روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

أحمد غمض عينه.
وبصعوبة قال:
— قالتلي… أرجع البيت.
مروة بدأت تتوتر.
— أحمد، كفاية! إنت محتاج يرتاح.
بصيت لها:
— هو اللي بيتكلم… مش إنتِ.
لكن أحمد فجأة شد على إيدي.
كان بيحاول يقول حاجة.
قربت ودني منه.
همس:
— الفلاشة…
قلت:
— الفلاشة اللي في الصندوق؟
هز رأسه.
— التانية.
افتكرت الفلاشة اللي لقيتها في الخزانة رقم 17.
خرجتها من جيبي.
أحمد شافها.
غمض عينه وكأنه اطمأن.
قلت له:
— هعرف كل حاجة.
لكن قبل ما أخرج من الأوضة، دخلت الدكتورة سارة.
قالت إن أحمد محتاج يرتاح، وطلبت من الجميع يخرجوا.
خرجت للصالة.
بعد دقائق، سمعت مروة بتتكلم مع كريم في المطبخ.
قربت من غير ما يحسوا.
قال كريم:
— لازم الفلاشة تختفي.
مروة ردت:
— لو حسن شافها، كل حاجة هتضيع.
— طيب ناخدها منه.
— لأ… هو مش هيطلعها من البيت.
قال كريم:
— يبقى لازم نتصرف قبل ما أحمد يستعيد ذاكرته بالكامل.
وقتها رجعت خطوة للخلف.
ماكانش عندي أي شك.
كانوا عارفين إن أحمد بدأ يفتكر.
وعارفين إن الفلاشة فيها دليل.
رجعت لغرفتي، قفلت الباب، وحطيت الفلاشة في اللابتوب.
ظهر ملف واحد فقط.
اسمه:
الحقيقة.
فتحته.
كان تسجيل صوتي.
سمعت صوت أحمد.
كان بيتكلم قبل الحادث بأيام.
— بابا، لو إنت بتسمع التسجيل ده، يبقى غالبًا حصل اللي كنت خايف منه.
صوته كان هادي، لكنه واضح.
— اكتشفت إن فيه تحويلات مالية خرجت من حساب الشركة من غير علمي. في البداية افتكرت إنها أخطاء محاسبية، لكن لما راجعت المستندات لقيت إن فيه حد بيستخدم توقيعي.
ثم سمعت صوت ورق بيتقلب.
— الشخص اللي اكتشفته مش مروة.
وقفت.
إيه؟
كملت التسجيل.
— مروة كانت بتنفذ تعليمات شخص تاني.
سكت أحمد ثواني.
ثم قال:
— الشخص ده قريب مني جدًا.
حسيت بقشعريرة.
— وعلشان كده مش قادر أثق في أي حد حواليّ.
ثم جاء الجزء الأخطر.
— لو حصل لي حادث، متصدقش أي كلام عن إن العربية فقدت السيطرة. أنا غيرت الفرامل من أسبوع، وكانت سليمة.
وقتها فهمت.
الحادث ماكانش مجرد حادث.
كان فيه شخص حاول يوقف أحمد عن كشف الحقيقة.
لكن مين؟
التسجيل استمر.
— بابا، أنا مخبي المستندات الأصلية في مكان محدش هيفكر يدور فيه.
ثم قال:
— في الصندوق اللي عندك فيه مفتاح… المفتاح ده مش للخزانة رقم 17.
تجمدت.
كنت فاكر إن المفتاح هو اللي فتح الخزانة.
لكن أحمد قال:
— الخزانة رقم 17 مجرد بداية.
ثم نطق كلمة واحدة:
— الورشة.
وقفت بسرعة.
ورشة والدي القديمة!
المكان اللي كنت فاكر إني قفلته من سنين.
أحمد كان مخبي هناك باقي الأدلة.
لكن التسجيل لم ينتهِ.
سمعت صوته يقول:
— ولو عايز تعرف مين الشخص اللي ورا كل ده… افتح الخزنة القديمة اللي تحت طاولة النجارة.
ثم انقطع التسجيل.
في نفس اللحظة، خبط حد على باب غرفتي.
قفلت اللابتوب بسرعة.
كان محمود، ابني التاني.
قال:
— بابا، لازم تيجي معايا.
— ليه؟
بص حواليه، وبعدين قال:
— مروة عرفت إنك سمعت التسجيل.
سكت.
ثم أضاف:
— وكريم راح الورشة القديمة.
قلبي وقع.
— راح هناك ليه؟
محمود رد:
— مش لوحده.
— مع مين؟
بص لي وقال:
— مع شخص أنا متأكد إنك مش هتصدق إنه شريكهم.
خرجنا بسرعة.
وأثناء الطريق، كنت أفكر في سؤال واحد:
مين الشخص القريب من أحمد اللي كان بيحرك كل الخيوط؟
لما وصلنا الورشة…
لقيت الباب مفتوح.
دخلت.
كل شيء كان متبهدل.
الأدراج مفتوحة.
الأوراق على الأرض.
الأدوات مرمية.
واضح إن حد كان بيدور على حاجة.
تحت طاولة النجارة، لقيت الخزنة القديمة.
جربت المفتاح.
فتحت.
وكان جواها ملف واحد.
مسكته.
لكن قبل ما أفتحه…
سمعت صوت خلفي:
— متفتحهش يا حسن.
التفت.
وشفت الشخص اللي ماكنتش أتخيل أبدًا إنه يكون جزء من الموضوع.
كان واقف قدامي…
محمود، ابني التاني.
بص لي وقال:
— أنا كنت بحاول أحمي أحمد… لكن الأمور خرجت عن السيطرة.
بصيت له مصدوم.
— إنت؟
هز رأسه.
وقال:
— أنا عارف مين اللي خطط للحادث.
ثم اقترب مني وهمس:
— واللي مخطط له… مش مروة، ولا كريم.
سكت لحظة.
ثم قال:
— هو شخص من عيلتنا.
وفي نفس اللحظة، رن موبايلي.
كانت الدكتورة سارة.
رديت.
صوتها كان متوترًا:
— عم حسن… لازم ترجع المستشفى حالًا.
— أحمد حصل له إيه؟
قالت:
— فاق بالكامل.
ثم سكتت لحظة قبل أن تقول:
— لكنه طلب يقابلك لوحدك… وقال إن عنده اسم الشخص اللي حاول يقتله.
رجعت المستشفى وأنا مش قادر أستوعب اللي سمعته.
أحمد فاق بالكامل.
وابني محمود اعترف إنه يعرف مين خطط للحادث.
وفي إيدي ملف من الخزنة القديمة، لسه ما فتحتهوش.
دخلت أوضة أحمد.
كان قاعد على السرير، ضعيف جدًا، لكن عينيه المرة دي كانوا ثابتين.
أول ما شافني قال:
— اقفل الباب يا بابا.
قفلت الباب.
قربت منه.
— مين اللي عمل فيك كده يا أحمد؟
بص لي فترة طويلة.
ثم قال:
— عمي محمود.
اتصدمت.
— محمود؟ أخوك؟
هز رأسه.
— لأ… عمي محمود أخو أمي.
افتكرت.
محمود، أخو أمه، كان شريكًا قديمًا لوالد أحمد في مشروع صغير قبل سنوات.
أحمد كمل:
— هو كان عايز يسيطر على الشركة من زمان. ولما رفضت، بدأ يستخدم مروة وكريم عشان يضغطوا عليّ.
قلت:
— لكن خالك محمود كان هنا النهارده!
ابتسم أحمد بحزن.
— ده مش هو.
فتحت عيني بدهشة.
— يعني إيه؟
قال:
— الشخص اللي قابلته في الورشة… كان بيكدب عليك.
فهمت فجأة.
محمود ابني لم يكن جزءًا من المؤامرة.
الشخص اللي ظهر في الورشة كان شخصًا آخر، ينتحل صفته.
كل شيء بدأ يتضح.
أخرجت الملف من حقيبتي.
فتحته أمام أحمد.
كان بداخله أصل العقود، والتحويلات، وصور كاميرات مراقبة، وتسجيلات لمكالمات.
وفي آخر ورقة…
كان اسم الشخص الذي يدير كل شيء.
محمود الشاذلي.
خال أحمد.
لكن كان هناك شيء آخر.
صورة من كاميرا مراقبة للطريق ليلة الحادث.
العربية السوداء ظهرت خلف سيارة أحمد.
واللوحة كانت واضحة.
والأهم…
كان يقودها كريم.
أما مروة، فكانت قد زورت بعض أوراق الشركة وسلمتها له.
لكن الشخص الذي دفع المال وأعطى الأوامر كان خال أحمد.
اتصلت بالشرطة وقدمت لهم كل الأدلة.
وبعد ساعات، بدأت التحقيقات.
مروة انهارت واعترفت بكل شيء.
قالت إنها لم تكن تتوقع أن يصل الأمر إلى محاولة قتل.
كريم اعترف بأنه كان يقود السيارة ليلة الحادث، لكنه قال إن محمود طلب منه فقط «تخويف أحمد».
لكن التسجيلات أثبتت أن الأمر كان أكبر من ذلك.
أما الرجل الذي ظهر أمامي في الورشة…
فاكتشفنا أنه أحد رجال محمود، وكان يحاول الوصول إلى الخزنة قبل الشرطة.
وبعد أيام، صدر أمر بالقبض على الجميع.
أما أحمد…
فبدأ رحلة طويلة من العلاج والتأهيل.
كان ضعيفًا في البداية، لكنه كل يوم كان يتحسن خطوة.
وفي صباح هادئ بعد عدة أشهر، كنت قاعد في ورشتي القديمة أصلح كرسيًا.
دخل أحمد.
كان ماشي بالعكاز.
وقفت من مكاني.
— إيه اللي جابك هنا؟
ابتسم وقال:
— جاي أشتغل معاك.
ضحكت.
— إنت؟ تسيب الشركة وتيجي تنجّر؟
قال:
— الشركة اتعلمت منها درس كفاية.
وبعدين بص للكرسي وقال:
— بس فاكر لما كنت وأنا صغير بقعد جنبك وسط نشارة الخشب؟
ابتسمت.
— فاكر طبعًا.
قال:
— كنت فاكر إنك كنت بتعلمني النجارة.
سألته:
— وأهو طلعت بتعلمك إيه؟
ابتسم.
— كنت بتعلمني إن الحاجة اللي بتتبني بإيدك… ما تتسابش بسهولة.
قرب مني وحضني.
ولأول مرة من شهور، حسيت إن ابني رجع لي فعلًا.
مش بس لأنه فتح عينيه…
لكن لأنه رجع يعرف مين أبوه، ومين وقف جنبه وقت ما الكل تخلى عنه.
أما الصندوق السري…
فاحتفظت به.
مش عشان أخبي سر جديد.
لكن عشان يفضل شاهد على الحقيقة:
أحيانًا الناس بتفتكر إن الشخص اللي نايم ومش قادر يتكلم خلاص فقد كل شيء.
لكن الحقيقة إن الصمت مش معناه الغياب.
وأحمد، رغم كل اللي حصل له، كان بيسمعني طول الوقت.
وفي آخر يوم في المستشفى، قال لي جملة واحدة عمري ما هنساها:
— كنت سامعك يا بابا… كل يوم.
وساعتها فهمت إن كل مرة كنت بقعد جنبه وأحكيله عن الورشة، وعن أمه، وعن أيام طفولته…
ماكانتش أبدًا بلا فايدة.
لأن في أصعب لحظة في حياته…
صوت أبوه كان هو الخيط اللي رجّعه للحياة.
تمت
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى