمام والدك كموظف مخلص.

ثم قالت:

— والدك اكتشف أنه هو الذي كان يسرّب كل المعلومات عن العقار.

فهمت الآن.

كلما ظننت أنني اقتربت من الحقيقة، كان محمود يدفعني في اتجاه آخر.

حتى رسالة التحذير التي أرسلها لي كانت جزءًا من خطته.

قالت المحامية:

— الصورة اللي بعتها لك مقصودة. هو عايزك تشكي فيّ عشان تبتعدي عني.

ثم أخرجت هاتفها.

— لكن عندي شيء أهم.

شغلت تسجيلًا.

ظهر محمود في اجتماع قديم مع فؤاد وعماد.

كان يقول:

— لو فشلت قصة الدين، نستخدم الاتهام المالي. ولو فشل الاتهام، نخليها تتنازل بنفسها.

ثم ظهر صوت نوال:

— وكريم؟

رد محمود:

— كريم مجرد وسيلة. لو أحبها فعلًا، نضغط عليه. ولو رفض، نفضحه.

أغلقت المحامية التسجيل.

قلت:

— يعني محمود كان هو اللي بيحركهم؟

قالت:

— محمود كان أحد العقول المدبرة، لكن ليس وحده.

نظرت إليها.

— مين معاه؟

صمتت.

ثم قالت:

— اسمعي التسجيل للآخر.

عاد الصوت.

وكان هناك شخص جديد يدخل الغرفة.

لم يظهر وجهه.

لكن صوته كان واضحًا.

صوت امرأة.

قالت:

— كفاية أخطاء. ندى بدأت تعرف أكثر مما ينبغي.

توقفت.

عرفت الصوت.

لم أحتج إلى اسم.

كانت نوال.

لكن هذه المرة فهمت شيئًا مختلفًا.

نوال لم تكن مجرد أم شريرة تحاول الاستيلاء على بيت زوجة ابنها.

كانت شريكة منذ سنوات.

والأخطر…

أنها لم تكن تريد البيت لنفسها.

كانت تريد شيئًا تحت البيت.

—

في نفس اليوم، تحركت الشرطة بناءً على الأدلة التي جمعتها المحامية.

تم القبض على عماد وحسام، وبعد مواجهتهما بالأدلة اعترف حسام بكل شيء.

ثم تم ضبط مستندات مزورة وحسابات مالية مرتبطة بفؤاد.

أما محمود، فقد حاول الهرب.

لكنه لم يستطع.

تم توقيفه قبل أن يغادر البلاد.

أما كريم…

فكان آخر شخص تحدثت معه.

جاء إلى البيت.

وقف أمام الباب دون أن يقترب.

قلت:

— ليه عملت فيا كده؟

خفض رأسه.

— أنا غلطت.

— دي مش إجابة.

— في البداية اتجوزتك عشان الخطة.

سكت.

ثم قال:

— لكن بعد الجواز كل حاجة اتغيرت.

ضحكت بمرارة.

— لو كنت بتحبني فعلًا، كنت حميتني.

قال:

— حاولت.

— لا. إنت خفت.

لم يستطع الرد.

قلت:

— وأنا مش هعيش باقي عمري أدفع ثمن خوفك.

غادر كريم.

ولم أطلب منه أن يعود.

—

بعد أيام، فتحت المحامية الملف الأخير.

اكتشفنا أن الأرض الموجودة أسفل البيت كانت جزءًا من مشروع قديم أوقفه والدي قبل أكثر من عشرين عامًا.

وكان هناك اتفاق قانوني يمنحني وحدي حق التصرف في العقار والمشروع المرتبط به.

فؤاد حاول استعادة الأرض بالطرق غير القانونية.

ومحمود تولى تسريب المعلومات.

ونوال أقنعت كريم بالزواج مني.

وعماد وحسام نفذا الجزء المالي.

أما الخطة الأخيرة فكانت أن يتم اتهامي بجريمة مالية، حتى أتنازل عن البيت وأنا خائفة من السجن.

لكنهم أخطأوا في شيء واحد.

ظنوا أنني عندما أكتشف الخيانة سأتصرف بعصبية.

لم يعرفوا أنني تعلمت من أول لحظة رأيت فيها تلك الكاميرا…

أن الهدوء أحيانًا أقوى من المواجهة.

—

بعد ستة أشهر، انتهت القضية.

ثبتت ملكيتي للبيت بالكامل.

وتمت مصادرة الأموال المرتبطة بعمليات التزوير والاحتيال.

أما البيت…

فلم أعد أراه مجرد عقار.

كان المكان الذي ترك فيه والدي وأمي آخر رسالة لي.

احتفظت بالملف الأزرق.

واحتفظت بالمسجل.

أما الكاميرا الصغيرة التي بدأت منها الحكاية…

فوضعتها في صندوق زجاجي صغير.

ليس لأنها تذكرني بالخوف.

بل لأنها تذكرني باللحظة التي قررت فيها ألا أكون الضحية.

وفي مساء هادئ، جلست وحدي في شرفة المنزل.

نظرت إلى البحر.

وتذكرت الجملة التي قالها كريم ذات يوم:

«أهم حاجة ندى ما تعرفش.»

ابتسمت.

لأنه في النهاية…

عرفت.

وعندما عرفت، لم أخسر بيتي.

ولم أخسر نفسي.

بل اكتشفت أن أخطر الناس ليسوا دائمًا من يصرخون في وجهك.

أحيانًا يكون أخطرهم هو الشخص الذي يبتسم لك كل صباح…

ويقول لك:

«أنا بعمل كل ده عشان مصلحتك.»

ثم أدركت شيئًا أخيرًا.

البيت لم يكن الشيء الذي حاولوا سرقته مني.

أنا كنت الشيء الذي حاولوا السيطرة عليه.

لكنهم فشلوا.

لأنني في اليوم الذي اكتشفت فيه الكاميرا…

توقفت عن الخوف.

ومنذ تلك اللحظة، بدأت أنا أراقبهم.

حتى سقطوا جميعًا.

النهاية.
حكايات محمد عبده

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى