روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

«التوقيع ده مزور.»
وقتها بدأت أفهم ليه ابني كان خايف.
لكن قبل ما أقدر أقلب الصفحة…
سمعت صوت باب المخزن بيتقفل ورايا.
التفت.
وكان كريم واقف عند الباب.
وبيبتسم.
وقال بهدوء:
— كنت عارف إنك هتلاقيه في الآخر يا عم حسن.
سكت.
قال:
— بس للأسف… إنت جيت متأخر.
وبعدين رفع موبايله قدامي.
على الشاشة كانت صورة لأحمد وهو راقد في سريره.
ثم قال:
— لو فتحت الملف ده… ابنك مش هيكون الشخص الوحيد اللي هيدفع الثمن.
ثبتُّ عيني في عين كريم.
ما خوفتش.
يمكن من جوايا كنت مرعوب، لكني ماكنتش هديه فرصة يشوف ده.
قلت له بهدوء:
— إنت بتهددني؟
ضحك ضحكة قصيرة.
— أنا بنصحك يا عم حسن. سيب الموضوع ده، وارجع لورشتك. ابنك محتاج الهدوء، مش المشاكل.
بصيت للموبايل اللي في إيده.
الصورة كانت فعلًا لأحمد.
بس كان فيه حاجة غريبة.
الصورة اتصورت من داخل البيت.
ومن زاوية قريبة جدًا من سريره.
يعني الشخص اللي صورها كان موجود جوه أوضة ابني.
قلت:
— إنت كنت بتدخل أوضته من غير إذنه؟
وشه اتغير للحظة.
لكنه استعاد هدوءه بسرعة.
— إنت بتدور على مشاكل مالهاش لازمة.
اتقدمت خطوة.
— وأنا كمان هسألك سؤال… إيه علاقة التوقيع المزور اللي في الملف بالشركة؟
سكت.
لأول مرة ما لقيش رد سريع.
ابتسم وقال:
— افتح الملف وشوف بنفسك.
وبعدين فتح باب المخزن وخرج.
فضلت واقف ثواني.
كنت أقدر أرجع البيت وأنسى كل حاجة.
لكن كان واضح إن ابني خبّى الأدلة دي لسبب.
قعدت على الأرض وفتحت الملف.
كان فيه عقود.
تحويلات مالية.
إيصالات.
وصور لمحادثات بين مروة وشخص ماعرفتش اسمه.
لكن في آخر الملف لقيت ورقة عليها ختم رسمي.
قرأت أول سطر…
وحسيت إن الدم اتجمد في عروقي.
كان فيه طلب لنقل ملكية جزء كبير من شركة أحمد إلى شركة جديدة.
والشركة الجديدة كان اسمها:
شركة الأفق للمقاولات.
والمدير المسجل فيها…
كريم.
فهمت أخيرًا.
الموضوع ماكانش مجرد علاقة بين مروة وكريم.
كان فيه مخطط للاستيلاء على شركة ابني.
لكن السؤال الأصعب:
إزاي؟
قلبت الأوراق بسرعة.
ولقيت مستندًا مكتوبًا فيه إن أحمد وافق على نقل ملكية الشركة قبل الحادث بأسبوعين.
لكن التوقيع كان مزور.
عرفت خط أحمد كويس.
أنا اللي علمته يمسك القلم أول مرة.
والتوقيع اللي قدامي ماكانش توقيعه.
صورت كل الورق بالموبايل.
وقبل ما أخرج، لقيت ظرف صغير في قاع الخزانة.
فتحت الظرف.
كان فيه تسجيل صوتي على فلاشة تانية.
حطيتها في جيبي.
ورجعت البيت.
دخلت من غير ما أتكلم مع حد.
لكن وأنا ماشي ناحية أوضة أحمد، سمعت صوت مروة بتتكلم في التليفون.
كانت بتقول:
— لازم نخلص قبل ما يفوق.
وقفت ورا الباب.
سمعت صوت سهير:
— ولو فاق؟
مروة ردت:
— مش هيفتكر حاجة.
سهير قالت:
— وإنتِ متأكدة؟
مروة سكتت.
وبعدين قالت:
— الدكتور نفسه قال إن ذاكرته ممكن تتأثر.
قلبي وجعني.
دخلت الأوضة فجأة.
الاتنين سكتوا.
مروة قفلت المكالمة بسرعة.
بصيت لها.
— كنتِ بتتكلمي عن مين؟
— مفيش حد.
— أنا سمعتك.
قالت بعصبية:
— إنت بتتجسس عليّ؟
رديت:
— وأنا بقى لازم أتجسس عشان أعرف إيه اللي بيحصل لابني في بيته؟
سهير تدخلت:
— يا عم حسن، كفاية مشاكل. الراجل تعبان.
