
— الورقة كانت في مكتب أبويا.
— ومكتوب فيها إيه؟
سكت.
قلت:
— أحمد، أنا عايزة أعرف الحقيقة.
قرب مني وقال بصوت منخفض:
— أبويا قبل ما يموت كان عليه دين كبير.
الحاجة فوزية قاطعته:
— كفاية!
لكنه كمل:
— وكان ممكن البيت يتباع بسببه.
بصيت للبيت.
— طيب وإيه علاقة ده بيا؟
أحمد بلع ريقه.
— الورقة بتقول إن جزء من فلوس بيع البيت… لازم يتسدد لشخص معين.
— مين؟
ما ردش.
كررت:
— مين الشخص ده؟
الحاجة فوزية قالت بسرعة:
— مفيش داعي تعرفي.
بصيت لها.
— بالعكس، دلوقتي أنا لازم أعرف.
أحمد أخيرًا قال:
— خالي.
استغربت.
— خالك؟
— أيوه. أبويا كان واخد منه مبلغ كبير من سنين، والورقة كانت بتثبت الدين.
المحامي سأله:
— وهل الدين ما زال قائمًا؟
أحمد هز رأسه.
— مش عارف.
المحامي مد إيده.
— أشوف الورقة.
أحمد بص لأمه.
الحاجة فوزية هزت رأسها بعنف.
— لأ.
هنا تدخلت أنا:
— ليه لأ؟
الحاجة فوزية بدأت تتلعثم.
— لأنها ورقة قديمة ومش مهمة.
المحامي قال:
— لو مش مهمة، مفيش سبب نخبيها.
ساد الصمت.
وأحمد لأول مرة بدأ يشك في كلام أمه.
— ماما… إنتِ عارفة حاجة؟
قالت:
— أنا عارفة أكتر منك.
— يعني إيه؟
— يعني إن أبوك قبل ما يموت قاللي إن الورقة دي لازم تختفي.
اتسعت عيني.
— تختفي؟
المحامي بصلها باستغراب.
— ليه؟
الحاجة فوزية سكتت.
وبعد لحظات قالت:
— لأن لو الورقة ظهرت، البيت ممكن مايبقاش من حقنا.
بصيت لأحمد.
— إنت كنت عارف ده؟
— لا.
— متأكد؟
هز رأسه.
— والله ما كنت أعرف.
بدأت أحس إن الموضوع خرج من نطاق الخلاف العائلي تمامًا.
البيت اللي صرفت عليه أكتر من مليون ونص…
يمكن أصلًا تكون ملكيته فيها مشكلة.
لكن لسه كان فيه سؤال أهم.
لو البيت مهدد…
ليه الحاجة فوزية أصرت إني ما أدخلش يوم الفرح؟
وليه كانت مصممة إني أستنى 3 ساعات بره؟
قلت لها:
— إنتِ قلتي إنك خايفة من طاقتي وإن واحدة بتقرأ الكف حذرتك مني.
بصت للأرض.
— كنتي بتكدبي؟
ما ردتش.
قربت منها.
— كنتي عايزة تمنعيني من دخول البيت عشان الورقة؟
فضلت ساكتة.
لكن سكوتها كان كفاية.
أحمد بص لها بصدمة.
— ماما!
صرخت:
— كنت بحاول أحميك!
— تحميني من إيه؟
قالت:
— لو دخلت البيت يوم الفرح، كان ممكن كل حاجة تنكشف.
سألها:
— إيه اللي كان هيتكشف؟
الحاجة فوزية انهارت على الكرسي.
— أبوك قبل موته كتب عقد تاني.
اتجمد أحمد.
— عقد إيه؟
— عقد ملكية.
المحامي قرب منها.
— ملكية البيت؟
هزت رأسها.
— أيوه.
قلت:
— ولصالح مين؟
الحاجة فوزية رفعت عينيها نحوي.
ولأول مرة، شفت الخوف الحقيقي في وشها.
قالت:
— مش لينا.
الصمت سيطر على المكان.
أحمد قال:
— أمال لمين؟
قبل ما ترد…
سمعنا صوت عربية وقفت قدام البيت.
رجل في الخمسينات نزل منها.
كان ماسك ملف بني قديم.
دخل الشارع، وبص ناحية البيت.
وبعدين قال:
— أنا بدور على الأستاذ أحمد.
أحمد تقدم.
— أنا أحمد.
الرجل مد له الملف.
— أبوك كان موصي إني أسلمهولك بعد جوازك.
أحمد فتح الملف.
لكن بمجرد ما شاف أول ورقة…
وشه اتغير.
— مستحيل…
قربت منه.
— إيه؟
رفع عيني لي.
— دي مش ورقة دين.
المحامي مد إيده وأخذ الورقة.
قرأها بسرعة.
وبعدين رفع عينيه وقال:
— دي إقرار ملكية.
سألت:
— ملكية مين؟
أحمد ما ردش.
بص للورقة مرة تانية.
وبص لي.
وبص لأمه.
ثم قال بصوت متقطع:
— البيت…
سكت.
— البيت مش بتاع أمي.
الحاجة فوزية بدأت تبكي.
قلت:
— أمال بتاع مين؟
أحمد رفع الورقة.
وكان الاسم المكتوب في أول السطر…
هو اسمي أنا.
ندى محمود.
وقتها حسيت إن رجلي مش شايلاني.
أنا ما كنتش فاهمة إزاي اسمي موجود في عقد كتبه والد أحمد قبل ما أتجوز ابنه أصلًا.
لكن قبل ما أسأله…
الرجل اللي جاب الملف قال:
— وفيه ورقة تانية.
فتح الملف.
وأخرج مستندًا آخر.
وقال:
— الورقة دي أهم.
المحامي قرأها…
وبمجرد ما خلص، بصلي وقال:
— ندى، لازم نتكلم لوحدنا.
ومن نظرة عينه…
عرفت إن اللي مكتوب في الورقة التانية أخطر من أي حاجة حصلت لحد دلوقتي.
يتبع…
أول ما المحامي قال:
— ندى، لازم نتكلم لوحدنا.
حسيت إن قلبي وقع في رجلي.
بصيت لأحمد.
كان واقف مذهول، مش فاهم أكتر مني.
قلت:
— اتفضل يا أستاذ سامح.
أخدني كام خطوة بعيد عنهم، وفتح الورقة التانية.
قرأها مرة تانية، وكأنه بيتأكد إنه فهم صح.
وبعدين قال:
— الورقة دي بتوضح إن والد أحمد كان عليه التزام مالي كبير، لكن الغريب إن الالتزام ده اتسدد قبل وفاته.
قلت:
— طيب إيه المشكلة؟
رفع عينه لي.
— المشكلة إن المبلغ اتسدد من حسابك.
اتجمدت.
— حسابي أنا؟!
— أيوه.
— بس أنا ما حولتش أي فلوس لأبو أحمد!
قلب الورقة ناحيتي.
كان فيها رقم حساب وتاريخ تحويل.
نفس البنك اللي كنت بحول منه فلوس إصلاح البيت.
لكن التاريخ كان قبل ما أعرف أحمد أصلًا.
قلت:
— مستحيل.
المحامي قال:
— وأنا كمان شايف إن الموضوع محتاج مراجعة دقيقة.
رجعت أبص للورقة.
اسم صاحب الحساب اللي استلم الفلوس كان مكتوبًا بوضوح.
محمود عبدالسلام.
وقتها اتصدمت.
محمود عبدالسلام…
كان اسم والدي.
بصيت للمحامي.
— ده اسم أبويا.
سكت.
— إيه علاقة أبويا بأبو أحمد؟
قبل ما يرد، سمعت صوت أحمد ورايا:
— ندى؟
لفيت.
كان واقف قدامنا.
— في إيه؟
ما عرفتش أقول له.
لكن المحامي قرر إن مفيش فايدة من إخفاء الحقيقة.
— أحمد، واضح إن فيه علاقة مالية قديمة بين والدك ووالد ندى.
أحمد عقد حواجبه.
— إزاي؟
قلت:
— أنا نفسي مش عارفة.
وفجأة…
الحاجة فوزية قامت من مكانها وقالت:
— أنا عارفة.
بصينا كلنا لها.
كانت بتعيط.
قالت:
— أبوكي وأبو أحمد كانوا شركاء زمان.
اتصدمت.
— شركاء في إيه؟
— في شركة مقاولات.
بصيت لأبويا اللي كان واقف بعيد مع أمي.
أبويا قرب ببطء.
وكان واضح من وشه إنه سمع كل كلمة.
قلت:
— بابا… إنت تعرف؟
ما ردش.
قلت بصوت أعلى:
— بابا، إنت تعرف عيلة أحمد من زمان؟
سكت لحظات.
وبعدين قال:
— أيوه.
حسيت إن الأرض بتتحرك تحتي.
— ليه ما قلتليش؟
أبويا بص لي بحزن.
— لأن الموضوع انتهى من سنين.
المحامي سأله:
— حضرتك كنت شريك والد أحمد؟
هز رأسه.
— كنا شريكين.
الحاجة فوزية قاطعته:
— مش شراكة عادية.
أبويا بص لها بغضب.
— مش وقته يا فوزية.
قالت:
— لأ، وقته.
وبعدين بصتلي.
— لازم تعرف كل حاجة.
أحمد قال:
— ماما، كفاية أسرار.
ردت:
— أبوك قبل ما يموت كان عايز يصلح اللي حصل.
سألتها:
— إيه اللي حصل؟
سكتت.
وبعدين قالت:
— الشركة خسرت مبلغ كبير.
أبويا كمل:
— وكان لازم واحد فينا يتحمل المسؤولية.
قلت:
— وإنت مين اللي تحملها؟
أبويا بص في الأرض.
— أبو أحمد.
— ليه؟
ما ردش.
الحاجة فوزية قالت:
— لأن أبوكي كان عنده بنت صغيرة.
بصيت لها باستغراب.
— يعني إيه؟
قالت:
— أبوكي وقتها كان عنده مشاكل مالية، وطلب من أبو أحمد يساعده.
أبويا قاطعها:
— فوزية!
لكنها كملت:
— وفي المقابل، أبو أحمد كتب ورقة.
المحامي سأل:
— أي ورقة؟
قالت:
— إنه لو المشروع نجح، جزء من أرباحه هيكون من حق بنت محمود.
سألت:
— بنت محمود؟
بصتلي.
— إنتِ.
سكت الجميع.
أنا؟
إزاي؟
كنت وقتها طفلة.




