
كان وجهه قد تغير.
—أحمد… الموضوع أكبر مما تتخيل.
—اتكلم.
أخذ نفسًا عميقًا.
—المرأة اللي في الصورة اسمها هدى.
—ومين هدى؟
نظر إليّ مباشرة.
—كانت تعمل في المستشفى اللي اتولدت فيه.
تجمدت.
—مستشفى إيه؟
ذكر اسم المستشفى.
كان مستشفى في القاهرة.
المكان الذي ولدت فيه بالفعل.
ثم قال:
—وفي نفس الليلة اللي اتولدت فيها، حصلت واقعة اختفاء طفل من المستشفى.
لم أستطع الكلام.
—الطفل ده كان مين؟
فتح محمود ملفًا قديمًا على هاتفه.
ثم قال:
—كان مولودًا ذكرًا.
صمت قليلًا.
ثم أضاف:
—واسم الأم المسجل في الأوراق كان… فاطمة منصور.
اسم أمي.
شعرت أن الأرض تحركت من تحتي.
—يعني إيه؟
قال محمود:
—يعني حسب السجلات، أمك كانت موجودة في المستشفى في نفس الليلة.
—أنا عارف إنها أمي.
—مش دي المشكلة.
ثم وضع أمامي صورة من ملف قديم.
كانت صورة لطفل رضيع.
وعلى معصمه سوار المستشفى.
قرأت الاسم المكتوب عليه.
أحمد منصور.
رفعت عيني إليه.
—ده أنا.
قال محمود:
—أيوه.
ثم أضاف:
—لكن فيه حاجة تانية.
—إيه؟
—الملف الأصلي بيقول إن الطفل اتسلّم لشخص آخر بعد ساعات من الولادة.
شعرت بأنفاسي تضيق.
—مين الشخص؟
تردد محمود.
ثم قال:
—اسم الشخص مش موجود.
كانت هناك صفحة ناقصة من الملف.
صفحة واحدة فقط.
الصفحة التي تحتوي على اسم الشخص الذي تسلمني.
وعندما عدت إلى المنزل، وجدت سلمى جالسة في الظلام.
لم تقل شيئًا.
فقط كانت تنظر إليّ.
ثم قالت جملة واحدة:
—إنت فتحت الصندوق، صح؟
توقفت في مكاني.
لم أسألها كيف عرفت.
فهي كانت تعرف.
منذ البداية.
اقتربت مني ببطء وقالت:
—كنت أتمنى إنك ما تعرفش.
قلت:
—أمي فين؟
قالت:
—أمك عارفة الحقيقة كلها.
—والخمسة رجالة اللي كانوا هنا؟
انخفض صوتها.
—مش جايين عشان الفلوس يا أحمد.
—أمال جايين ليه؟
نظرت إليّ طويلًا.
ثم قالت:
—جايين عشان الشخص اللي أنت طول عمرك فاكره أبوك… ما كانش أبوك الحقيقي.
شعرت وكأن العالم كله توقف.
لكن قبل أن أتمكن من طرح أي سؤال، جاء صوت طرق قوي من المخزن.
مرة.
ثم مرة ثانية.
ثم صوت أمي من الداخل.
لكن هذه المرة لم تكن تبكي.
كانت تصرخ:
—أحمد! ما تثقش في سلمى! هي مش اللي عملت كل ده!
نظرت إلى سلمى.
فوجدتها تبكي.
ولأول مرة منذ عودتي إلى المنزل، فهمت أن القصة التي كنت أظنها واضحة… كانت مجرد بداية.
لأن أمي كانت تعرف شيئًا عن ولادتي.
وسلمى كانت تعرف شيئًا عن أمي.
أما الرجال الخمسة…
فكانوا يبحثون عن شخص آخر تمامًا.
شخص كنت أعيش معه تحت سقف واحد طوال سنوات دون أن أعرف حقيقته.
الجزء الثالث — الحقيقة التي أخفتها أمي
ظللت واقفًا أمام سلمى وأنا لا أعرف ماذا أصدق.
كانت الدموع تنزل من عينيها، لكنها لم تحاول الاقتراب مني.
قلت بصوت منخفض:
—لو إنتِ مش اللي عملتِ كل ده… مين اللي عمله؟
هزت رأسها.
—قبل ما أقولك، لازم تطلع أمك من المخزن.
اندفعت نحو الباب.
نزعت القفل وفتحته.
وجدت أمي على الأرض، ويداها مقيدتان.
أسرعت بفك الحبال وإزالة القماش من فمها.
احتضنتها.
—أمي… مين عمل فيكي كده؟
كانت ترتجف.
نظرت إلى سلمى، ثم إليّ.
وقالت:
—أنا اللي طلبت منها تعمل كده.
ابتعدت عنها مصدومًا.
—إيه؟
قالت أمي:
—اسمعني يا أحمد قبل ما تحكم على حد.
جلست بجوارها.
بدأت تحكي.
في الليلة التي ولدت فيها، لم يكن كل شيء طبيعيًا كما أخبرتني طوال حياتي.
كان والدي يعمل وقتها في تجارة كبيرة، وكانت العائلة تمر بأزمة مالية.
لكن المشكلة لم تكن في المال فقط.
كان هناك رجل اسمه كمال الراوي.
رجل ثري وذو نفوذ، وكانت بينه وبين والدي معاملات قديمة.
في تلك الفترة، حدث خلاف كبير بينهما.
ثم اختفى كمال فجأة.
بعدها بأيام، اكتشفت أمي أنها كانت حاملًا بي.
لكنها أخبرتني أن والدي هو أبي الحقيقي.
رفعت عيني إليها.
—يعني بابا مش أبويا؟
أغمضت عينيها.
—للأسف… لا.
شعرت بأن الكلمات اختنقت في حلقي.
—مين أبويا؟
لم تجب.
قلت بعصبية:
—أمي، أنا لازم أعرف!
أخرجت من جيبها ورقة قديمة.
كانت نتيجة تحليل نسب.
وفي أسفلها اسم واحد.
كمال الراوي.
حدقت في الورقة.
—كمال… هو أبويا؟
أومأت.
—أيوه.
ساد صمت طويل.
ثم سألت:
—طيب ليه ما قولتيليش؟
قالت:
—لأن كمال مات بعد ولادتك بأيام.
—ومين قتله؟
نظرت إلى الأرض.
—والدك.
تراجعت خطوة.
—أبويا قتل أبويا الحقيقي؟
—كان يعتقد إن كمال سرق منه كل شيء… وكان بينهم حساب قديم.
ثم بدأت أمي في البكاء.
—بعد وفاة كمال، خفت عليك. كان عنده أعداء كثيرون، ولو عرفوا إنك ابنه الوحيد، كانوا ممكن يستخدموك للوصول إلى أمواله.
قلت:
—أمواله؟
أخرجت ورقة أخرى.
—كان كمال يمتلك ثروة ضخمة.
ثم قالت:
—لكن قبل وفاته، وضع جزءًا كبيرًا منها باسم ابنه.
نظرت إليها.
—يعني باسمي؟
—أيوه.
فجأة فهمت سبب وجود الرجال الخمسة.
لم يكونوا يبحثون عن أمي.
كانوا يبحثون عني.
لكن ظل سؤال واحد بلا إجابة.
—وسلمى؟
نظرت إليها أمي.
ثم قالت:
—سلمى عرفت الحقيقة قبل زواجكما.
التفت إليها.
—إنتِ كنتِ عارفة؟
قالت سلمى:
—عرفت بعد الزواج بفترة قصيرة.
—إزاي؟
—كنت أبحث في أوراق قديمة تخص والدك… ووجدت مستندات عن كمال.
قلت:
—وليه ما قلتيليش؟
سكتت.
ثم قالت:
—لأنني خفت.
—من مين؟
نظرت نحو الباب.
—من نفس الأشخاص الذين رأيتهم اليوم.
ثم أخبرتني أن الرجال الخمسة لم يكونوا أصدقاء لها.
كانوا يعملون لصالح شخص واحد.
شقيق كمال الراوي.
كان يعتقد أنني ورثت أموالًا لا أستحقها.
وكان يريد الوصول إليّ بأي طريقة.
قلت:
—لكن إنتِ ربطتي أمي!
قالت سلمى:
—أمك هي اللي طلبت مني.
نظرت إلى أمي.
قالت:
—كنت أعرف أنهم يراقبون المنزل. لو تركوني أتحرك بحرية، كانوا سيصلون إليك.
ثم شرحت لي خطتها.
كانت تتظاهر بأنها تسيطر على أمي وتخيف الأطفال، حتى يعتقد الرجال أن الأسرة كلها تحت سيطرتها.
أما في الحقيقة، فقد كانت تحاول إخفاء أمي عنهم.
