قصص وروايات

القصة كاملة بقلم محمد عبده

دموعي نزلت من غير ما أحس. مش بسبب الخوف. بسبب السنين اللي قضيتها وأنا فاكر إن علاقتنا بدأت بالحب. سألتها: — إمتى بقى حقيقي؟ بصت لي وقالت: — من أول مرة مرضت فيها وإنت لوحدك. — لما قعدت جنبك في المستشفى 11 ساعة. — وقتها نسيت كل حاجة عن المهمة. — وبقيت خايفة عليك بجد.

سكتُّ. لأول مرة، حسيت إن الصورة بدأت تكتمل. لكن كان لسه فيه سؤال. — طيب ليه كنتِ بتنضفي الحمام مرتين كل يوم؟ سلوى مسحت دموعها. — لأننا كنا بنستخدم الصرف لإخفاء عينات صغيرة من المواد اللي كنا بنجمعها. محمود قاطعها: — بس ده كان خطر جدًا. قالت: — عارفة. — لكن لو خزناها في البيت، كانوا هيلقوها.

فهمت أخيرًا ليه كانت بتمنعني من دخول الحمام. لكن بقي سؤال واحد. — طيب مين حط المادة في الفيتامينات؟ سكت الجميع. طارق قال: — دي الحاجة اللي لسه ما عرفناهاش.

وفي نفس اللحظة… سمعنا صوت عربية بتقف قدام البيت. الشرطة كانت موجودة بالفعل. لكن عربية تانية وقفت بعدها. نزل منها رجل في الخمسينات. أول ما شفته، حسيت بصداع شديد. صورة قديمة ظهرت في دماغي. نفس الرجل. نفس البالطو الأبيض. قلت: — الدكتور فريد. طارق أومأ.

الرجل دخل البيت ومعاه محاميين. وقال: — حسام، لازم نتكلم. محمود وقف قدامي. — ولا خطوة. الرجل ابتسم. — الموضوع أكبر منكم.

لكن قبل ما يكمل، دخل ضابط ومعاه قوة من الشرطة. وقال: — الدكتور فريد، حضرتك مطلوب للتحقيق. ابتسامته اختفت.

الضابط طلع إذن تفتيش. وبدأوا يفتشوا البيت. وبعد أقل من نصف ساعة، لقوا جهاز تسجيل مخفي داخل الحائط. كان بيسجل كل حاجة حصلت في البيت خلال الأسابيع الماضية. حتى كلامنا. حتى نقاشاتنا. حتى اللحظة اللي اكتشفت فيها الورقة. محمود بص لي وقال: — عشان كده كانوا دايمًا عارفين خطواتك.

الدكتور فريد حاول ينكر. لكن التسجيلات كانت موجودة. والملفات كانت موجودة. والعينات كانت موجودة. وبعد ساعات من التحقيق، بدأت الحقيقة تظهر.

الأسماء السبعتاشر ما كانتش قائمة قتل. كانت قائمة بأشخاص تم التلاعب بملفاتهم الطبية. بعضهم مات لأسباب طبيعية. وبعضهم كان ضحية أخطاء وتلاعبات خطيرة. أما رقمي أنا… 16. فكان رقم ترتيب الملف، مش عدد الأشخاص اللي ماتوا. والاسم رقم 17 كان آخر اسم في القائمة القديمة.

لكن لما فتحوا النسخة الأصلية… اكتشفوا حاجة أخطر. كان فيه ملف رقم 18. ملف سلوى. هي اللي كانت محتفظة بالدليل الرئيسي. وعشان كده كانت مطاردة طوال السنين دي. أما أنا… فكنت مجرد الشخص اللي اتخبى الدليل عنده من غير ما يعرف.

بعد أيام، بدأت التحقيقات الرسمية. اتراجع كل ملف. وتم استدعاء كل شخص له علاقة بالقضية. أما طارق… فثبت رسميًا إنه نجا من الحادث، لكنه عاش سنوات بهوية مختلفة لحمايته من الشبكة. وبعد انتهاء التحقيقات، رجع باسمه الحقيقي.

أما سلوى… فقعدت قدامي في البيت. لأول مرة من غير أسرار. قالت: — لو عايز تطلقني، هفهم. بصيت لها طويلًا. قلت: — أنا مش قادر أنسى إن جوازنا بدأ بكذبة. دموعها نزلت. لكنها ما ردتش. كملت: — بس كمان مش قادر أنسى إنك فضلتي تحميني حتى بعد ما المهمة خلصت.

سكتنا. وبعدها قلت لها: — الثقة هتحتاج وقت. هزت راسها. — وأنا مستعدة أستنى.

بعد شهور، اتقفلت القضية رسميًا. لكن قبل ما كل شيء ينتهي، وصلتني رسالة من رقم مجهول. فتحتها. كان فيها صورة قديمة. صورة لطارق وسلوى وأنا… قبل سبع سنين. وتحت الصورة جملة واحدة: «أنتم ظننتم أنكم أغلقتم الملف… لكنكم نسيتم المريض رقم 19.»

فضلت باصص للرسالة. رفعت عيني ناحية سلوى. وقلت: — سلوى… وشها اتغير. لأنها كانت تعرف الجملة دي. وقالت بصوت منخفض: — الملف رقم 19… مستحيل. سألتها: — ليه؟ قالت: — لأن المريض رقم 19… هو الشخص اللي بدأ كل ده من البداية. ومن يومها، فهمت إن القضية اللي افتكرنا إنها انتهت… كانت مجرد بداية لحكاية أكبر.

بعد ما قالت سلوى: — المريض رقم 19 هو الشخص اللي بدأ كل ده… فضلت ساكت. كنت مستني منها تقول اسم. لكنها ما قالتش. بدل كده، قامت وراحت ناحية الخزنة. فتحتها وطلعت ظرف بني قديم. حطته قدامي. — ده وصلني قبل ما نتجوز بشهر.

فتحت الظرف. جواه صورة قديمة. صورة لرجل واقف قدام مستشفى. ولما قلبت الصورة، لقيت جملة مكتوبة بخط اليد: «لو حصل لي أي حاجة، ما تثقش في أي حد… حتى طارق.»

رفعت عيني. — طارق؟ قالت: — أيوه.

في اللحظة دي، دخل طارق البيت. وأول ما شاف الصورة، وشه اتغير. قلت: — إنت كنت عارف؟ سكت. وبعدين قال: — كنت عارف جزء من الحقيقة. — إيه الجزء اللي مخبيه؟ قعد قدامي. — المريض رقم 19 ما كانش مريضًا أصلًا. — كان اسمًا مستعارًا. — اسم لمين؟ طارق بص لسلوى. وبعدين بص لي. — اسم الشخص اللي كان بيمول الشبكة كلها. سألته: — مين؟ قال: — والد سلوى.

سلوى أغمضت عينيها. أنا ما صدقتش. — أبوها؟ هزت رأسها وهي بتبكي. — أيوه.

بدأت أفهم ليه سلوى كانت عارفة كل التفاصيل. وليه كانت خايفة طول السنين. وليه كانت بتخفي الملفات. لكن كان فيه سؤال أهم: — أبوكي لسه عايش؟ قالت: — أيوه. — فين؟

قبل ما تجاوب، رن جرس الباب. خرجنا كلنا للصالة. كان فيه رجل كبير واقف قدام الباب. عمره حوالي سبعين سنة. سلوى أول ما شافته، اتجمدت. الرجل قال: — كفاية يا سلوى. كان صوت هادي جدًا. قال: — الملف انتهى.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى