
“لو وقفنا، هما هيلحقونا.”
“بس إنت بتنـزف!”
قال:
“أنا أقدر أكمل.”
ردت بعصبية:
“إنت مش بطل! إنت هتموت لو فضلت كده.”
سكت.
ثم قال:
“أنا مش خايف أموت.”
مريم بصت له.
“أمال خايف من إيه؟”
نظر إلى الطفلين.
وقال:
“إنهم يوصلوا لهم.”
—
بعد حوالي ساعة، وصلوا إلى شقة قديمة كانت مريم تعرف صاحبتها.
سيدة كبيرة اسمها الحاجة نوال.
كانت بتعيش لوحدها، وبتعرف مريم من سنين.
أول ما شافتهم، فتحت الباب بسرعة.
لكن لما شافت ياسين والطفلين، اتفاجأت.
“إيه اللي حصل؟”
مريم قالت:
“هحكيلك بعدين.”
الحاجة نوال أدخلتهم وقفلت الباب.
ساعدت ياسين ينام على الكنبة.
وبعدها أخذت الأطفال.
“دول توأم؟”
مريم هزت رأسها.
الحاجة نوال ابتسمت رغم خوفها.
“ربنا يحميهم.”
بعد دقائق، ياسين فتح عينه.
قال:
“مريم.”
“نعم؟”
“لازم تعرفي الحقيقة.”
مريم قعدت قدامه.
“قول.”
أخرج من جيبه هاتفًا صغيرًا.
وحطه على الترابيزة.
“من سنتين، كنت براجع ملفات الديون.”
فتح الهاتف.
ظهرت مجموعة أسماء.
مريم قربت.
وفجأة…
شافت اسمها.
مريم الشامي.
وتحته:
المبلغ المستحق: 1,300,000 جنيه.
اتسعت عيناها.
“ده الدين بتاعي.”
ياسين قال:
“لأ.”
مريم بصت له.
“إيه؟”
“ده مش دينك.”
“يعني إيه مش ديني؟”
قال:
“والدتك كان عليها جزء من المصاريف الطبية فعلًا.”
“أيوه.”
“لكن المبلغ الحقيقي كان أقل بكتير.”
مريم بدأت تفهم.
“يعني الشركة…”
“زوّرت المستندات.”
سكتت.
ثم قال:
“والأغرب من كده… إن ملفك اتفتح من جديد من شهرين.”
مريم سألت:
“ليه؟”
ياسين لم يجب فورًا.
فتح ملفًا آخر.
وفيه صورة لوالدتها.
ثم صورة لمريم.
ثم صورة للمطعم.
مريم قامت واقفة.
“إنتوا كنتوا بتراقبوني؟”
قال:
“أنا كنت أحاول أعرف ليه.”
“ولقيت إيه؟”
ياسين أخذ نفسًا طويلًا.
“لقيت اسم شخص.”
“مين؟”
قال اسمًا جعل مريم تسكت.
سامح الديب.
مدير الشركة.
مريم كانت تعرف الاسم.
لأنها كانت تسمعه في كل مرة تتصل بها الشركة.
لكن ياسين أضاف:
“سامح مش هو الشخص اللي بيدير كل حاجة.”
“أمال مين؟”
قبل أن يجيب…
رن الهاتف.
رقم مجهول.
مريم نظرت إلى ياسين.
قال:
“ما ترديش.”
لكن الهاتف استمر في الرنين.
مرة…
ثم مرتين…
ثم ثلاث مرات.
وفجأة وصلت رسالة.
“لو عايزة تعرفي الحقيقة عن والدتك، تعالي وحدك.”
وتحتها عنوان.
مريم قرأت العنوان.
وكان المكان…
مستشفى خاص في أطراف الإسكندرية.
مريم بصت لياسين.
“أمي كانت بتتعالج في مستشفى زي دي.”
ياسين قال:
“عشان كده مش صدفة.”
—
في نفس الوقت…
كانت إحدى العربيات السوداء واقفة على بعد شوارع قليلة.
رجل في منتصف العمر كان جالسًا في المقعد الخلفي.
رفع الهاتف.
وقال:
“هربوا.”
جاءه صوت من الطرف الآخر:
“والراجل؟”
“معاه.”
“والأطفال؟”
“معاهُم.”
سكت الرجل لحظة.
ثم سأل:
“ومريم؟”
الرجل ابتسم.
“لسه فاكرة إن دي مشكلة ديون.”
الصوت الآخر قال:
“خليها تروح للمستشفى.”
الرجل استغرب.
“نمسكها هناك؟”
“لا.”
“أمال؟”
جاءه الرد:
“خليها تشوف بنفسها مين كان بيدفع علاج أمها.”
أغلق الهاتف.
—
في شقة الحاجة نوال…
كانت مريم ماسكة التليفون.
ياسين قال:
“لو رحتي، أنا هاجي معاكي.”
مريم ردت:
“إنت مش قادر تمشي.”
“يبقى أزحف.”
بصت له للحظة.
ثم قالت:
“إنت بتخبي عني حاجة.”
سكت.
“كل مرة أسألك، بتقول جزء.”
“لأن كل ما تعرفي أكتر، الخطر عليكي بيزيد.”
“أنا بالفعل في خطر.”
سكت ياسين.
مريم اقتربت منه.
“إيه علاقة الأطفال بالموضوع؟”
لأول مرة…
تغيرت ملامح ياسين.
بص ناحية آدم ونور.
وقال:
“دي مش أول مرة أحاول أحميهم.”
مريم سألت:
“أطفال مين؟”
ياسين لم يرد.
“أبوهم فين؟”
ظل صامتًا.
مريم رفعت صوتها:
“ياسين!”
قال أخيرًا:
“أبوهم مات.”
“وأمهم؟”
رفع عينه إليها.
وقال:
“أمهم لسه عايشة.”
مريم اتجمدت.
“فين؟”
ياسين بص ناحية الباب.
ثم قال:
“المشكلة إنهم مش بيدوروا عليها علشان يقتلوها.”
سكت لحظة.
“هما بيدوروا عليها علشان هي الوحيدة اللي معاها الدليل اللي ممكن يوقعهم كلهم.”
وفجأة…
صدر صوت من غرفة الأطفال.
مريم جريت ناحية الغرفة.
لكنها توقفت عند الباب.
كان فيه شيء موضوع بجوار الطفلين.
ظرف أبيض صغير.
مريم متأكدة إنها ما شافتهوش قبل كده.
فتحته.
جواه صورة قديمة.
صورة لياسين…
وهو واقف بجوار امرأة شابة تحمل طفلين.
وعلى ظهر الصورة جملة واحدة مكتوبة بخط اليد:
“لو وصلت الصورة لمريم… يبقى الوقت خلص.”
مريم فضلت ماسكة الصورة بإيد مرتعشة.
بصت لياسين.
ثم رجعت بصت للصورة.
المرأة اللي فيها كانت واقفة جنبه، وحاضنة الطفلين نفسهم.
آدم ونور.
نفس الملامح.
نفس الملابس تقريبًا.
لكن الحاجة اللي خلت مريم تحس إن الأرض بتتحرك تحت رجليها…
إن المرأة دي كانت شبه والدتها بشكل غريب.
مش شبه كامل.
لكن في العينين…
نفس النظرة.
مريم قربت الصورة من وشها.
“مين دي؟”
ياسين ما ردش.
“سألتك… مين دي؟”
قال بصوت هادي:
“اسمها سارة.”
“سارة مين؟”
“سارة منصور.”
مريم سكتت.
“وأنا أعرفها ليه؟”
ياسين قال:
“لأنها كانت بتشتغل مع والدتك.”
مريم شهقت.
“أمي كانت تعرفها؟”
“أكتر مما تتخيلي.”
رجعت تبص للصورة.
“والأطفال؟”
قال:
“دول أولاد سارة.”
مريم اتنهدت براحة للحظة.
“يعني مش أولادك.”
ياسين سكت.
مريم بصت له.
“إنت أبوهم؟”
فضل ساكت.
وكان صمته كفاية.
مريم قالت:
“إنت أبوهم!”
ياسين أخفض رأسه.
“أيوه.”
سكتت مريم ثواني.
ثم قالت:
“وأمهم فين؟”
“مش عارف.”
“إنت كداب.”
“والله ما أعرف.”
“إزاي مش عارف؟”
قال:
“آخر مرة شفتها كانت من خمسة شهور.”
“يوم ولادة الأطفال؟”
هز رأسه.
“بعد الولادة بيومين اختفت.”
مريم قربت منه.
“اختفت إزاي؟”
قال:
“كنت راجع من شغلي، لقيت البيت مفتوح.”
“وسارة؟”
“مش موجودة.”
“والأطفال؟”
“كانوا في السرير.”
سكت لحظة.
“وكان جنبهم ظرف.”
مريم سألت:
“إيه اللي كان جواه؟”
ياسين قال:
“تعليمات.”
“تعليمات لإيه؟”
“إن لو حصل لها حاجة، ما أسلمش الأطفال لأي حد.”
مريم بصت له.
“مين اللي كتبها؟”
ياسين أشار للصورة.
“سارة.”
—
الحاجة نوال كانت واقفة بعيد، وبتسمع من غير ما تتدخل.
لكن فجأة قالت:
“مريم.”
مريم بصت لها.
الحاجة نوال كانت ماسكة ورقة قديمة.
“الاسم ده… أنا شفته قبل كده.”
“مين؟”
“سارة منصور.”
مريم قربت منها.
“فين؟”
الحاجة نوال فتحت درج قديم.
طلعت منه مجموعة أوراق.
“من حوالي سنة، والدتك جت عندي.”
مريم اتفاجئت.
“أمي؟”
“أيوه.”
“كانت بتقول إيه؟”
الحاجة نوال قلبت في الأوراق.
ثم طلعت ورقة صغيرة.
“كانت بتسألني عن عنوان.”
مريم أخذت الورقة.
العنوان كان مكتوب عليه:
مكتب المحامي فؤاد كامل.
ياسين شاف الاسم.
وفجأة تغيرت ملامحه.
“إحنا لازم نروح له.”
مريم سألته:
“تعرفه؟”
قال:
“أعرف اسمه.”
“مين هو؟”
“المحامي اللي كان بيمسك ملفات الشركة.”
مريم بصت للورقة.
“يعني أمي كانت بتحاول تعرف حاجة عن الشركة قبل ما تمرض؟”
ياسين قال:
“أو كانت بتحاول توقفهم.”
—
بعد ساعة، خرجت مريم وياسين من شقة الحاجة نوال.
كانت مريم حاملة نور، وياسين حاملاً آدم.
اتجهوا لمكتب المحامي.
لكنهم لما وصلوا…
لقوا باب المكتب مفتوح.
الزجاج مكسور.
الأوراق مرمية على الأرض.
والكمبيوتر مكسور.
مريم قالت:
“حد سبقنا.”
ياسين دخل بحذر.
بدأ يفتش في الأدراج.
مفيش حاجة.
ثم توقف.
“هنا.”
كان فيه تجويف صغير خلف مكتبة خشب.
فتحه.
وجد صندوق معدني صغير.
مريم قربت.
“إيه ده؟”
ياسين فتح الصندوق.
جواه فلاشة.
وملف بني.
وصورة أخرى.
مريم أخذت الصورة.
كانت صورة والدتها.
لكن المرة دي…
والدتها كانت واقفة بجوار سامح الديب، مدير شركة تحصيل الديون.
مريم همست:
“مستحيل.”
ياسين فتح الملف.
كان فيه كشف حسابات.
أرقام.
تحويلات.
أسماء.
وفي آخر صفحة…
كان اسم والدتها.
لكن بجواره مبلغ ضخم.
مريم قالت:
“أمي كانت بتاخد فلوس منهم؟”
ياسين هز رأسه.
“لا.”
“أمال إيه؟”
أشار إلى خانة أخرى.
وقال:
“ده مش استلام.”
مريم قربت.
“ده إيه؟”
قال:
“دي فلوس كانت بتتحول لحسابها علشان يخلوا شكلها كأنها متورطة.”
مريم شعرت بالصدمة.
“يعني حد كان بيلفق لها قضية؟”
“بالضبط.”
“ليه؟”
ياسين لم يرد.
ثم فتح الفلاشة على الكمبيوتر الموجود بالمكتب.
كان عليها ملف فيديو واحد.
مدته ثلاث دقائق فقط.
ضغط تشغيل.
ظهرت شاشة سوداء.
ثم ظهر صوت امرأة.
مريم اتعرفت على الصوت فورًا.
صوت والدتها.
قالت:
“لو التسجيل ده وصل لمريم، يبقى أنا ما قدرتش أوصل للحقيقة.”
مريم حطت إيدها على بوقها.
والدتها تابعت:
“يا بنتي… أنا آسفة إني خبيت عنك.”
بدأت مريم تبكي.
الصوت استمر:
“الفلوس اللي دفعناها للعلاج ما كانتش كلها علاج.”
مريم بصت لياسين.
“إيه؟”
صوت والدتها قال:
“كانوا بيطلبوا مني أوقّع على مستندات.”
“وأنا رفضت.”
“بعدها بدأوا يهددوني.”
“ولما رفضت للمرة الأخيرة، قالوا لي إنهم هيخلوا بنتي هي اللي تدفع الثمن.”
الفيديو انقطع لثوانٍ.
ثم ظهر وجه والدتها.
كانت متعبة.
لكن عينيها ثابتتان.
قالت:
“مريم… لو شوفتي التسجيل ده، ما تثقيش في أي حد يقول لك إنه جاي ينقذك.”
ثم سكتت.
وقالت:
“خصوصًا ياسين.”
مريم تجمدت.
بصت لياسين ببطء.
هو كان واقف مكانه، ووشه شاحب.
مريم قالت:
“أمي كانت تعرفك.”
لم يرد.
“وكانت بتحذرني منك.”
سكت.
مريم رجعت تبص للشاشة.
لكن الفيديو اشتغل من جديد تلقائيًا.
ظهر صوت والدتها:
“ومع ذلك… لو كان ياسين هو اللي وصّل لك التسجيل…”
توقفت.
ثم قالت:
“اسمعيه للآخر.”
ياسين قرب من الشاشة.
وفي اللحظة التالية ظهر شيء لم يتوقعه أي منهما.
صورة كاميرا مراقبة.
كانت تُظهر سارة، أم الطفلين.
وهي تدخل مبنى الشركة.
وخلفها مباشرة…
والدة مريم.
مريم شهقت.
ثم ظهرت كتابة على الشاشة:
“قبل خمسة أشهر.”
وفي آخر ثانية من التسجيل…
ظهرت سارة وهي تسلم والدتها ظرفًا أسود.
ثم اقترب رجل من الكاميرا.
رفع وجهه.
مريم تعرفه.
ياسين يعرفه.
الحاجة نوال كانت قد ذكرته قبل قليل.
المحامي فؤاد كامل.
لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن ظهوره.
كانت في الشخص الذي وقف خلفه.
شخص لم تكن مريم تتوقع أن تراه أبدًا.
والدها.
الرجل الذي كانت تعتقد أنه مات منذ عشرين سنة.
مريم وقعت الصورة من إيدها.
وقالت بصوت مرتعش:
“أبويا…؟”
وياسين لم ينطق.
لأن هاتفه في نفس اللحظة وصلته رسالة.
فتحها.
وكان مكتوبًا فيها:
“دلوقتي عرفتي ليه دينك مليون وثلاثمائة ألف؟ لأنك مش بتدفعي فلوس… إنتِ بتدفعي ثمن السر اللي أبوكي أخفاه.”
مريم فضلت واقفة قدام شاشة الكمبيوتر، مش قادرة تستوعب اللي شافته.
صورة والدها كانت قدام عينيها.
والدها اللي كانت فاكرة إنه مات وهي صغيرة.
والدتها اللي قضت سنين وهي بتقول لها إن أبوها راح في حادثة ومفيش أي أمل إنه يكون عايش.
لكن الصورة كانت واضحة.
أبوها كان عايش.
والأخطر من كده…
إنه كان واقف في نفس المكان مع سارة ووالدتها.
مريم بصت لياسين.
“إنت كنت تعرف إن أبويا عايش؟”
ياسين سكت.
صرخت فيه:
“كنت تعرف؟!”
قال أخيرًا:
“عرفت من أسبوعين.”
“ومن أسبوعين ساكت؟”
“كنت بحاول أتأكد.”
“تتأكد من إيه؟ إن أبويا عايش؟!”
ياسين قرب منها.
“مريم، اسمعيني.”
لكنها رجعت خطوة.
“ماتقربش.”
توقف مكانه.
قال:
“أنا ما كنتش عايز أكذب عليكي.”
“أمال عملت إيه؟”
“كنت بحميكي.”
ضحكت مريم بسخرية ممزوجة بالدموع.
“كل واحد بيكذب عليا بيقول إنه بيحميني.”
ثم أشارت للشاشة.
“أمي حذرتني منك.”
ياسين قال:
“وأمك قالت لك تكملي التسجيل.”
“أيوه.”
“يبقى كمليه.”
مريم ترددت.
ثم ضغطت على الملف مرة أخرى.
ظهر وجه والدتها.
لكن هذه المرة كانت بتتكلم بسرعة، وكأنها عارفة إن وقتها قليل.
قالت:
“مريم، أبوكي ما ماتش.”
مريم حطت إيدها على صدرها.
الصوت استمر:
“أنا قلت لك إنه مات علشان أحميكي.”
ثم ظهرت دموع في عيني والدتها.
“أبوكي دخل في شغل مع ناس غلط، ولما حاول يخرج منهم، استخدموا فلوس الشركة ضده.”
“أنا كنت الوحيدة اللي عرفت الحقيقة.”