لكن شيئًا لم أفهمه.
—طيب ليه خوفتوا الأطفال وقالتوا لهم إني ممكن أخسر شغلي؟
خفضت سلمى رأسها.
—لأننا كنا نعرف إنهم بيراقبوا البيت.
قالت:
—ولو الأطفال اتصلوا بك، كان الرجال هيعرفوا إنك رجعت.
نظرت إلى أمي.
فقالت:
—كان لازم نتصرف وكأننا خايفين منك ومن الشرطة، عشان الأطفال ما يقولوش الحقيقة قدام أي شخص.
جلست وأنا أحاول استيعاب كل شيء.
لكنني تذكرت شيئًا.
الصورة.
الطفل.
والرسالة.
قلت لأمي:
—في الرسالة كتبتي: “قبل أن يأخذوه”.
سكتت.
ثم قالت:
—لأنهم حاولوا يأخذوك فعلًا.
—مين؟
لم تجب.
كانت تبكي.
قلت:
—أمي… مين حاول يأخذني؟
رفعت رأسها ببطء.
ثم قالت:
—والدك.
تجمدت.
—بابا حاول ياخدني؟
—بعد وفاة كمال، عرف والدك أنك ابنه. حاول إخفاء الحقيقة، وكان يريد أن يتصرف في الأموال التي تركها كمال لك.
ثم قالت:
—وفي الليلة التي خرجت فيها من المستشفى، لم أكن أعرف إن كنت سأراك مرة أخرى.
نظرت إلى سلمى.
—وعشان كده سلمى ساعدتني؟
قالت أمي:
—سلمى كانت الوحيدة التي عرفت كل شيء بعد زواجك.
لكن قبل أن أتمكن من طرح المزيد من الأسئلة، انطفأت أنوار المنزل.
ثم سمعنا صوت سيارة تتوقف أمام البوابة.
بعدها مباشرة…
جاء طرق قوي على الباب.
مرة.
مرتين.
ثلاث مرات.
نظرنا جميعًا إلى بعضنا.
ثم جاء صوت رجل من الخارج:
—أحمد منصور… إحنا عارفين إنك جوه.
اقتربت من النافذة بحذر.
كان هناك خمسة رجال.
نفس الرجال الذين رأيتهم في المنزل عندما عدت.
لكن هذه المرة كان معهم رجل سادس.
رجل مسن.
وعندما رأيته، شعرت بأن قلبي توقف.
لأنني كنت أعرف وجهه.
لقد رأيته من قبل…
في إحدى الصور القديمة الموجودة داخل صندوق أمي.
التفت إلى أمي.
فوجدتها شاحبة تمامًا.
قالت بصوت مرتجف:
—ده مش أخو كمال.
ثم أمسكت بيدي.
—ده الشخص اللي سلّمته إياك يوم ولادتك.
نظرت إلى الرجل من خلف النافذة.
وفجأة فهمت أن الحقيقة التي أخفتها أمي طوال سبع وأربعين سنة لم تكن تتعلق بمن هو أبي فقط…
بل بمن كنت أعيش معه طوال حياتي.
الجزء الرابع — الرجل الذي حملني يوم ولادتي
لم أستطع تحريك عيني عن الرجل الواقف خلف البوابة.
كان أكبر سنًا مما ظهر في الصورة، وشعره أصبح أبيض، لكن ملامحه لم تتغير.
قلت لأمي:
—إنتِ متأكدة؟
هزت رأسها.
—عمري ما أنسى وشه يا أحمد.
سألتها:
—مين هو؟
أجابت بصوت خافت:
—اسمه حسن الشامي.
ثم أضافت:
—كان يعمل في المستشفى يوم ولادتك.
تذكرت الورقة.
تذكرت الصفحة المفقودة من الملف.
وتذكرت الجملة المكتوبة خلف الصورة:
“أحمد… قبل أن يأخذوه.”
فجأة فهمت شيئًا.
حسن لم يكن الشخص الذي أخذني من المستشفى.
كان الشخص الذي أنقذني.
قلت:
—إنتِ كنتِ تعرفيه من زمان؟
أجابت:
—أيوه.
—وإزاي وصل لنا دلوقتي؟
قبل أن تجيب، سمعنا صوت زجاج يتحطم في الجهة الخلفية للمنزل.
صرخت سلمى:
—دخلوا!
أمسكت يد أمي، وطلبت من الأطفال الاختباء في الغرفة.
ثم تحركت بسرعة نحو الباب الخلفي.
لكن قبل أن أصل إليه، ظهر أحد الرجال أمامي.
تراجع خطوة عندما رآني.
كان يحمل سلاحًا، لكنه لم يرفعه نحوي.
قال:
—إحنا مش جايين نأذيك.
قلت:
—إذن لماذا دخلتم بيتي؟
أجاب:
—عشان نوصلك للحقيقة قبل ما يفوت الأوان.
قلت بغضب:
—الحقيقة اللي رعبتوا أمي وأولادي عشان تخفوها؟
هز رأسه.
—أمك طلبت مننا نراقب المكان.
نظرت إلى أمي.
قالت:
—أحمد، اسمعه.
دخل الرجل إلى الغرفة وأخرج هاتفه.
شغّل تسجيلًا قديمًا.
ظهر فيه رجل مسن أعرفه جيدًا.
كان والدي.
تحدث في التسجيل قبل سنوات:
—لو حصل لي أي حاجة، الولد لازم يفضل بعيد عن عيلة كمال.
ثم ظهر صوت امرأة.
لم أتعرف عليها.
قالت:
—لكن أحمد هو الوريث الشرعي.
أجاب والدي:
—عشان كده لازم ما يعرفش.
انتهى التسجيل.
جلست على الكرسي.
كنت أشعر بأن حياتي كلها يعاد ترتيبها أمام عيني.
قلت:
—فين أبويا الحقيقي؟
قال الرجل:
—مات من زمان.
—إذن لماذا ما زلتم تلاحقونني؟
قال:
—لأن هناك شيئًا تركه لك.
سألته:
—فلوس؟
ابتسم بحزن.
—لا.
ثم أخرج ظرفًا بنيًا.
—رسالة.
فتحته.
كانت مكتوبة بخط كمال.
بدأت أقرأ:
«”إلى ابني أحمد… إذا وصلت إليك هذه الرسالة، فهذا يعني أنني لم أستطع حمايتك.”»
توقفت.
ثم تابعت:
«”لن أترك لك المال فقط. سأترك لك الحقيقة.”»
كانت هناك خريطة صغيرة داخل الظرف.
وفي أسفلها عنوان منزل قديم في القاهرة.
قال الرجل:
—أبوك أخفى هناك كل المستندات.
نظرت إلى سلمى.
—إنتِ كنتِ عارفة عن البيت ده؟
هزت رأسها.
—لا.
لكن أمي قالت:
—أنا كنت عارفة.
التفت إليها.
—وليه ما قولتيليش؟
قالت:
—لأن المكان ده هو السبب في كل اللي حصل.
ثم أخبرتني أن كمال قبل وفاته لم يخفِ أمواله فقط.
كان قد جمع أدلة على أشخاص متورطين في عمليات فساد واختلاسات قديمة.
وكانت تلك الأدلة قادرة على تدمير أشخاص نافذين.
لهذا السبب، لم يكن المال هو الهدف الحقيقي.
كانوا يريدون الأدلة.
قلت:
—لكن لو الأدلة عند كمال، ليه ما أخدوهاش؟
قالت:
—لأن كمال خبأها في مكان لا يعرفه أحد.
سألت:
—فين؟
نظرت إليّ.
—في بيت والدك القديم.
في صباح اليوم التالي توجهت إلى القاهرة.
ذهب معي محمود، وسلمى وأمي بقيا مع الأطفال في مكان آمن.
وصلنا إلى المنزل القديم.
كان مهجورًا منذ سنوات.
دخلنا بصعوبة.
وجدنا الغبار يغطي كل شيء.
فتحت الخريطة.
كانت تشير إلى غرفة صغيرة في نهاية الممر.
بدأنا نبحث.
بعد دقائق، وجد محمود تجويفًا خلف الحائط.
أخرجنا صندوقًا خشبيًا.
فتحناه.
كان بداخله عدد كبير من الملفات.
صور.
تحويلات مالية.
عقود.
وأسماء.
ثم وجدت ملفًا يحمل اسمي.
فتحته.
وكانت الصدمة.
لم يكن هناك أي سجل يقول إن والدي هو أبي.
بل كانت هناك وثيقة تثبت أن كمال هو والدي البيولوجي.
لكنني وجدت شيئًا آخر.
ورقة مؤرخة قبل زواجي من سلمى بعام.
قرأت اسم الشخص الذي وقع عليها.
والدي.
وكان مكتوبًا فيها:
“إذا اقترب أحمد من الحقيقة، استخدموا سلمى.”
توقفت.
شعرت بصدمة جديدة.
رفعت الورقة أمام محمود.
قلت:
—يعني أبويا كان مخطط يستخدم سلمى ضدي؟
لكن محمود لم يجب.
كان ينظر إلى الصفحة الأخيرة من الملف.
ثم قال:
—أحمد… اقرأ دي.
كانت رسالة قصيرة جدًا.
لكنها كانت أخطر شيء وجدناه.
«”سلمى ليست عميلة لي.”»
«”لقد طلبت منها حماية أحمد.”»
«”إذا حدث لي شيء، ثق بها.”»
توقفت عن التنفس للحظات.
كل الشكوك التي حملتها تجاه زوجتي بدأت تنهار.
لكن في أسفل الرسالة كان هناك سطر أخير.
سطر جعل الدم يتجمد في عروقي:
«”أما الشخص الذي يجب أن تخاف منه فعلًا… فهو الشخص الذي ربّى أحمد طوال حياته.”»
رفعت رأسي ببطء.
قلت:
—والدي؟
قال محمود:
—لا.
ثم أشار إلى صورة كانت داخل الملف.
كانت صورة قديمة جدًا.
وفيها أمي تحملني وأنا رضيع.
وبجانبها رجل يقف مبتسمًا.
الرجل الذي ظننته طوال حياتي مجرد صديق قديم لوالدي.
حسن الشامي.
لكن خلف الصورة كانت هناك جملة مكتوبة بخط كمال:
“هو يعرف أين اختفى ابني الآخر.”
نظرت إلى محمود.
—ابني الآخر؟
قبل أن أستوعب الكلمة، رن هاتفي.
كان رقمًا مجهولًا.
أجبت.
لم يتحدث أحد في البداية.
ثم جاء صوت رجل أعرفه.
صوت لم أسمعه منذ أكثر من عشرين عامًا.
قال:
—أحمد… أنا أخوك.
وسقط الهاتف من يدي.
لأنني طوال حياتي كنت أعتقد أنني الابن الوحيد.
لكن يبدو أن أكبر سر في عائلتي لم يكن هوية والدي الحقيقي…
بل وجود شخص آخر يحمل نفس دمي، وكان يختفي عني طوال هذه السنوات.
الجزء الخامس — الأخ الذي لم أعرف بوجوده
ظل الهاتف على الأرض لثوانٍ، بينما كنت أحدق فيه وكأن الصوت الذي سمعته خرج من حلم.
أخي؟
كيف يمكن أن يكون لي أخ وأنا عشت سبعة وأربعين عامًا دون أن أعرف شيئًا عنه؟
انحنى محمود والتقط الهاتف.
—الخط لسه مفتوح.
أخذته منه وقلت:
—مين إنت؟
جاء الصوت من الطرف الآخر:
—اسمي رامي… وأنا ابن كمال الراوي.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
—يعني أنت أخويا؟
—أيوه.
—فين أنت؟
صمت قليلًا.
ثم قال:
—في مكان مش هقدر أقولك عليه دلوقتي.
—وليه؟
—لأنهم بيدوروا عليّ من سنين.
سألته:
—مين؟
قال:
—نفس الناس اللي كانوا عند بيتك.
ثم أضاف:
—لكنهم مش أخطر ناس.
شعرت بأن شيئًا سيئًا سيحدث.
—أمال مين الأخطر؟
قال:
—الرجل اللي ربّاك.
ثم انقطع الاتصال.
نظرت إلى محمود.
—لازم نرجع فورًا.
عدنا إلى الإسكندرية بأقصى سرعة ممكنة.
طوال الطريق لم أتحدث.
كنت أحاول أن أرتب الأحداث.
أمي أخفت عني هوية والدي.
والدي الذي رباني لم يكن أبي الحقيقي.
لدي أخ لم أعرف بوجوده.
وسلمى كانت تعرف جزءًا من الحقيقة وتحاول حمايتي.
أما الرجال الخمسة، فكانوا يبحثون عن ملفات قديمة.
لكن شيئًا واحدًا ظل غير منطقي.
إذا كان رامي هو ابن كمال، فلماذا أخفوه؟
عندما وصلنا إلى المكان الآمن، وجدت أمي جالسة بجوار سلمى.
بمجرد أن رأت وجهي، عرفت أنني اكتشفت شيئًا جديدًا.
قلت:
—عندي أخ.
أغلقت أمي عينيها.
لم تنكر.
—كنت عارفة؟
هزت رأسها.
—أيوه.
—من إمتى؟
قالت:
—من يوم ولادتك.
جلست أمامها.
—احكيلي كل حاجة.
تنهدت أمي طويلًا.
ثم قالت:
—كمال كان متزوجًا قبل ما يعرفني.
—يعني؟
—كان عنده ابن اسمه رامي.
ثم شرحت أن كمال اكتشف بعد ذلك أن هناك أشخاصًا يحاولون السيطرة على أمواله وأعماله.
كان يخشى أن يستخدموا ابنه كوسيلة ضغط عليه.
ولهذا أخفى رامي.
وعندما وُلدت أنا، قرر كمال أن يضع خطة لحماية الطفلين.
لكن الخطة فشلت.
بعد وفاته، اختفى رامي.
أما أنا، فقد بقيت مع أمي.
قلت:
—ومين كان يعرف مكانه؟
نظرت أمي إلى سلمى.
قالت:
—حسن الشامي.
تذكرت الرجل الذي ظهر أمام المنزل.
—يعني حسن كان بيحمي رامي؟
—أيوه.
ثم أضافت:
—وكان يحميك أنت كمان.
بدأت الصورة تتضح.
لكنني لم أفهم سبب ظهور حسن الآن.
في تلك اللحظة، دخل حسن إلى المكان.
نظر إليّ طويلًا.
ثم قال:
—أبوك الحقيقي ترك لكما وصية.
قلت:
—ليه ما قلتليش من زمان؟
قال:
—لأنك لو عرفت الحقيقة، كانوا هيقتلوك.
ثم وضع ملفًا على الطاولة.
—دلوقتي بقى الوقت مناسب.
فتحت الملف.
وجدت بداخله وثيقة قانونية.
كانت تثبت أن كمال ترك معظم ثروته لطفليه، لكن بشرط واحد.
أن يتعاونا معًا لكشف الحقيقة المتعلقة بوفاته.
قلت:
—يعني إحنا لازم نلاقي رامي؟
ابتسم حسن.
—رامي هو اللي لازم يلاقيك.
وفي نفس اللحظة رن هاتف حسن.
استمع لثوانٍ.
ثم تغير وجهه.
—رامي اتكشف مكانه.
سألت:
—فين؟
قال:
—في القاهرة.
لم أنتظر.
قلت:
—هنروح له.
حاولت أمي منعي.
—أحمد، ده خطر!
أجبت:
—أنا عشت عمري كله وأنا ما أعرفش الحقيقة. مش ههرب منها دلوقتي.
تحركنا إلى القاهرة.
وبعد ساعات من البحث، وصلنا إلى عنوان قديم.
كان منزلًا صغيرًا في أحد الأحياء الهادئة.
طرقت الباب.
لم يجب أحد.
طرقت مرة ثانية.
ثم سمعنا صوتًا من الداخل:
—مين؟
قلت:
—أحمد.
ساد صمت طويل.
ثم فُتح الباب.
ظهر أمامي رجل في منتصف الأربعينيات.
كان يشبهني بشكل مخيف.
نفس العينين.
نفس شكل الأنف.
حتى طريقة وقوفه كانت تشبهني.
نظر إليّ ولم يتكلم.
ثم قال:
—كنت مستني اليوم ده من سنين.
قلت:
—وأنا ما كنتش أعرف إن عندي أخ أصلًا.
ابتسم بحزن.
—وأنا ما كنتش أعرف إن عندي أخ اسمه أحمد.
دخلنا.
جلسنا متقابلين.
أخرج رامي صندوقًا صغيرًا.
وضعه أمامي.
—أبوك الحقيقي ترك ده لي.
فتحته.
كان بداخله مفتاح قديم وورقة.
قرأت الورقة.
«”المفتاح يفتح المكان الذي أخفيت فيه الدليل الأخير.”»
سألته:
—أي مكان؟
أجاب:
—مخزن قديم تابع لعائلة كمال.
قلت:
—وهل فيه الحقيقة؟
قال:
—فيه شيء أخطر.
ثم نظر إليّ مباشرة.
—فيه تسجيل يثبت مين قتل كمال.
قبل أن أطرح أي سؤال، سمعنا صوت سيارة تتوقف أمام المنزل.
اقترب رامي من النافذة.
ثم تراجع بسرعة.




