
— إيه؟!
حسام كمل:
— قالوا إن فيه مراجعة مالية شاملة… وإن كل الصلاحيات بتاعتي اتجمدت.
بصيت له بهدوء.
— لأنك كنت بتستخدم صلاحيات مش من حقك تستخدمها.
صرخ:
— إنتِ السبب!
أمي انتفضت.
أنا رفعت إيدي تمنعه.
— لأ.
وقلت له:
— إنت السبب.
حسام قرب مني بعصبية.
— إنتِ كنتِ بتراقبيني؟
— لأ.
— أمال عرفتِ كل ده إزاي؟
فتحت درج صغير.
طلعت منه فلاشة سوداء.
حطيتها قدامه.
— لأنك كنت بتسيب حاجات كتير وراك.
بص للفلاشة.
— دي إيه؟
— الحقيقة.
اتوتر.
— أي حقيقة؟
— كل مرة استخدمت فيها حسابات الشركة لمصاريف شخصية.
وشه اصفر.
— إنتِ بتتهميني؟
— أنا مش باتهمك.
رفعت الفلاشة.
— أنا بوثق.
الحاجة سامية بصت لابنها.
— حسام… إنت عملت إيه؟
سكت.
لأول مرة ما عرفش يرد.
نهى بدأت تبكي.
— بابا هيطردك؟
الحاجة سامية قالت:
— اخرسي يا نهى.
أما أمي، فكانت واقفة بعيد.
قالت لي:
— يا بنتي، كفاية.
بصيت لها.
— ماما، أنا مش بعمل ده انتقام.
— أمال بتعمليه ليه؟
قربت منها.
— علشان محدش يفتكر إن سكوتنا ضعف.
في اللحظة دي، وصل إشعار على موبايلي.
فتحته.
كان من المحامي.
“المستندات جاهزة للتسليم غدًا.”
حسام لمح الرسالة.
— محامي؟
قلت:
— أيوه.
— بتجهزي للطلاق؟
سكت.
الحاجة سامية بصت لي.
— طلاق؟
قلت:
— أنا لسه ما قررتش.
حسام قرب مني.
صوته اتغير.
— مريم، إحنا ممكن نبدأ من جديد.
نظرت له طويلاً.
— إنت فاكر إن المشكلة بدأت إمبارح؟
ما ردش.
— المشكلة بدأت من أول مرة خليتني أحس إن اللي بعمله أقل من اللي بتعمله.
ثم أشرت إلى أمي.
— ومن أول مرة خليتها تحس إنها ضيفة في البيت اللي كانت بتخدم فيه ابنها خمس سنين.
سكت.
قلت:
— بس فيه حاجة إنت مش عارفها.
— إيه؟
— أمي ما كانتش بتساعدنا ببلاش.
اتعجب.
— إيه؟
— كل شهر كنت بحول لها مبلغ في حسابها.
الحاجة سامية بصت لي.
— يعني؟
— يعني أمي عمرها ما كانت محتاجة فلوس منك.
بصيت لحسام.
— كانت بتساعدني لأن دي بنتها وده حفيدها.
أمي بدأت تبكي.
حسام قال بصوت ضعيف:
— ليه ما قلتيليش؟
— لأنك ما سألتش.
الصمت ملأ المكان.
وفجأة…
رن جرس الباب مرة تانية.
المرة دي كان رجلين واقفين بالخارج.
واحد منهم كان محامي الشركة.
والثاني كان موظفًا يحمل حقيبة سوداء.
الحاجة سامية سألت:
— مين دول؟
المحامي نظر إلى حسام، ثم قال:
— أستاذ حسام، إحنا جايين نسلمك إخطار رسمي.
مد له الظرف.
حسام أخذه بإيد مرتعشة.
فتح الظرف.
قرأ أول سطر…
ثم جلس على الكرسي.
وشه أصبح أبيض تمامًا.
سألته:
— إيه اللي حصل؟
رفع عينيه لي.
وقال بصوت مكسور:
— هما… اكتشفوا كل حاجة.
قلت:
— أي حاجة؟
هز رأسه.
— كل التحويلات.
ثم أضاف:
— حتى التحويل اللي عملته من حساب الشركة قبل شهرين.
سكت.
لأنني كنت أعرف بالضبط أي تحويل يقصده.
لكن حسام لم يكن يعرف أنني كنت أملك نسخة من المستند منذ شهرين.
والأخطر من كده…
إن المبلغ اللي اختفى من حساب الشركة لم يكن أكبر فضيحة.
كان فيه تحويل آخر…
باسم شخص لم يسمع حسام باسمه من قبل.
وفي اليوم التالي…
كانت أمي ستستلم شيئًا لم تتوقعه طوال حياتها.
شيئًا قيمته أكبر من أي مبلغ مالي.
لكن هذا الشيء كان سيكشف سرًا أخفته عنها أنا نفسي لسنوات.
يتبع…
نكمّل، وهنا تبدأ الحقيقة الأكبر في الظهور، وسبب إن مريم كانت ساكتة كل السنين دي.
الجزء الرابع
فضل حسام قاعد على الكرسي، والظرف في إيده.
كان بيبص في الورق كأنه مش قادر يستوعب اللي بيقرأه.
الحاجة سامية قربت منه.
— وريني.
حسام خبّى الورق.
— مفيش حاجة يا أمي.
المحامي قال بهدوء:
— في الحقيقة، فيه حاجة كبيرة جدًا.
وبص لي.
— أستاذة مريم، كل المستندات اللي طلبتيها اتراجعت واتوثقت.
حسام انتفض.
— إنتِ اللي طلبتي التحقيق؟
قلت:
— أنا طلبت مراجعة الحسابات.
— ليه؟
— لأنك استخدمت صلاحياتك من غير إذن.
— وأنا كنت هسد المبلغ!
— بعد ما اكتشفناك؟
سكت.
المحامي كمل:
— بالإضافة إلى ذلك، هناك تحويلات أخرى لم تكن ضمن المصروفات المصرح بها.
الحاجة سامية بصت لابنها.
— حسام… إنت خدت فلوس الشركة؟
— لا يا أمي!
المحامي وضع ملفًا على الترابيزة.
— الأرقام موجودة هنا.
فتح الملف.
كانت قدامه كشوف الحسابات، والتواريخ، وقيمة كل تحويل.
حسام مسك رأسه.
— أنا كنت محتاج الفلوس.
سألته:
— محتاجها ليه؟
ما ردش.
— علشان ديون؟
سكت.
— ولا علشان كنت عايز تبان قدام الناس إنك ناجح؟
رفع عينيه لي.
— أنا كنت بحاول أبني مستقبلي.
ضحكت بحزن.
— وإنت كنت بتبني مستقبلك بفلوس مش بتاعتك؟
لم يرد.
الحاجة سامية بدأت تبكي.
— أنا ربيتك على الحلال يا ابني.
حسام بص لها.
— أنا ما كنتش ناوي أسرق.
المحامي قال:
— النية لا تغيّر المستندات.
ثم التفت إليّ.
— فيه حاجة تانية حضرتك طلبتي مني أجهزها.
مد لي ظرفًا أبيض.
أخذته.
قلت:
— ده لأمي.
الحاجة فاطمة بصت لي باستغراب.
— ليا أنا؟
— أيوه.
— إيه ده يا بنتي؟
ناولتها الظرف.
فتحت ببطء.
طلعت ورقة.
قرأت أول سطر، ثم توقفت.
— إيه ده؟
قلت:
— عقد ملكية.
بصت لي.
— ملكية إيه؟
— شقة.
اتسعت عيناها.
— شقة؟!
— أيوه.
— ليه؟
ابتسمت.
— لأنك من خمس سنين سيبتي بيتك علشاني.
دموعها نزلت.
— مريم، أنا مش عايزة شقة.
— دي مش رشوة يا ماما.
مسكت إيدها.
— دي أقل حاجة أقدر أعملها علشانك.
قالت:
— بس أنا ما عملتش اللي عملته علشان فلوس.
— وأنا عارفة.
حضنتها.
— علشان كده اخترت مكان قريب من بيتنا القديم، وعملت العقد باسمك.
الحاجة سامية كانت واقفة تتابع المشهد في صمت.
أما حسام…
فكان باصص لي كأنه لأول مرة يشوفني فعلًا.
قال:
— إنتِ كنتِ مخططة لكل ده؟
— لأ.
— أمال؟
— أنا كنت مجهزة أمان لأمي.
سكت.
— لكنك إنت اللي اخترت تحوّل الليلة دي لحرب.
في اللحظة دي، رن جرس الباب مرة أخرى.
الحاجة سامية فتحت.
كان رجلًا في منتصف الخمسينيات.
أول ما شفته، اتغيرت ملامح أمي.
قالت بصوت مرتعش:
— إنت؟!
أنا قربت منها.
— تعرفيه؟
الرجل بص لأمي.
— أيوه.
حسام وقف.
— مين ده؟
الرجل قال:
— اسمي محمود.
أمي كانت ساكتة.
الرجل كمل:
— وأنا جاي أرجع لها حاجة كان المفروض توصلها من زمان.
بصيت لأمي.
— ماما؟
محمود طلع ظرف قديم.
— والدتك ما تعرفش إن والدها قبل وفاته كان سايب لها جزء من أرض العائلة.
أمي شهقت.
— مستحيل.
— اتأكدنا من الأوراق بعد وفاة عمك.
ثم أعطاها الظرف.
— الأرض دي كانت محل نزاع سنين طويلة.
الحاجة فاطمة فتحت الظرف.
وكانت المفاجأة…
إن الأرض موجودة فعلًا.
وقيمتها كانت كبيرة جدًا.
لكن أمي لم تكن سعيدة.
بصت للرجل وقالت:
— ليه دلوقتي؟
رد:
— لأن القضية خلصت من أسبوع.
ثم بص لي.
— وبنتك هي اللي تابعت الإجراءات.
حسام اتجمد.
— إنتِ كنتِ متابعة القضية؟
قلت:
— أيوه.
— من إمتى؟
— من حوالي سنة.
— يعني إنتِ كنتِ عارفة إن أمك هترث الأرض؟
— كنت عارفة إن فيه احتمال.
ثم بصيت لأمي.
— بس ما كنتش عايزة أقولك قبل ما أتأكد.
أمي بدأت تبكي.
— ليه خبّيتي عليّ؟
— علشان لو ما رجعتش الأرض، ما أديكيش أمل كداب.
سكتت.
ثم حضنتني بقوة.
حسام كان واقف بعيد.
قال بصوت خافت:
— مريم…
بصيت له.
— إيه؟
— أنا خسرتك.
لم أجب.
— صح؟
قلت:
— لسه ما قررتش.
اقترب خطوة.
— أقدر أصلح كل حاجة.
قلت:
— مش كل حاجة بتتصلح.
— هتديني فرصة؟
نظرت إليه طويلًا.
ثم قلت:
— الفرصة مش كلام.
— أعمل إيه؟