بصيت لها وقلت:
— وأنا مش هسيبه لوحده.
دخلت عند أحمد.
قعدت جنبه.
كان نايم.
قربت من ودنه وقلت:
— أحمد… لو سامعني، أنا مش هسيب حقك.
فجأة…
إيده اتحركت.
لكن المرة دي ما ضغطش على إيدي.
هو رفع إصبعه.
وبصعوبة شديدة، حاول يحركه في اتجاه درج صغير جنب السرير.
بصيت ناحية الدرج.
كان مقفول.
فتحتُه.
ماكانش فيه غير ورقة صغيرة.
فتحتها.
وكان مكتوب عليها:
«بابا… متثقش في مروة. الشخص اللي ورا كل ده مش كريم.»
وقفت مكاني.
رجعت بصيت لأحمد.
حاولت أفهم.
مين الشخص اللي ورا كل ده؟
لو كريم مجرد أداة…
مين اللي بيحركه؟
قلبت الورقة.
لقيت في ظهرها رقم تليفون.
وتحت الرقم اسم واحد:
سامي.
سامي؟
مين سامي؟
كنت أعرف كل أصحاب أحمد تقريبًا.
لكن الاسم ده ماكانش مألوف بالنسبة لي.
خرجت من الأوضة بهدوء.
فتحت موبايلي واتصلت بالرقم.
رن مرة.
مرتين.
تلات مرات.
وبعدين حد رد.
صوت راجل كبير.
— ألو؟
قلت:
— حضرتك سامي؟
سكت.
ثم قال:
— مين؟
— أنا حسن… والد أحمد.
الصمت طال.
وبعدين سمعت نفسًا عميقًا.
وقال:
— أحمد كان قايلي إن لو حصل له حاجة، ماكلمكش إلا لما أتأكد إنك لوحدك.
بصيت حواليا.
كنت واقف في الصالة.
ومروة وسهير في المطبخ.
قلت:
— أنا لوحدي.
قال:
— لأ… مش لوحدك.
اتجمدت.
— يعني إيه؟
قال:
— الشخص اللي جنبك دلوقتي مش هو الخطر الحقيقي.
بصيت ناحية المطبخ.
مروة كانت واقفة عند الباب.
بتبص لي.
قال سامي:
— اسمعني كويس يا حسن… أحمد كان عارف إنهم هيفبركوا له أوراق. لكنه ماكانش عارف إنهم هيحاولوا يوصلوا له بالطريقة دي.
قلت:
— إيه الطريقة؟
سكت لحظة.
وبعدين قال جملة خلتني أقعد على الكرسي:
— الحادث اللي حصل لابنك… ماكانش حادث عادي.
وقبل ما أقدر أسأله أي سؤال، المكالمة اتقطعت.
وفي نفس اللحظة…
سمعت صوت حاجة وقعت جوه أوضة أحمد.
جريت عليه.
لقيت مروة واقفة جنب السرير.
وأحمد كان فاتح عينيه.
لأول مرة من يوم الحادث.
بص لي مباشرة.
وبصوت ضعيف جدًا، كأنه بيحاول يطلع كل حرف من بين الألم، قال:
— بابا…
قربت منه وأنا مش مصدق.
مسكت إيده.
— أنا هنا يا ابني.
حرك شفايفه بصعوبة.
وقال:
— العربية…
سكت.
قلت:
— عربية إيه؟
بص ناحية مروة.
ثم بص لي تاني.
وقال بصوت متقطع:
— اتخبطت… قبل ما أقع.
مروة شهقت.
وأنا فهمت في اللحظة دي…
إن ابني بدأ يفتكر.
وإن الحقيقة اللي حاولوا يدفنوها مع الحادث…
بدأت ترجع واحدة واحدة.
فضلت ماسك إيد أحمد وأنا مش قادر أتكلم.
الكلمة اللي قالها كانت بتدور في دماغي:
«العربية… اتخبطت قبل ما أقع.»
بصيت لمروة.
وشها كان أبيض.
قالت بسرعة:
— هو لسه مش واعي كويس… أكيد مش فاكر حاجة.
لكن أحمد حرك عينه ناحيتها.
ولأول مرة، شفت الخوف الحقيقي في عينيها.
قربت من ابني وقلت:
— أحمد، حاول تفتكر… مين كان موجود؟
غمض عينه.
وبعد ثواني فتحها.
حاول يرفع إيده، لكن جسمه ما ساعدوش.
قال بصوت ضعيف:
— عربية… سودا.
سألته:
— شفت السواق؟
هز رأسه بالنفي.
ثم قال:
— قبل الخبطة… عربية سودا كانت ورايا.
سكت شوية، وكأنه بيحاول يجمع الذكريات.
— اتصلت بمروة.
بصيت لمروة.
— قالت إيه؟

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى