
— «أبوكي ما كانش يعرف كل حاجة.»
أبويا صرخ:
— «نادية!»
لكنها كملت:
— «أنا كنت عارفة.»
اتجمدت مكاني.
— «عارفة إيه؟»
أمي قعدت على الكرسي.
إيديها كانت بتترعش.
— «في سنة 1996… الفلوس ما اختفتش بسبب سعاد.»
سعاد ما تحركتش.
أما أنا فقلت:
— «مين اللي أخدها؟»
أمي غمضت عينيها.
— «أنا.»
الصمت اللي حصل بعدها كان تقيل لدرجة إني سمعت صوت عقارب الساعة.
بصيت لها وأنا مش مصدقة.
— «إنتِ؟»
هزت راسها.
— «أيوه.»
أبويا قال:
— «نادية، اسكتي.»
لكنها ردت عليه لأول مرة بعصبية:
— «كفاية! أنا سكت 30 سنة!»
بصت لي.
— «كنت صغيرة، وطمعانة، وخفت.»
سعاد قالت:
— «إنتِ ما كنتيش لوحدك.»
أمي رفعت عيني لها.
— «أنا عارفة.»
اتصدمت.
— «يعني كان فيه حد تاني؟»
أمي ما جاوبتش.
ياسر كان واقف في آخر الصالة.
وشه كان شاحب.
بصيت له.
— «إنت عارف؟»
— «لأ.»
لكن صوته كان ضعيف.
سعاد قامت.
راحت ناحية مكتبة صغيرة في الركن.
طلعت منها صندوق خشب قديم.
وحطته على الترابيزة.
— «جدك محمود سلّمني الصندوق ده قبل ما يموت.»
فتحته.
جواه صور قديمة.
إيصالات.
ورق متآكل.
ومفتاح صغير.
وبعدين طلعت صورة.
حطتها قدامي.
الصورة كانت لأمي وهي أصغر بكتير.
جنبها رجل ما أعرفوش.
لكن على ظهر الصورة كان مكتوب:
«ليلة نقل الأموال — 14 أغسطس 1996.»
رفعت عيني.
— «مين الراجل ده؟»
أمي بدأت تبكي.
أبويا قال:
— «ما تسأليش.»
صرخت:
— «أنا هسأل!»
بصيت لأمي.
— «مين؟»
قالت بصوت ضعيف:
— «كان محاسب المخبز.»
سعاد ردت:
— «مش بس محاسب.»
أمي غطت وشها بإيديها.
— «كان أخويا.»
اتصدمت.
— «إنتِ عندك أخ غير خالتي؟»
سعاد قالت:
— «كان عندنا أخ تالت.»
— «فين هو؟»
سكتت.
ثم قالت:
— «مات من 18 سنة.»
بصيت للصورة مرة تانية.
وفجأة فهمت إن الموضوع مش مجرد سرقة قديمة.
كان فيه أكتر من شخص متورط.
لكن السؤال الأكبر كان:
ليه الخطاب هيتفتح بعد 30 سنة؟
وليه جدي اختار يوم 28 بالذات؟
سألت سعاد.
— «إيه اللي هيحصل يوم 28؟»
قالت:
— «الورثة هيتجمعوا في المخبز القديم.»
— «كل الورثة؟»
— «كلهم.»
— «وياسر؟»
سكتت.
بصيت لياسر.
— «إنت من الورثة؟»
رد:
— «أيوه.»
— «وأنا؟»
سعاد قالت:
— «إنتِ كمان.»
ضحكت بمرارة.
— «أنا؟ بعد ما طردوني من البيت؟»
سعاد قربت مني.
— «جدك كتب اسمك في وصيته.»
أبويا حاول يقاطعها.
— «مريم ما لهاش علاقة بالموضوع.»
لكن سعاد ردت:
— «بالعكس. مريم هي أهم شخص في الوصية كلها.»
بصيت لها.
— «ليه؟»
قبل ما تجاوب، سمعنا صوت طرق قوي على الباب.
الكل سكت.
طرق تاني.
ثلاث مرات.
سعاد بصت لي.
— «ما تفتحيش.»
أبويا قال:
— «يمكن حد من العيلة.»
سعاد هزت راسها.
— «لأ.»
قربت من الباب من غير ما تفتحه.
وسألت:
— «مين؟»
ماحدش رد.
بعد ثواني، وصل ظرف من تحت الباب.
سعاد انحنت وأخذته.
كان ظرف أبيض.
عليه اسمي.
مريم حسن عبدالسلام.
فتحت الظرف.
جواه صورة واحدة.
الصورة كانت قديمة.
لكنها كانت واضحة.
أنا وأنا عندي ست سنين…
واقفة جنب جدي محمود.
وفي الخلفية كانت سعاد.
لكن المفاجأة ما كانتش في الصورة.
كانت في الشخص الرابع الواقف بعيد.
أمي.
وفي إيدها نفس العملة الفضية اللي كنت محتفظة بيها طول حياتي.
العملة اللي كنت فاكرة إن جدي هو اللي ادهالي.
بصيت لأمي.
— «إنتِ اللي اديتيهالي؟»
أمي انهارت في البكاء.
— «أنا كنت بحاول أحميكي.»
