
— لا تستمع إليه. إنه يحاول تشتيت انتباهك.
لكن كريم قاطعه:
— اسأله عن الماضي.
نظر آدم إلى عمه.
— ماذا يقصد؟
لم يجب فؤاد.
وهنا شعر آدم أن هناك أسرارًا كبرى تُخفى عنه.
قال كريم:
— الأمور كانت واضحة منذ البداية، لكنهم حاولوا إخفاء الأدلة.
قال آدم:
— ولماذا خفيت الحقيقة طوال هذه السنوات؟
رد كريم:
— لأن هناك من أراد السيطرة على كل شيء.
اقترب آدم من الشاشة.
— ماذا تعني؟
— فؤاد لم يكن يعمل وحده.
التفت آدم نحو عمه.
— من كان معك؟
ابتسم فؤاد ابتسامة باردة.
— اسأل أخاك.
قال كريم:
— الشخص المسؤول موجود في العائلة منذ البداية.
وفجأة انطفأت شاشة الهاتف.
حاول آدم الاتصال مجددًا، لكن الخطوط قطعت.
صرخ:
— كريم!
لم يأته رد.
استغل فؤاد اللحظة وأشار للحراس.
— انتهى الوقت.
لكن إيلينا تحركت بسرعة، وأغلقت باب الممر الحديدي الفاصل بينهم.
قالت:
— آدم، اهرب!
ركض آدم معها باتجاه نهاية الممر.
وبعد لحظات، سمعا صوت ارتطام قوي خلفهما.
كان الحراس يحاولون فتح الباب.
وصلا إلى المرآب.
فتح آدم باب سيارته، لكنه توقف فجأة.
— انتظري.
— ماذا؟
— يوسف.
نظر إليها.
— إذا كان كريم في أيديهم، فالطفل أيضًا في خطر.
أخرج آدم هاتفه واتصل برجل الأمن الذي كان قد كلفه بحماية سلمى.
— خذ سلمى واذهب فورًا إلى المكان الذي يوجد فيه يوسف. لا تستخدم الطريق الرئيسي.
ثم أعطاه العنوان الذي كانت سلمى قد ذكرته سابقًا.
— وإذا وجدت أي شخص يراقب المنزل، لا تقترب منه. اتصل بالشرطة.
بعد أن أغلق الهاتف، نظر إلى إيلينا.
— والآن أخبريني كل شيء.
أطرقت رأسها.
— كنت أعرف أن كريم حي منذ ثلاث سنوات.
تجمد آدم.
— ثلاث سنوات؟
— نعم.
— ولماذا أخفيتِ ذلك؟
بدأت الدموع تنزل من عينيها.
— لأنني كنت خائفة.
— ممن؟
— من فؤاد.
صمت آدم.
تابعت:
— في البداية كنت أعمل معه. كنت أساعده في الوصول إلى معلومات الشركة. كنت أعتقد أن الأمر مجرد فساد مالي.
— ثم اكتشفت الحقيقة؟
— نعم.
— وماذا اكتشفتِ؟
قالت:
— اكتشفت أن فؤاد كان يستخدم أموال الشركة لتمويل شبكة من الشركات الوهمية. وعندما حاول كريم كشف الأمر، قاموا بتدبير الحادث.
— لكنه نجا.
— نعم.
— وأنت ساعدته؟
هزت رأسها.
— ساعدته في البداية. ثم أصبحت الأمور أكبر مني.
نظر إليها آدم بغضب.
— إذًا لماذا هاجمتِ سلمى؟
قالت بسرعة:
— لم أهاجمها.
— وجدتك تجرينها فوق الزجاج!
— لأنها كانت فاقدة الوعي عندما وجدتها!
توقف آدم.
— ماذا؟
قالت:
— وصلت إلى الممر ووجدت سلمى مصابة. كانت تحاول الوصول إلى الهاتف. وعندما اقتربت منها، سمعت صوت رجال فؤاد. حاولت سحبها إلى مكان آمن.
حدق آدم فيها.
— لكنك قلت إنها هاجمتك.
خفضت عينيها.
— كذبت.
— لماذا؟
— لأنني كنت أعرف أن القصر مراقب. إذا عرف فؤاد أنني أحاول مساعدتها، فسوف يقتلها.
صمت آدم.
لأول مرة بدأ يشك في الصورة التي رسمها لعلاقته بإيلينا.
وفجأة رن هاتفه.
كان رجل الأمن.
قال بصوت مذعور:
— سيدي، وصلنا إلى منزل الجارة.
— وأين يوسف؟
صمت الرجل.
— الطفل غير موجود.
شعر آدم بأن قلبه سقط في صدره.
— ماذا تعني؟
— المنزل فارغ.
ثم قال:
— لكننا وجدنا شيئًا.
— ماذا؟
— صورة قديمة لكريم وسلمى ويوسف.
قلب آدم انقبض.
ثم جاء صوت آخر من الهاتف.
صوت رجل لم يتوقع سماعه أبدًا.
— آدم…
اتسعت عيناه.
كان صوت كريم.
— أخي، لا تبحث عن يوسف.
— لماذا؟
— لأن يوسف ليس مع فؤاد.
— أين هو إذًا؟
صمت كريم لحظات.
ثم قال:
— إنه مع شخص تثق به.
— من؟
وقبل أن يجيب، انقطع الاتصال.
وفي اللحظة نفسها، وصلت إلى هاتف آدم رسالة جديدة.
كانت عبارة عن صورة.
في الصورة كان يوسف يجلس على أريكة، وبجواره رجل مسن.
عرف آدم الرجل فورًا.
كان الطبيب العائلي الذي عالج والدته قبل وفاتها.
وتحت الصورة كانت هناك جملة واحدة:
“إذا أردت معرفة من يكون والد كريم الحقيقي… تعال وحدك.”
نظر آدم إلى إيلينا.
ثم أدرك أن الحقيقة التي يبحث عنها طوال الليل قد تكون أخطر مما تخيل.
لأن الرجل الذي يحمل مفتاح سر عائلته…
كان يعرفه منذ طفولته.
وكان هو نفسه آخر شخص رأى والدته قبل وفاتها.
ظل آدم يحدق في الصورة، ثم رفع عينيه نحو إيلينا.
قالت:
— من هذا الرجل؟
أجابها:
— الدكتور نادر.
— طبيب عائلتكم؟
— نعم. كان طبيب أمي لسنوات.
ثم نظر إلى الرسالة مرة أخرى.
“تعال وحدك.”
قالت إيلينا بسرعة:
— لا تذهب.
— يجب أن أذهب.
— قد يكون فخًا.
— أعلم.
— إذًا لماذا ستذهب؟
نظر إليها آدم وقال:
— لأن يوسف هناك.
لم تجبه.
قال آدم:
— وأنت ستبقين هنا.
— آدم…
— لا أعرف إن كنت أثق بك، لكنني أعرف شيئًا واحدًا: إذا كنتِ تعملين مع فؤاد، فلن أتركك وحدك في القصر.
أمسك هاتفًا آخر كان في جيبه، وتركه يعمل بصمت.
ثم غادر.
بعد نصف ساعة، وصل آدم إلى عيادة قديمة يمتلكها الدكتور نادر في أحد أحياء الإسكندرية.
كانت الأضواء مطفأة تقريبًا، باستثناء ضوء خافت يخرج من الطابق الثاني.
دخل آدم بحذر.
صعد الدرج.
ثم سمع صوت طفل.
— عمو آدم؟
توقف في مكانه.
كان يوسف يقف عند نهاية الممر.
ركض نحوه.
انحنى آدم واحتضنه.
— هل أنت بخير؟
هز يوسف رأسه.
— أيوه.
ثم قال:
— الدكتور نادر قال إنك هتيجي.
نظر آدم إلى الرجل المسن الواقف خلفه.
— أين كريم؟
قال الدكتور نادر:
— قريب جدًا.
— أريد أن أراه الآن.
أخرج نادر ملفًا قديمًا من خزانة صغيرة.
— قبل أن تراه، يجب أن تعرف الحقيقة كاملة.
فتح آدم الملف.
كانت بداخله أوراق طبية قديمة، وتقارير ولادة، ونتائج فحوصات.
قال نادر:
— عندما ولدت أنت وكريم، كان هناك سر أخفته والدتك عن الجميع.
قلب آدم إحدى الصفحات.
ثم تجمد.
كان هناك تقرير قديم لتحليل النسب.
قرأه مرة أخرى.
ثم قال:
— هذا غير ممكن.
أجاب نادر:
— لكنه صحيح.
رفع آدم عينيه.
— كريم ليس ابن والدي.
— صحيح.
— ومن والده؟
صمت نادر.
ثم قال:
— والد كريم هو رجل اسمه سامر الخطيب.
شهق آدم.
كان الاسم مألوفًا.
سامر الخطيب كان رجل أعمال كبيرًا وشريكًا سابقًا لوالده.
لكنه توفي قبل سنوات في حادث غامض.
قال آدم:
— ماذا حدث بينه وبين أمي؟
أجاب نادر:
— كانت هناك علاقة قديمة قبل زواجها من والدك. وعندما اكتشفت أنها حامل، كانت الأمور قد أصبحت معقدة.
— ولماذا أخفت ذلك؟
— لأنها كانت تحاول حماية كريم.
ثم أضاف:
— والدك عرف الحقيقة بعد سنوات.
سأل آدم:
— وهل فؤاد كان يعرف؟
— نعم.
— وهل سامر كان يعرف أن كريم ابنه؟
— عرف قبل وفاته بفترة قصيرة.
قال آدم:
— إذًا لماذا لم يأخذ كريم معه؟
نظر نادر إلى يوسف.
— لأنه مات قبل أن يتمكن من فعل ذلك.
ثم أخرج ورقة أخرى.
— لكنه ترك رسالة.
أخذ آدم الورقة.
كان خط سامر واضحًا.
قرأ:
“إذا حدث لي شيء، فلا تثقوا بفؤاد. لقد اكتشفت أنه يسرق من الشركة، وأنه مستعد لفعل أي شيء لمنع الحقيقة من الظهور.”
ارتجفت يد آدم.
— إذًا فؤاد هو من تسبب في موته؟
— لا أملك دليلًا قاطعًا.
قال نادر:
— لكنني أملك شيئًا أخطر.
فتح درجًا وأخرج ذاكرة إلكترونية أخرى.
— هذه كانت مع سامر.
نظر آدم إليها.
— لماذا لم تعطها لكريم؟
— حاولت.
ثم قال:
— لكن بعد حادث القارب، اعتقد الجميع أن كريم مات.
سأل آدم:
— أين كان كريم كل هذه السنوات؟
فجأة سمعوا صوت باب يُغلق في الأسفل.
تغير وجه نادر.
— لقد وجدونا.
أمسك آدم بيد يوسف.
— من؟
قال نادر:
— رجال فؤاد.
ثم انطفأت الكهرباء.
سمعوا أصوات خطوات تصعد الدرج.
قال نادر:
— هناك غرفة خلفية. خذ يوسف وادخل إليها.
— وماذا عنك؟
ابتسم نادر.
— لقد عشت طويلًا بما يكفي لأرى هذه الحقيقة تظهر.
دخل آدم مع يوسف إلى الغرفة السرية.
وبعد ثوانٍ، اقتحم الرجال العيادة.
ثم سمع آدم صوتًا يعرفه.
— الدكتور نادر!
كان فؤاد.
قال:
— انتهت اللعبة.
ثم أضاف:
— سلّمني الطفل والذاكرة، ولن يصيب أحد بأذى.
لكن قبل أن يرد آدم، سمع صوتًا آخر من خلف فؤاد.
— بل أنت الذي انتهت لعبته.
توقف الجميع.
ظهر رجل من الظلام.




