
صور.
عقود.
دفاتر حسابات.
وصناديق عليها تواريخ من أكتر من عشرين سنة.
لكن في آخر الغرفة كان فيه صندوق حديد صغير.
قربت منه.
ولقيت اسمي مكتوب عليه بخط أمي:
ليلى — لا يُفتح إلا بعد ظهور العلامة الحمراء.
بصيت لطارق.
«إيه العلامة الحمراء؟»
قال:
«تجميد الحسابات.»
اتجمدت.
يعني أمي كانت عارفة؟
فتحت الصندوق.
جواه كان فيه ظرف أبيض.
ومفتاح USB.
وصورة قديمة.
أمسكت الصورة.
كانت لأمي وأنا طفلة.
لكن كان فيه شخص واقف في الخلفية.
شاب صغير.
عرفته فورًا.
كريم.
أخويا.
قلبي خبط.
قلبت الصورة.
كان مكتوب خلفها:
«لو وصلتي للرسالة، يبقى كريم لم يمت كما أخبروك.»
وقعت الصورة من إيدي.
بصيت لطارق.
«إنت كنت عارف؟»
ما ردش.
صرخت:
«إنت كنت عارف إن أخويا عايش؟!»
قال بصوت مكسور:
«أنا كنت أعرف إن ما كانتش عادية.»
«يعني إيه؟»
«العربية بعد ما خرج منها.»
سكت.
«بس الجثة اللي اتسلمت لعيلتك… ما كانتش متطابقة بشكل كامل.»
رجعت خطوة لورا.
كل ذكرياتي عن اليوم ده رجعت مرة واحدة.
جنازة.
تابوت مقفول.
أمي منهارة.
وأبويا رافض يفتح التابوت.
وقتها كنت فاكرة إنهم بيحموني من الصدمة.
لكن الحقيقة كانت مختلفة.
سألت:
«مين عمل كده؟»
طارق هز رأسه.
«أمك حاولت تعرف.»
«وبعدين؟»
«قبل ما تعرف الحقيقة كاملة… مرضت.»
بصيت للظرف.
فتحت الرسالة.
خط أمي كان واضحًا.
«يا ليلى، لو إنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى الخطة اللي بدأناها من سنين وصلت للمرحلة الأخيرة.»
وقفت عن القراءة.
بدأت إيدي تترعش.
كملت:
«أهم حاجة لازم تعرفيها: ما تثقيش في أي شخص يقول لك إن كريم مات.»
رفعت عيني.
طارق كان واقف ساكت.
كملت القراءة.
«حسام مش هو العقل المدبر. نورهان مجرد واجهة. والشخص اللي بيدير العمليات من داخل الشركة مش طارق.»
اتلفت له.
طارق كان باصص لي.
لكن وشه كان مليان خوف.
رجعت للرسالة.
«الشخص الحقيقي موجود في دائرتك القريبة جدًا.»
توقفت.
في نفس اللحظة…
سمعنا صوت خطوات في الممر.
طارق قفل الصندوق بسرعة.
همس:
«حد جاي.»
قربنا من الباب.
الخطوات وقفت أمام الغرفة.
ثم سمعنا صوت المفتاح وهو بيتحرك في القفل.
طارق بص لي.
وأنا بصيت له.
الباب بدأ يتفتح.
ظهر شخص أمامنا.
شخص ما توقعتش أشوفه أبدًا.
حسام.
لكن حسام ما كانش لوحده.
كان معاه رجلين.
وقال وهو بيبص لي:
«كنت عارف إنك هتيجي هنا.»
بصيت له بدهشة.
«إنت لسه في القاهرة؟»
ابتسم.
«الصور اللي بعتهالك من المطار كانت قديمة.»
حسيت إن الدم انسحب من وشي.
نورهان ما كانتش معاه أصلًا.
الصورة كانت خدعة.
هو ما سافرش.
كان بيراقبني طول الوقت.
حسام دخل الغرفة بهدوء.
وبص للصندوق.
وقال:
«أمك كانت دايمًا بتفتكر إنها أذكى من الكل.»
قلت:
«إنت كنت عارف عن كريم؟»
ابتسامته اختفت.
«كنت عارف أكتر مما تتخيلي.»
«هو عايش؟»
سكت.
وبعدين قال:
«لو عايزة تعرفي، تعالي معايا.»
طارق وقف بيني وبينه.
«مش هتخرج معاهم.»
أحد الرجلين قرب منه.
لكن قبل ما يحصل أي شيء…
رن موبايل حسام.
بص للشاشة.
وفجأة تغيرت ملامحه.
قال:
«إيه؟»
سكت يستمع.
وبعدين قال:
«مستحيل.»
أنهى المكالمة.
بص لي.
لأول مرة شفت الخوف الحقيقي في عينيه.
سألته:
«إيه اللي حصل؟»
ما ردش.
لكن طارق أخذ الموبايل منه.
قرأ الرسالة اللي ظهرت على الشاشة.
وبعدين رفع عينه لي وقال:
«الحساب الرئيسي للشركة اتحرك.»
قلت:
«إزاي؟»
قال:
«حد دخل عليه باستخدام مفتاح التشفير القديم.»
«مين؟»
طارق سكت.
وبعدين قال:
«اسم المستخدم… كريم.»
ساد الصمت.
حسام رجع خطوة للخلف.
وأنا حسيت لأول مرة إن أخويا مش مجرد شخص من الماضي.
كريم كان موجودًا.
وكان يراقب كل شيء.
وفجأة وصلني إشعار على هاتفي.
رقم مجهول.
فتحت الرسالة.
كانت جملة واحدة فقط:
«ما تثقيش في طارق.»
رفعت عيني إليه.
وفي اللحظة نفسها…
طارق شحب وجهه.
لأن الرسالة التانية وصلت.
وكانت تحتوي على صورة.
صورة حديثة جدًا.
لـ كريم.
واقف أمام مبنى الشركة…
والغريب إن الصورة كانت متصورة من داخل مكتب طارق نفسه.
يتبع…
نكمل من الصورة اللي قلبت كل الحسابات، ونقرب أكتر من الحقيقة.
فضلت باصة للصورة وأنا مش قادرة أتكلم.
كريم.
أخويا اللي قضيت خمس سنين مقتنعة إنه مات…
واقف في صورة حديثة قدام مبنى الشركة.
لكن اللي خوّفني أكتر إن الصورة كانت متصورة من داخل مكتب طارق.
بصيت له.
«إنت تعرف كريم فين؟»
طارق ما ردش.
حسام ضحك ضحكة قصيرة وقال:
«أخيرًا فهمتي.»
لفيت له.
«فهمت إيه؟»
قال:
«إن كل اللي حصل من البداية كان معمول عشان توصلي للحظة دي.»
«مين عمل الخطة؟»
حسام بص لطارق.
طارق بص للأرض.
وبعدين قال:
«أمك.»
اتصدمت.
«أمي؟»
«أمك كانت عارفة إن فيه ناس بتحاول تسيطر على الشركة من سنين. وكانت عارفة إن كريم اكتشف جزء من الموضوع.»
«ليه خبت عني؟»
«عشان تحميكي.»
صرخت:
«تحميني من إيه؟! أنا كنت فاكرة إن أخويا مات!»
طارق سكت.
حسام قال:
«لأن موت كريم كان لازم يبان حقيقي.»
بصيت له.
«إنت كنت جزء من الخطة؟»
هز رأسه.
«في البداية، أيوه.»
«وبعدين؟»
ابتسامته اختفت.
«بعدين الخطة خرجت عن السيطرة.»
قلت:
«والفلوس اللي سرقتها؟»
رد:
«ما كانتش سرقة.»
ضحكت بمرارة.
«أخدت فلوس الشركة، جوازات السفر، مستندات، ومجوهرات أمي… وبتقول مش سرقة؟»
قال:
«كنت بحاول أخليهم يصدقوا إني خنتك.»
«مين هم؟»
وقتها سمعنا صوت تصفيق من آخر الغرفة.
واحد من الرجلين اللي كانوا مع حسام بدأ يضحك.
وقال:
«واضح إن الوقت خلص.»
لفيت ناحيته.
لكن قبل ما يقترب، باب الغرفة اتفتح بعنف.
ودخلت قوة من الشرطة ومعاهم محامي الشركة.
الرجلان حاولوا يتحركوا.
لكن الشرطة سيطرت عليهم فورًا.
حسام بص لي بصدمة.
«إنتِ عملتي إيه؟»
قلت:
«ولا حاجة.»
وبعدين بصيت له.
«أنا بس خليتك تتكلم.»
اتضح إن المحامي كان موجودًا من البداية في مبنى الشركة.
وكل كلام حسام وطارق كان مسجلًا بطريقة قانونية بعد الحصول على التصاريح اللازمة.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت لسه جاية.
المحامي قرب مني وقال:
«فيه شخص عايز يقابلك.»
«مين؟»
ما ردش.
فتح باب الغرفة.
ودخل رجل.
طويل.
لابس بدلة رمادية.
وشعره فيه خصلات بيضاء.
وقف على بعد خطوات مني.
أنا ما قدرتش أتنفس.
ملامحه اتغيرت مع السنين.
لكن عينيه…
كنت أعرفهم.
قلت بصوت متقطع:
«كريم؟»
الرجل وقف مكانه.
وبعدين قال:
«وحشتيني يا ليلى.»
انهارت كل مقاومتي.
قربت منه وأنا مش مصدقة.
لمست وشه بإيدي.
كان حقيقي.
أخويا كان حي.
بكيت.
غصب عني.
خمس سنين من الحزن والغضب والأسئلة اختفوا في لحظة واحدة.
لكن بعد دقائق، سألته:
«ليه؟»
قال:
«لأن يوم ، اكتشفت إن أبويا كان بيبيع أجزاء من الشركة سرًا.»
اتجمدت.
أبويا؟
قال:
«أبوكي كان متورط مع مجموعة من المستثمرين حاولوا على الشركة من زمان.»
«وأمي؟»
«أمك اكتشفت الموضوع.»
سكت.
«ولما حاولت توقفهم، بدأوا .»
«وأنت؟»
«أنا كنت أول شخص اكتشف إنهم ناويين يستخدموني ككبش فداء.»
أخذ نفسًا عميقًا.
«عملوا عشان ، لكني نجوت.»
«وأمي عرفت؟»
«أيوه.»
«وليه ما قالتليش؟»
كريم نزل عينيه.
«لأنهم كانوا بيراقبوكي.»
وبعدين قال الجملة اللي كسرتني:
«أمك فضلت ساكتة خمس سنين عشان تضمن إنك تكملي بناء الشركة بعيد عنهم.»
بصيت لحسام.
«وإنت؟»
قال كريم:
«حسام دخل حياتك قبل ما نعرف هو تابع لمين بالضبط.»
حسام حاول يقاطع:
«أنا ما كنتش—»
لكن الشرطة منعته من الكلام.
كريم كمل:
«في البداية كان بيشتغل معاهم. بعدين اكتشف إنهم ناويين يتخلصوا منه هو كمان.»
بصيت لحسام.
«يعني خيانتك كانت تمثيل؟»
هز رأسه.
«جزء منها.»
«وجزء إيه؟»
سكت.
قال كريم:
«علاقته بنورهان كانت حقيقية.»
سكتت.
حسام بص للأرض.
لأول مرة ما لقيتش عنده أي إجابة.
كريم قال:
«لكن اللي ما تعرفيهوش إن نورهان كانت بتشتغل لصالح المجموعة دي من البداية.»
فتحت عيني.
«والسوار؟»
قال:
«السوار كان فيه شريحة تخزين صغيرة جدًا.»
حدقت فيه.
«إيه؟»
«أمك حطت فيها نسخة من أهم المستندات اللي تثبت ملكيتك للشركة، وكمان أدلة على التحويلات السرية.»
فهمت فجأة.
حسام ما كانش سرق مجرد سوار.
كان بياخد الدليل الأساسي.
لكن أمي كانت أذكى منه.
السوار اللي أخده…
كان مجرد نسخة مزيفة.
أما السوار الحقيقي…
فكان مع كريم.
حسام كان طول الوقت بيجري وراء شيء مش موجود.
وفي اللحظة دي وصل إشعار جديد لهاتفي.
فتحت الرسالة.
كان فيها اسم واحد فقط:
نورهان رشدي.
وتحت الاسم رسالة:
«لو كريم رجع، يبقى أنا لازم أتكلم قبل ما يوصلوا لي.»
وبعدها بدقيقة وصلت رسالة ثانية:
«تعالي لوحدك لمكان أختاره أنا… لأن الشخص اللي خطط لكل ده مش حسام، ومش طارق، ومش أبوكي.»
توقفت.
بصيت لكريم.
«مين؟»
كريم بص للرسالة.
وشه اتغير.
وقال:
«الشخص ده… هو الشخص الوحيد اللي كنا بنثق فيه كلنا.»
سألته:
«مين؟»
رفع عينه لي.
وقال اسمًا جعلني أحس إن الأرض اختفت من تحتي.
«مدير بنك الشركة.»
يتبع…
الجزء الاخير في التعليقات