— «تحميني من إيه؟»
ما ردتش.
سعاد أخذت الصورة من إيدي.
ولما قلبتها، ظهر سطر مكتوب بخط جدي:
«العملة ليست هدية… إنها المفتاح.»
سكتنا كلنا.
حطيت إيدي في جيبي.
طلعت العملة.
بصيت لها لأول مرة بطريقة مختلفة.
كانت مجرد قطعة فضية قديمة في نظري.
لكن دلوقتي…
بقيت أخطر حاجة أملكها.
وفجأة ياسر قرب مني.
— «مريم… لازم تديني العملة.»
رجعت خطوة.
— «ليه؟»
قال:
— «لأنها ممكن تنقذنا كلنا.»
سعاد صرخت:
— «مريم! ما تديهالوّش!»
بصيت لسعاد.
ثم لياسر.
وفي اللحظة دي فهمت إن الاتنين مش بيقولوا الحقيقة كاملة.
لكن قبل ما أقرر، وصل إشعار جديد على الموبايل.
رسالة من نفس الرقم المجهول:
«لا تثقي في ياسر.»
وتحتها مباشرة رسالة تانية:
«ولا تثقي في سعاد.»
وبعد ثواني وصلت الرسالة الثالثة:
«الشخص الوحيد اللي كان جدك واثق فيه… مات من 18 سنة.»
رفعت عيني ببطء.
— «يعني مين؟»
سعاد بصت لأمي.
وأمي بصت لأبويا.
أما ياسر…
فبدأ يتراجع ناحية الباب.
سألته:
— «إنت رايح فين؟»
قال:
— «لازم أمشي.»
— «ليه؟»
ما ردش.
فتح الباب.
لكن قبل ما يخرج، سعاد قالت جملة أوقفته مكانه:
— «قول لها الحقيقة يا ياسر… قبل ما الشرطة توصل.»
ياسر اتجمد.
وأنا بصيت له.
— «شرطة؟»
في اللحظة دي سمعت صوت سيارات بتقف تحت العمارة.
وأضواء زرقاء انعكست على الحيطان.
ياسر بص لي وقال:
— «أنا ما سرقتش الفلوس… لكن أنا عارف مين سرقها.»
ثم خرج وأغلق الباب خلفه.
فضلت واقفة مشلولة.
لأن أول مرة بدأت أشك إن المشكلة اللي وقع فيها أخويا…
ما كانتش مشكلة حسابات.
كانت جريمة قديمة رجعت للحياة.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت لسه جاية…
لأن في نفس الليلة، وبعد ما الشرطة أخذت ياسر، اكتشفت في مكتبي ملفًا مخفيًا باسمي.
وكان أول سطر فيه:
«مريم هي الوريثة الوحيدة.»
أما السطر اللي بعده…
فكان كفيلًا بتدمير العيلة كلها.
يتبع…
نكمل من لحظة اكتشاف الملف المخفي باسم مريم، ومعه تبدأ الحقيقة القديمة ترتبط مباشرة بما يحدث لياسر.
فضلت واقفة قدام الملف، مش قادرة حتى ألمسه.
كان مكتوب على الغلاف:
«مريم حسن عبدالسلام — الوريثة الوحيدة.»
الكلمة دي لوحدها كانت كفاية تخليني مش فاهمة حاجة.
أنا؟
الوريثة الوحيدة؟
طيب ياسر كان إيه؟
وأبويا وأمي كانوا مخبيين عني إيه طول السنين دي؟
بصيت لسعاد.
— «إنتِ عارفة الملف ده؟»
قالت:
— «لأ.»
— «متأكدة؟»
هزت راسها.
— «لو كنت عارفة، كنت قلت لك.»
فتحت الملف.
أول حاجة لقيتها كانت شهادة ميلاد قديمة.
وبعدين عقد ملكية.
وبعدين ورقة من البنك.
لكن الورقة الأخيرة كانت مختلفة.
كانت مكتوبة بخط جدي.
«إلى مريم… إذا وصلتِ إلى هذه الأوراق، فهذا يعني أنني لم أستطع حمايتك بنفسي.»
حسيت بقشعريرة في جسمي.
كملت القراءة.
«أبوك وأمك سيحاولان إقناعك بأن أخاك هو الوريث الشرعي لكل ما أملك.»
رفعت عيني لأبويا.
كان واقف بعيد.
وشه متغير.
رجعت للورقة.
«لكن ياسر ليس ابني بالوراثة التي يظنها الجميع.»
اتجمدت.
— «يعني إيه؟»
أبويا صرخ:
— «اقفلي الملف!»
لكن سعاد قالت:
— «خليها تكمل.»
كملت القراءة.
«الحقيقة أن الأموال التي اختفت سنة 1996 لم تكن أموال المخبز وحدها.»
«كانت أموالًا أودعتها باسم حفيدتي مريم.»
إيدي بدأت ترتعش.
— «أموالي؟»
سعاد قربت مني.
— «كملي.»
«والسبب أنني كنت أعرف أن والديها لن يعطياها حقها عندما تكبر.»
رفعت عيني لأمي.
كانت بتبكي.
— «ليه؟»
ما ردتش.
رجعت للورقة.




