روايات وقصص

الجزء الاخير بقلم محمد عبده

كان يرتدي سترة داكنة ووجهه شاحبًا.
رفع آدم رأسه.
لم يصدق عينيه.
كان هو.
كريم.
نظر الشقيقان إلى بعضهما لأول مرة منذ ست سنوات.
وقال كريم:
— آسف يا أخي.
ثم أضاف:
— لكن هناك شخصًا واحدًا لم نتوقع أبدًا أن يكون شريكًا لفؤاد.
تغير وجه آدم.
— من؟
نظر كريم نحو الباب.
ثم قال:
— إيلينا.
تجمد آدم.
لكن كريم هز رأسه بسرعة.
— لا، ليس لأنها تعمل معه…
— إذًا ماذا؟
قال كريم:
— لأنها كانت تحاول كشفه من الداخل.
ثم اقترب منه وأعطاه هاتفًا.
على الشاشة ظهر تسجيل فيديو.
وفيه والد آدم قبل وفاته بأيام قليلة، وهو يقول:
“إذا وصل هذا التسجيل إلى أبنائي، فاعلموا أن فؤاد لم يكن وحده.”
توقف الفيديو.
ثم ظهرت صورة امرأة.
كانت امرأة لم يعرفها آدم إلا من ألبومات طفولته.
والدته.
وتحت الصورة ظهرت كلمات أخيرة:
“الحقيقة بدأت يوم ولدت أنت يا آدم… لأنك أنت أيضًا لست ابن الرجل الذي ظننته والدك.”
ظل آدم يحدق في الشاشة، وكأن الكلمات أمامه فقدت معناها.
“أنت أيضًا لست ابن الرجل الذي ظننته والدك.”
رفع رأسه نحو كريم.
— ماذا يعني هذا؟
قال كريم بهدوء:
— يعني أن والدنا الذي عشنا معه طوال حياتنا لم يكن والد أيٍّ منا.
تراجع آدم خطوة.
— لا… هذا مستحيل.
أجابه كريم:
— كنت أظن ذلك أيضًا، حتى أعطاني الدكتور نادر نتائج التحاليل.
نظر آدم إلى نادر.
— هل هذا صحيح؟
أومأ الطبيب بحزن.
— والدتك كانت تحاول حمايتكما. كانت تخشى أن يعرف فؤاد الحقيقة.
سأل آدم:
— ومن أبي الحقيقي؟
لم يجب نادر.
بل أشار إلى الذاكرة الإلكترونية التي كانت في يد آدم.
— الإجابة موجودة هناك.
أدخل آدم الذاكرة في جهاز قريب.
ظهر ملف واحد فقط.
“الحقيقة — 1998”
فتحه.
ظهر تسجيل قديم لوالدته.
كانت تجلس أمام الكاميرا، ووجهها يبدو شاحبًا ومتعبًا.
قالت:
— إذا كنتم تشاهدون هذا التسجيل، فهذا يعني أنني فشلت في حماية عائلتي.
توقفت للحظة.
— آدم وكريم… أنتما ابنا رجل واحد.
نظر الأخوان إلى بعضهما.
تابعت الأم:
— اسمه سامر الخطيب.
شهق آدم.
— إذًا كريم وأنا شقيقان من الأب نفسه؟
أجاب نادر:
— نعم.
لكن التسجيل لم ينتهِ.
قالت الأم:
— سامر لم يكن يعلم أنني أنجبت طفلين. فؤاد أخفى عنه الحقيقة بعد أن هددني.
ثم ظهرت صورة قديمة لسامر.
وأضافت:
— فؤاد أراد السيطرة على أموال سامر وشركاته. وعندما اكتشف سامر ما يحدث، قرر كشفه.
توقف التسجيل لثوانٍ.
ثم قالت:
— لذلك دبّر فؤاد الحادث الذي أنهى حياة سامر.
شعر آدم بقبضة من الغضب.
لكن الجزء الأخطر جاء بعدها.
قالت والدته:
— فؤاد لم يكن وحده.
ظهرت صورة ثانية.
كانت لرجل يعرفه آدم جيدًا.
والده الذي رباه.
لكن التسجيل كشف شيئًا صادمًا:
كان الرجل قد عرف منذ البداية أن آدم وكريم ليسا ابنيه.
ومع ذلك، وافق على إخفاء الحقيقة.
قالت الأم:
— لقد اتفقا على إخفاء نسبكما، واستخدام أموال سامر لبناء إمبراطورية العائلة.
ثم أضافت:
— وعندما اكتشفت كل شيء، بدأت أبحث عن طريقة لإنقاذكما.
انتهى التسجيل.
ظل آدم صامتًا.
ثم قال:
— لهذا ماتت أمي…
قال كريم:
— نعم.
وفجأة سُمع صوت سيارة تتوقف أمام العيادة.
نظر نادر من النافذة.
— لقد وصلوا.
سأل آدم:
— من؟
أجاب:
— فؤاد ورجاله.
أمسك كريم بيد يوسف.
— يجب أن نغادر الآن.
لكن آدم لم يتحرك.
قال:
— لن نهرب.
نظر إليه كريم.
— ماذا ستفعل؟
أخرج آدم هاتفه.
— سنجعلهم يعتقدون أنهم فازوا.
ثم ابتسم للمرة الأولى منذ بداية تلك الليلة.
— لكن هذه المرة، نحن من يملك الأدلة.
بعد دقائق، دخل فؤاد إلى العيادة.
كان واثقًا من نفسه.
قال:
— أين الذاكرة؟
وقف آدم أمامه.
— هنا.
أخرجها ووضعها على الطاولة.
ابتسم فؤاد.
— كنت أعرف أنك ستستسلم.
ثم مد يده.
لكن آدم لم يعطه إياها.
قال:
— قبل أن تأخذها، أريد أن أعرف شيئًا واحدًا.
— ماذا؟
— أين أبي؟
تغير وجه فؤاد.
— والدك مات منذ سنوات.
هز آدم رأسه.
— لا أقصد الرجل الذي رباني.
ثم أضاف:
— أقصد أبي الحقيقي… سامر الخطيب.
صمت فؤاد.
وفي تلك اللحظة، فهم آدم كل شيء.
كان فؤاد يخشى اسم سامر أكثر من أي شيء آخر.
قال آدم:
— لأنه لم يمت في حادث عشوائي، أليس كذلك؟
لم يجب فؤاد.
فقال كريم:
— وأنت لم تتخلص من جميع الأدلة.
ثم أخرج كريم هاتفه.
— لدينا نسخة من كل شيء.
صرخ فؤاد:
— كاذب!
ابتسم كريم.
— إذًا لماذا أنت خائف؟
وفجأة دخلت الشرطة إلى المكان.
رفع فؤاد يديه ببطء.
لكن قبل أن يضعوا القيود في يديه، نظر إلى آدم وقال:
— أنت لا تعرف الحقيقة الأخيرة.
توقف آدم.
— ماذا تقصد؟
ابتسم فؤاد ابتسامة غامضة.
— أمك لم تكن تحاول حمايتك منّي فقط.
ثم نظر إلى يوسف.
— كانت تحاول حمايتك من والدك الحقيقي.
تجمد آدم.
وفي اللحظة نفسها، تلقى هاتفه رسالة جديدة.
فتحها.
كانت صورة لرجل يقف أمام مبنى قديم.
وتحتها جملة واحدة:
“سامر الخطيب لم يمت.”
رفع آدم عينيه نحو كريم.
كان كريم شاحب الوجه.
وقال بصوت خافت:
— إذًا… الشخص الذي كنا نظنه ميتًا طوال هذه السنوات…
كان حيًا طوال الوقت.
لم يستطع آدم أن يبعد عينيه عن الصورة.
الرجل الموجود فيها كان يقف أمام مبنى قديم، لكن ملامحه كانت واضحة بما يكفي.
كان يشبه كريم بشكل مخيف.
قال آدم:
— سامر حي؟
هز كريم رأسه ببطء.
— إذا كانت الصورة حقيقية… نعم.
تدخل الدكتور نادر:
— الصورة حقيقية.
نظر إليه آدم بصدمة.
— كنت تعرف؟
تنهد نادر.
— كنت أعرف أنه نجا من الحادث، لكنني لم أعرف أين اختفى بعدها.
قال كريم:
— أنا عرفت منذ شهر فقط.
— ولماذا لم تخبرني؟
— لأنني كنت أخشى أن تكون مراقبًا.
ثم نظر إلى فؤاد.
— والآن فهمت لماذا كان يحاول الوصول إليك.
أخذت الشرطة فؤاد ورجاله بعيدًا، لكن آدم لم يشعر بالانتصار.
كان هناك سؤال واحد يطارده:
لماذا ظل سامر مختبئًا كل هذه السنوات؟
بعد ساعات، عاد آدم إلى القصر برفقة كريم ويوسف.
أما إيلينا، فقد اختفت.
لم يجدوا لها أي أثر.
لكنها تركت رسالة على مكتب آدم.
فتحها.
“آدم، أعلم أنك لن تسامحني بسهولة. أنا كذبت عليك، وخبأت عنك الحقيقة، لكنني فعلت ذلك لأنني كنت أحاول الوصول إلى فؤاد. لم أؤذِ سلمى، ولم أرد لك أو لعائلتك أي ضرر. عندما تقرأ هذه الرسالة، سأكون قد غادرت. لا تبحث عني. الحقيقة التي تبحث عنها ستجدها عند سامر.”
ظل آدم صامتًا.
ثم طوى الرسالة.
قال كريم:
— هل كنت تحبها؟
أجاب آدم:
— كنت أظن أنني أحبها.
ثم نظر إلى يوسف.
— لكن الآن لدي أشياء أهم.
بعد ثلاثة أيام، وصل آدم إلى مبنى قديم في مدينة بورسعيد.
كان العنوان هو نفسه الموجود في الصورة.
طرق الباب.
لم يجب أحد.
طرق مرة أخرى.
ثم انفتح الباب ببطء.
ظهر رجل في الستين تقريبًا.
كان شعره أبيض، ووجهه يحمل آثار سنوات طويلة من التعب.
نظر إلى آدم.
ثم إلى كريم.
وتوقفت عيناه عند يوسف.
قال بصوت مرتجف:
— يوسف؟
اقترب آدم.
— هل أنت سامر الخطيب؟
أغمض الرجل عينيه.
ثم قال:
— نعم.
لم يستطع كريم الكلام.
أما آدم فسأل:
— لماذا تركتنا؟
جلس سامر على كرسي قريب.
— لم أترككما.
ثم نظر إلى ابنيه.
— حاولت الوصول إليكما أكثر من مرة.
— فلماذا لم تفعل؟
— لأنني كنت أعتقد أن فؤاد سيقتلكما إذا عرف أنني حي.
ثم أضاف:
— وبعد سنوات، عندما أصبح لدي دليل ضده، كانت أمكما قد ماتت.
سأله آدم:
— لماذا لم تظهر وقتها؟
قال سامر:
— لأنني كنت أبحث عن آخر شخص شارك فؤاد في كل شيء.
تبادل آدم وكريم النظرات.
— من؟
أخرج سامر ملفًا قديمًا.
وضعه أمامهما.
ثم قال:
— والدكما الذي رباكما لم يكن مجرد شخص يعرف الحقيقة.
فتح آدم الملف.
ظهرت عشرات المستندات والتحويلات المالية.
ثم رأى اسمًا جعل الدم يتجمد في عروقه.
الدكتور نادر.
رفع آدم رأسه ببطء.
— نادر؟
قال سامر:
— نعم.
— لكنه ساعدنا!
— كان يحاول التكفير عن ذنبه.
ثم أضاف:
— هو الذي زوّر بعض التقارير الطبية التي أخفت حقيقة نسبكما.
شعر آدم بصدمة.
— لكنه ساعدنا في كشف فؤاد.
— لأنه عرف أن فؤاد سيقتله بعد أن انتهت فائدته.
ساد الصمت.
ثم قال سامر:
— هناك شيء آخر.
أخرج صورة قديمة.
كانت تجمع فؤاد، والد آدم، الدكتور نادر، ورجل رابع.
نظر آدم إلى الصورة.
ثم اتسعت عيناه.
كان الرجل الرابع هو…
حسام، مدير أمن القصر.
قال سامر:
— هذه كانت المجموعة الأصلية.
ثم أضاف:
— لكن الشخص الذي كان يمولهم جميعًا لم يكن أيًا منهم.
سأل كريم:
— من كان؟
رفع سامر عينيه.
— شركة ضخمة كانت تريد الاستيلاء على إمبراطورية والدكم.
قال آدم:
— ومن يملكها؟
وضع سامر مستندًا أخيرًا على الطاولة.
قرأ آدم الاسم.
ثم تجمد.
كانت الشركة مملوكة لشخص واحد.
إيلينا هاربر.
ساد الصمت.
قال كريم:
— لكنها قالت إنها كانت تعمل ضدهم.
أجاب سامر:
— ربما كانت تقول الحقيقة.
نظر آدم إلى المستند.
— كيف؟
قال سامر:
— لأن إيلينا لم تكن المالكة الحقيقية للشركة.
ثم أضاف:
— كانت تستخدم اسمًا مستعارًا لحماية الشخص الذي يقف خلفها.
رفع آدم رأسه.
— من؟
نظر سامر إلى باب الغرفة.
وفي اللحظة نفسها…
دخلت إيلينا.
كانت تحمل ملفًا في يدها.
نظر إليها آدم بذهول.
— أنتِ؟
قالت:
— نعم.
ثم وضعت الملف أمامه.
— والآن حان الوقت لتعرف الحقيقة كاملة.
فتح آدم الملف.
كانت الصفحة الأولى تحتوي على صورة لامرأة شابة.
عرفها فورًا.
كانت والدته.
لكن بجانبها كان يقف رجل لم يره من قبل.
قالت إيلينا:
— هذا الرجل هو صاحب الشركة الحقيقي.
نظر آدم إلى الصورة.
ثم سأل:
— من هو؟
ابتسمت إيلينا بحزن.
— جدك.
توقف الجميع عن الكلام.
ثم أضافت:
— والد والدك.
نظر آدم إلى سامر وكريم.
وأدرك أن قصة عائلته لم تكن مجرد خيانة أو أموال مسروقة.
لقد كانت شبكة من الأسرار امتدت لأكثر من جيل.
لكن هذه المرة، لم يعد آدم يريد الهرب من الحقيقة.
أغلق الملف وقال:
— انتهى زمن الأسرار.
ثم أمسك بيد يوسف.
وبعد سنوات من الخوف والخداع، بدأت العائلة أخيرًا تواجه الحقيقة.
أما فؤاد وشركاؤه، فقد أصبحوا أمام القضاء، وتمت مصادرة أموالهم وممتلكاتهم بعد ظهور الأدلة.
وسلمى استعادت عافيتها، وانتقلت للعيش مع يوسف بعيدًا عن القصر.
أما كريم، فعاد إلى شقيقه بعد ست سنوات من الفراق.
وبالنسبة إلى آدم…
فقد أدرك أن أغلى شيء ورثه عن عائلته لم يكن المال ولا القصور.
بل فرصة أن يبدأ من جديد، من دون أسرار.
النهاية.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى