
محمود بص للورقة، وسألني:
— مريم… إنتِ تعرفي الشخص ده؟
هزيت راسي.
— لأ.
قال:
— يبقى لازم نعرف هو مين.
لكن قبل ما نبدأ ندور… وصل إيميل تاني. وكانت فيه جملة واحدة:
— لو عايزة تعرفي ليه جوزك كان بيحوّل فلوسك بعيد عنك، اسأليه عن اللي حصل قبل الجواز بشهر.
بصيت لفارس من آخر الصالة. وفجأة فهمت… إن حفلة عيد ميلاد أمه ماكانتشي بداية المشكلة. كانت مجرد اللحظة اللي كشفت أول سر. أما السر الحقيقي… فكان أقدم بسنين.
في اللحظة دي، حسيت إن كل حاجة اتغيرت. بصيت لفارس، وهو كان واقف في آخر الصالة وبيتكلم في الموبايل بصوت واطي. محمود لاحظ نظرتي وقال:
— ماتسأليهوش دلوقتي.
بصيت له باستغراب.
— ليه؟
قال:
— لأن الشخص اللي بعت الإيميل عايزك تسأليه. وده معناه إنه غالبًا مستني رد فعل فارس.
سكت. كان عنده حق. قفل فارس المكالمة ودخل الصالة. سألني:
— إنتِ بتبصيلي كده ليه؟
قلت:
— كنت بكلم محمود عن الطلاق.
وشه اتشد.
— لسه مصممة؟
— أكتر من الأول.
بص لمحمود، وبعدها قال:
— ممكن تسيبنا لوحدنا؟
محمود قام، لكن قبل ما يمشي قال لي:
— أي حاجة يقولها، ماتوقعيش على أي ورقة.
خرج. فارس قعد قدامي. فضل ساكت فترة طويلة. وبعدين قال:
— مريم… أنا عارف إن اللي حصل مع الأولاد كان غلط.
دي كانت أول مرة يقول فيها الجملة دي. لكنها ماكانتشي كفاية. قلت:
— كمّل.
— ماما كانت غاضبة، وأنا… ماعرفتش أتصرف.
هزيت راسي.
— إنت عرفت تتصرف. إنت اخترت.
سكت. فجأة سأل:
— لو قلت لك إن في حاجات حصلت قبل جوازنا، هتصدقي إني كنت بحاول أحميك؟
قلبي دق بسرعة.
— إيه الحاجات دي؟
فضل ساكت.
— فارس؟
بص في الأرض. وقال:
— قبل جوازنا بشهر، كان فيه موضوع مالي.
تذكرت الإيميل.
— تحويل؟
رفع عينيه بسرعة. واضح إن الكلمة صدمته.
— إنتِ عرفتي؟
قلت:
— مين الشخص اللي اسمه موجود في التحويل؟
اتغير وشه تمامًا. وعرفت إن الاسم مش غريب عليه. قلت:
— إنت تعرفه.
رد بعد صمت:
— أيوه.
— مين؟
تنهد.
— اسمه سامر.
— سامر مين؟
ما ردش. وقتها دخل محمود مرة تانية. كان ماسك موبايله. وقال:
— لقيت معلومات عن الاسم.
فارس وقف فجأة.
— إنت فتشت ورا مين؟
محمود رد:
— أنا ما فتشتش وراك. أنا بتابع مستندات أختي.
وبص لي.
— سامر ده كان شريك سابق لفارس في مشروع صغير قبل الجواز.
اتصدمت. بصيت لفارس.
— إنت عمرك ما قلت لي إن عندك شريك.
قال بسرعة:
— المشروع فشل قبل ما نتجوز.
محمود سأله:
— طيب ليه مبلغ كبير خرج من حساب مريم واتحول لسامر؟
فارس سكت. قلت:
— جاوب.
وأخيرًا قال:
— كنت مضطر.
— مضطر ليه؟
قال:
— كان عنده مستندات.
محمود اتدخل:
— مستندات إيه؟
فارس ما ردش. أنا حسيت إن الموضوع أكبر من مجرد ديون. قلت:
— كان بيهددك؟
هز رأسه ببطء.
— أيوه.
— بإيه؟
قال:
— بصور ومستندات عن المشروع.
محمود سأله:
— وإيه علاقة مريم؟
فارس بص لي.
— الحساب اللي استخدمته كان حسابك لأن حسابي وقتها كان عليه مشاكل.
سكت.
— يعني استخدمت فلوسي من غير إذني؟
قال:
— كنت ناوي أرجعهم.
ضحكت بسخرية.
— بعد كام سنة؟
— كنت هعمل كده.
محمود فتح الملف.
— المبلغ اتسحب قبل الجواز بأربعة أسابيع.
ثم أضاف:
— والغريب إن بعده بأيام، فارس حوّل مبلغ تاني من حساب مختلف لسامر.
بصيت لفارس.
— يعني ماكانش تحويل واحد.
ما ردش. وقتها فهمت إن في جزء من القصة لسه مخبيه. قلت:
— إيه اللي كان سامر ماسكه عليك؟
فارس فضل ساكت. ثم قال:
— مش عليّ أنا.
— أمال على مين؟
رفع عينيه.
— على أمي.
نوال. الاسم لوحده كان كفاية يفسر حاجات كتير. قلت:
— إيه اللي عملته أمك؟
فارس قال:
— قبل سنين، ماما كانت داخلة في شراكة معاه. حصل خلاف، والمشروع وقع. سامر قال إنه يقدر يثبت إن فيه فلوس اختفت.
محمود سأله:
— اختفت فين؟
فارس قال:
— مش عارف.
محمود رد فورًا:
— لو مش عارف، ليه دفعت له؟
فارس ماعرفش يجاوب. في اللحظة دي، رن موبايله. بص للشاشة. وكان اسم المتصل: سامر. فارس ما ردش. الموبايل رن مرة تانية. وبعدين مرة تالتة. قلت:
— رد.
قال:
— مش دلوقتي.
— ليه؟
— لأنه لو عرف إنك عرفتي، الموضوع هيتعقد.
محمود قال:
— الموضوع متعقد أصلًا.
وفجأة وصل لفارس رسالة. قرأها. وشه اصفر. قلت:
— إيه اللي فيها؟
ما ردش. محمود مد إيده.
— وريني.
فارس رفض. لكن بعدها بثواني، وصلني أنا نفس الرقم رسالة. فتحتها. كانت صورة قديمة. صورة لفارس ونوال وسامر قاعدين مع بعض في مكتب. وتحت الصورة جملة:
— اسألي حماتك عن الخزنة اللي في شقة مصر الجديدة.
رفعت عيني ببطء.
— خزنة؟
فارس تجمد. ومحمود قال:
— واضح إن شقة مصر الجديدة فيها حاجة أهم من مجرد ذكريات.
قلت لفارس:
— إنت كنت تعرف عن الخزنة؟
فضل ساكت. ثم قال:
— أيوه.
— من إمتى؟
— من زمان.
— وإيه اللي جواها؟
هز رأسه.
— ماعرفش.
في اللحظة دي، خرجت ليلى من أوضتها. كانت ماسكة ظرف بني قديم. وقالت:
— ماما… أنا لقيت ده في الدولاب اللي جدو كان بيستخدمه.
أخذت الظرف. كان عليه اسم والدتي. فتحته. جواه ورقة واحدة. رسالة قديمة بخط والدتي. قرأت أول سطر… واتجمدت مكاني. لأنها كانت كاتبة:
— مريم، لو في يوم فارس حاول يقنعك إن أمّه محتاجة فلوسك، افتكري إن الحقيقة مش زي ما هو هيقول لك.
رفعت عيني ناحية فارس. كان واقف مكانه، وشه شاحب. أما محمود، فكان بيقرأ الورقة من فوق كتفي. ثم قال بهدوء:
— مريم… والدتك كانت عارفة حاجة قبل ما تتجوزي فارس.
وفي نفس اللحظة، سمعنا صوت المفتاح في باب الشقة. نوال دخلت. ولما شافت الظرف في إيدي… وقفت مكانها. وبصت لي مباشرة. وقالت بصوت منخفض:
— مين سمح لك تفتحي الورقة دي؟
ساعتها عرفت إننا أخيرًا وصلنا للسر اللي كانوا بيحاولوا يخبوه عني طول السنين.
نوال وقفت قدامي وهي بتبص للظرف في إيدي كأنها شافت حاجة كانت بتحاول تدفنها من سنين. قالت بعصبية:
— حطي الظرف ده مكانه يا مريم.
رديت بهدوء:
— ليه؟ إيه اللي فيه؟
قالت:




