
معاه.. وإنكِ مش عايزة غير الفلوس.
قعدت على الكنبة.. الدنيا لفت بيا. كل اللي كنت بتحمله من أمل إنه راجع.. كل اللي كنت أقوله لعمر عن باباه اللي بيحبوه وبيشتغل عشانهم.. كل ده كان كڈب!
ليه مقلتليش من الأول؟
كنت خاېف أجرحكِ.. وكنت مستني أتأكد بنفسي. ولسه فيه أكتر من كده.
مدلي صورة من محفظته القديمة.. لما شفتها، كدت أقع من مكاني. مصطفى واقف مبتسم، وجنبه.. أحمد!
كنا شركاء.. وأصدقاء من الصغر. عرفته من واحنا في المدرسة. سافرت معاه بناءً على ثقة عمياء.. واتضح إنه كان بيعمل كل حاجة باسمنا، والفلوس بتتروح لغير مكانها. لما واجهته.. هددني وقاللي ارجع من حيث جيت.
وأماني.. وأمها؟
غمض عينيه پألم
هي كانت عارفة كل حاجة.. حاولت تقف جنبي، وطلبت من المصطفى يرجعلكِ حقكِ.. فطردنا مع بعض. في الطريق رجعت لبيت أهلها، وهي تعبت فجأة.. وما قدرتش تصل لحد يساعدني.
بكيت بصمت.. مش عشان خېانة مصطفى بس، عشان الثقة اللي كنت حاطاها في شخص ما يستاهلش. أحمد قعد جنبي بحرص
أنا آسف يا رضوى.. ما كانش لازم أقولكِ الحقيقة بهالطريقة.
لا.. شكرًا ليك.. كنت محتاجة أعرف من زمان.
الجزء الثالث
مرت الأيام التالية ببطء وثقل. الطريق اتفتح بس أحمد ما مشى.. قلتله يروح ويجيبله إذن من المستشفى ويشوف أمور أماني، بس رجع تاني في نفس اليوم ومعاه ورقة طبية وموعد للمتابعة.
المكان اللي أنا ساكن فيه حالياً مش مناسب لطفلة.. قال بتردد وما أقدرش أسيبكِ وحدكِ بعد ما عرفت كل حاجة عن مصطفى.
يعني إيه؟
عايز أعرض عليكِ اقتراح.. بيتكِ محتاج ترميم كتير، وأنا محتاج مكان مناسب أربّي فيه بنتي. اتفقنا نعيش مع بعض.. كأهل، كشركاء. كل واحد ليه مسؤوليته. أنا أصلح البيت وأصرف عليكم لحد ما تقفي على رجلكِ.. وأنتِ تساعديني في أماني وتربيها مع ياسين. وبعد سنة.. لو شفتي إنك مش عايزة نكمل.. نمشي كل واحد في طريق بسلام.
بصيت لعمري اللي كان بيلعب مع أماني وبيضحك لأول مرة من زمان.. وبصيت لأحمد اللي عينيه صادقة ومليانة رجاء.
والناس؟ قلت پخوف هيتكلموا علينا.
الناس اللي تعرفنا هتفهم.. والباقي وقتهم يثبت لهم الحقيقة. المهم نحمي العيال ونحمي نفسنا.
اتفقنا.. بس كنت حاطة حدود صارمة. كل واحد فينا في أوضة، والبيت مشاع بس باحترام تام. بدأنا حياة جديدة.. صعبة ومش متوقعة، بس فيها أمل ما كنت حاسّاه من قبل.
أحمد صعد السقف كله، غير الشبابيك، رمم الحيطان، ورصف الأرضية المتآكلة. كل يوم كان يطلع الصبح ويجي بالليل ومعاه أكل وحاجات البيت، وما يبقاش معاه غير القليل.
منين الفلوس دي؟ سألتوه مرة.
بعت اللي معايا من حاجات قال ببساطة المهم البيت يبقى جاهز.
في يوم من الأيام، وأنا في السوق، سمعت ناس يهمسوا ورايا جوزها رجع من السفر بسرعة.. قالوها وحيدة والبيت مليان رجالة.. رجعت البيت قلقة، بس أحمد هدّأني
الكلام ده بيمشي يا رضوى.. اعملي اللي عليكِ وخلّي الباقي على ربنا.
وبعد أسبوعين بالظبط، الباب خبط في عز الليل. قلبي دق.. عرفت الطريقة دي في الطرق. فتحت الباب ووجدته واقف مصطفى!
كان متغير، شكله أقلق، وملابسه غالية بس مش مرتبة. بص لي بكل وقاحة
سمعت إنك استقبلتي راجل غريب في بيتي.. ده كلام الناس يا رضوى!
بيت أبوي.. مش بيتك رديت بثبات لم أتوقعه من نفسي وأنتِ ليه جاي؟ ما كنتش مسافر؟
دخل من غير ما يستأذن
رجعتلكم.. كفاية بعاد. جهزوا نفسكم، هنروح نعيش مع
بعض.
أحمد طلع من المطبخ حيث كان بيجهز حليب لأماني.. لما شافه مصطفى اتغير لونه
أنتَ هنا بتعمل إيه؟!
أحمي اللي تركتها وراك رد أحمد ببرود البيت ده مش مكانك تاني.
أنتَ خڼتني يا صاحبي.. وسړقت مراتي! صړخ مصطفى.
أنا ما خنتش غير الصداقة اللي كنت أظنها حقيقية. وأنتِ اللي تركتها وتخليت عن عيالك.
تشاجرا بالكلام.. مصطفى هدد واتوعد، وأحمد واجهه بكل هدوء وثبات
لو عندك حق روح للمحكمة.. بس قبل ما تخرج من هنا، اعرف إن رضوى عرفت كل حاجة. إنك هنا من زمان.. وإنك ما كنتش وحيد.
مصطفى بصلي.. شاف الصدمة في عينيّ والڠضب اللي بدأ يملأني. عرف إن الكشوفة حصلت.
هتندموا على ده قال بصوت غاضب البيت ده ملكي أنا.. وهاخده بكل الطرق!
خرج وترك الباب مفتوحاً وراه. رجعت أرتجف.. أحمد مسك إيدي بحرص
ما تخافيش.. أنا معاكِ.
عنده حق في البيت يا أحمد.. الورق مسجل باسمه.
الورق اللي بأيده مش كل حاجة.. الحق فين يا رضوى؟ الحق مع من سقى وبنى وحمى.
الجزء الرابع
الأيام اللي جت كانت صعبة جداً. مصطفى بدأ يرسل لي رسائل ټهديد سأحرمكِ من كل حاجة البيت هيرجع لي الولد ابني وهاخده. كنت أقراها وأحس بالخۏف، بس كنت أحاول أكون قوية قدام العيال.
أحمد أخذني لمحامٍ قديم.. شرحنا له كل حاجة. المحامي هز رأسه بقلق
السند باسمه فعلاً.. وإن كان اللي دفع تمنه أبوها، بس الورق الرسمي باسمه. هتحتاجوا شهادات وأدلة تثبت إنه ما دفعش قرش واحد.
عندي شهادات قلت بثقة أهل البلد كلهم شافوا أبويا وهو بيدفع.
ممتاز.. بس مصطفى مش ساكت. خلي بالكم.
وفي يوم الاثنين الصبح، جالنا الخبر الصاډم.. المحكمة استجابت لطلب مصطفى بالحجز على البيت لحين الفصل في القضية! جاء الموظفين وعلقوا الإشعار على الباب.
ممكن تخرجوا من البيت خلال أسبوع قال الموظف بكل برود لو الحكم ليه تملّكوا فوراً.
وقفت قدام الباب المعلق والدموع بتجمّع في عينيّ.. أين أذهب بطفلين وحدي؟
أحمد رجعني للبيت وقعدني
ما تقلقيش.. لن نخرج من هنا بلا حكم.
وإيه الحل؟ بكيت كل حاجة ضاعت.
ما ضاعت حاجة.. المعركة لسه في أولها. هنقف قدام الحق ونطالب بحقنا.
بدأنا نجمع الأدلة.. نروح لمن دفع لهم أبويا، نأخذ شهادات الجيران، نسجل كل كلمة قيلت. أحمد كان معايا في كل خطوة، ما تركني وحدي في مكان.
ذات ليلة، كنت قاعدة في الصالة أفكر في كل حاجة.. جاني أحمد وقعد بعيد عني باحترام
عايز أقولكِ حاجة.. ومش عايزكِ تردي غير لما تكوني مقتنعة.
اتفضل.
لو خسرنا البيت.. عندي مكان نروحله. مش كبير، بس نظيف ومأمون. نبدأ من جديد.. مع بعض.
بصيت له.. شفت في عينيه أمانة وحب حقيقي ما شفته من قبل.
ليه بتعمل كل ده يا أحمد؟ ممكن تسيبنا وتمشي.. محدش يلومك.
لأنكم أهلي قال ببساطة أماني محتاجة أم.. وأنتِ محتاجة سند. وأنا محتاج أكون إنسان صالح بعد ما كنت ساكت على كتير من الظلم.
في اليوم الموعود، دخلنا قاعة المحكمة.. مصطفى كان واقف بكل ثقة، ومعاه محامٍ كبير. كنت مرتجفة، بس أحمد مسك إيدي تحت الطاولة وضغط عليها بلطف.. طمنّي.
المحامي بتاع مصطفى تكلم أولًا
السند باسمه، والبيت مسجل له قانونياً. الست رضوى مقيمة فيه بصفة مؤقتة فقط.. والآن تطالب بالملكية بلا أي دليل مكتوب.
المحامي بتاعنا رد بهدوء
صحيح السند باسمه.. بس من دفع الثمن؟ من سكن وعمر وحمى البيت طوال السنين؟ السيد مصطفى نفسه اعترف إنه سافر




