عام

الكلمات الاولي لابني بقلم محمد عبده

الأوراق التي وقعها حسام منذ أسبوعين لم تكن كافية.

والدي كان قد وضع شرطًا يحمي الشركة.

لكن كان هناك شيء واحد لم نفهمه.

إذا كان أبي قد توقع كل ده…

فلماذا تركني أعيش سبع سنوات وأنا لا أعرف شيئًا؟

وفي نفس اللحظة، رن هاتفي.

كان رقمًا مجهولًا.

رددت.

جاءني صوت رجل.

“مدام مريم…”

قلت:

“مين؟”

قال:

“أنا سامر فؤاد.”

تجمدت.

قال:

“لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة عن حسام…”

سكت لحظة.

ثم قال:

“تعالي وحدك.”

وقبل ما أقفل، قال جملة واحدة:

“والأهم… ما تثقيش في الورقة اللي في إيدك.”

نظرت إلى الخطاب.

ثم إلى أستاذ ياسر.

ثم إلى حسام.

وفي اللحظة دي، فهمت إننا كنا لسه في بداية الحقيقة.

لأن سامر لم يكن يهددني.

كان يقول إنه يعرف شيئًا لم يخبرني به أبي.

شيئًا عن زواجي من حسام نفسه.

والسر ده…

كان ممكن يغيّر كل حاجة.

النهاية في الجزء الأخير…
وده الجزء الأخير والنهاية المقفولة، وفيه هنجمع خيوط القصة كلها ونكشف سر حسام وآدم والـ14 قرص، من غير ما نسيب نهايات مفتوحة.

ما رحتش أقابل سامر لوحدي.

لأول مرة في حياتي، قررت ما أتحركش بناءً على الخوف.

أستاذ ياسر كان معايا، وكل خطوة اتعملت بشكل قانوني.

قابلنا سامر في مكتب قديم بعيد عن مقر الشركة.

كان رجلًا كبيرًا في السن، وملامحه كانت متعبة.

أول ما شافني قال:

“أبوك كان عارف إن اليوم ده هييجي.”

قلت:

“أنا مش جاية أسمع ألغاز. عايزة الحقيقة.”

أخرج ملفًا ووضعه أمامي.

قال:

“حسام ما دخلش حياتك بالصدفة.”

شعرت بقلبي ينقبض.

فتح الملف.

كان فيه صور قديمة ومستندات.

وقال:

“قبل جوازك بحسام، كان فيه خلاف كبير بين والدك وبعض الشركاء.”

سألته:

“وإيه علاقة حسام؟”

قال:

“حسام كان بيشتغل مع والدك لفترة قصيرة.”

أنا كنت أعرف إن حسام اشتغل في الشركة، لكن لم أكن أعرف التفاصيل.

تابع سامر:

“والدك اكتشف إن فيه معلومات عن أصول الشركة بتوصل لشخص من بره.”

سألته:

“مين؟”

قال:

“أنا.”

اتصدمت.

“إنت؟”

هز رأسه.

“أيوه. لكني لم أكن الوحيد.”

ثم أشار إلى اسم في الملف.

حسام.

قال:

“حسام كان بينقل لي معلومات عن بعض العقود.”

شعرت بالغضب.

“يعني اتجوزني عشان الشركة؟”

سامر سكت.

ثم قال:

“في البداية، كان هدفه الشركة.”

“وفي النهاية؟”

قال:

“في النهاية… دخل في صراع مع نفسه.”

لم أفهم.

فأكمل:

“حسام وقع في حبك فعلًا.”

ضحكت بسخرية.

“الحب ما يمنعش اللي عمله.”

قال:

“صحيح.”

ثم أخرج ورقة أخرى.

“لكن لما والدك اكتشف كل حاجة، ما فضحش حسام.”

قلت:

“ليه؟”

قال:

“لأن والدك كان يعرف إن حسام مش أخطر شخص.”

سألته:

“مين الأخطر؟”

رفع عينيه لي.

“أمه.”

سناء.

المرأة التي عشت معها سنين وأنا أعتقد أنها مجرد أم متدخلة في حياة ابنها.

لكن الحقيقة كانت أكبر.

كانت تعرف عن التحويلات.

وتعرف عن المستندات.

وكانت على تواصل مع سامر.

أما حسام، فكان عالقًا بينهم.

قلت:

“والـ14 قرص؟”

هنا تغير وجه سامر.

قال:

“دي كانت الخطة الأخيرة.”

أستاذ ياسر تدخل:

“عايزين تفاصيل.”

قال سامر:

“سناء كانت بتضغط على حسام إنه يخلي مريم تختفي من المشهد لفترة.”

سألته:

“تختفي إزاي؟”

قال:

“عن طريق دخولها المستشفى.”

تجمدت.

الـ14 قرص لم تكن فيتامينات.

لكن سامر أكد أنه لا يستطيع الجزم بمحتواها، وأن هذا الأمر أصبح الآن ضمن التحقيق والفحص الطبي.

قلت:

“وليه آدم اتكلم في اليوم ده بالذات؟”

هنا ابتسم سامر بحزن.

وقال:

“لأنه كان مستني اللحظة اللي يحس فيها إنك محتاجة مساعدته.”

رجعت للبيت في نفس الليلة.

وجدت آدم مستنيني.

نزلت لمستواه واحتضنته.

قلت:

“ليه ما قلتليش من زمان إنك تقدر تتكلم؟”

حط إيده على وشي.

وقال:

“كنت خايف.”

“من مين؟”

سكت.

ثم قال:

“كنت خايف إنهم ياخدوكي مني.”

ضممته بقوة.

في اللحظة دي فهمت شيئًا لم أفهمه طوال سبع سنين.

آدم لم يكن ضعيفًا.

كان طفلًا يحاول حماية أمه بالطريقة الوحيدة التي عرفها.

الصمت.

بعد أيام، وصلت نتائج الفحص الرسمي للأقراص.

وأكدت أن محتواها لم يكن مطابقًا لما قاله حسام عنها.

بدأت الإجراءات القانونية فورًا.

كما تم فحص كل المستندات والتحويلات المالية.

وظهرت مخالفات وتلاعبات مالية مرتبطة بمحاولات نقل صلاحيات داخل الشركة.

حسام اعترف بجزء كبير من الحقيقة.

قال إنه دخل في الخطة من البداية، لكنه عندما أدرك أن الأمور تجاوزت حدود السيطرة حاول التراجع.

أما سناء، فأنكرت في البداية كل شيء.

لكن المستندات والرسائل أثبتت عكس ذلك.

وبعد شهور من التحقيقات، انتهى الأمر بخروج حسام من حياتي تمامًا.

أما الشركة…

فبقيت باسمي.

لم أسمح لأحد أن يستخدم اسم والدي أو تعبه مرة أخرى لتحقيق مصلحة شخصية.

لكن أهم شيء حصل لم يكن متعلقًا بالمال.

كان متعلقًا بآدم.

بدأ جلسات مع متخصصين يساعدونه على التعبير عن نفسه من غير خوف.

وفي البداية كان يتكلم بكلمات قليلة.

ثم جمل قصيرة.

ثم بدأ يتحدث أكثر.

وفي صباح أحد الأيام، دخل عليّ المطبخ.

كنت بجهز الفطار.

وقف بجانبي وقال:

“ماما.”

التفت له.

ابتسم.

وقال:

“ممكن تعمليلي بان كيك؟”

ضحكت.

وبدأت أبكي في نفس الوقت.

احتضنته وقلت:

“أعملك اللي إنت عايزه.”

ضحك وقال:

“بس كتير.”

قلت:

“كتير زي ما تحب.”

وبعدها، وأنا ببص له، افتكرت أول كلمة قالها لي.

لم تكن “ماما” فقط.

أول كلمة حقيقية قالها بعد سبع سنين كانت تحذيرًا.

كان يحاول ينقذني.

لكن الحقيقة التي تعلمتها في النهاية كانت أكبر من كل الأسرار:

أحيانًا الشخص الذي تظنه لا يفهم شيئًا… يكون هو الوحيد الذي رأى الحقيقة كاملة.

أما الأربع عشرة حبة التي تركها حسام على الطاولة…

فلم تكن نهاية القصة.

كانت أول دليل جعلني أتوقف عن تصديق كل شيء يُقال لي.

ومن يومها، لم أعد أخاف من الحقيقة.

لأن الحقيقة، مهما كانت مؤلمة…

أفضل ألف مرة من حياة كاملة مبنية على كذبة.
تمت

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى