
وبعدها اتصلت بالمحامي، وطلبت منه يبدأ في التحقق من بيانات العقار في شارع فؤاد.
ماكانش عندي دليل يثبت إن بابا عمل حاجة غلط.
لكن كان عندي سبب قوي يخليني أطلب تفسيرًا واضحًا.
وفي اليوم التالي، وصلتني مكالمة من المحامي.
قال لي إنه توصل إلى بيانات أولية عن العقار، وإنه محتاج يقابلني عشان يشرح لي التفاصيل بعد ما يراجع المستندات المتاحة.
اتفقنا على المقابلة بعد عودتي.
لكن المفاجأة الحقيقية حصلت بعد أقل من ساعة.
وصلتني رسالة من أمي.
كتبت:
«مريم، إحنا محتاجين نتكلم. فيه موضوع مهم بخصوص البيت القديم، وبابا شايف إن الأفضل نقعد كلنا ونتفاهم لما نرجع».
قرأت الرسالة أكثر من مرة.
قبل يومين، كان بابا بيطلب مني أبعد عن الموضوع.
والآن، أمي بنفسها بتطلب إننا نتكلم عنه.
كتبت لها:
«أنا موافقة نتكلم، لكن المرة دي لازم كل حاجة تكون واضحة، وأي كلام عن فلوس أو عقارات لازم يكون مدعوم بأوراق».
ردت بسرعة:
«إنتِ ليه بقيتي بتشكّي فينا بالشكل ده؟ إحنا أهلك!»
ما رديتش.
لأن السؤال الحقيقي ماكانش ليه بقيت أشك.
السؤال كان: ليه لما طلبت تفسيرًا، كل اللي قابلني كان الغضب والخوف ومحاولات إسكاتي؟
—
الفصل الخامس: الحقيقة اللي ظهرت في الأوراق
رجعنا الإسكندرية بعد انتهاء الإجازة.
كانت الأيام اللي قضيتها مع ولادي مختلفة عن الرحلة اللي وعدتهم بيها، لكنها كانت مليانة لحظات جميلة.
زرنا الشاطئ، ولعبنا في أماكن جديدة، وقضينا وقتًا طويلًا مع بعض بعيدًا عن ضغط الشغل.
وقبل ما نرجع البيت، وعدت آدم وليلى إننا هنخطط لرحلة تانية، وإن المرة الجاية مش هنسمح لأي حد يفسد فرحتنا.
بعد يومين، رحت لمكتب المحامي.
كان أستاذ سامح موجودًا، ومعاه ملف فيه نسخ من المستندات اللي قدروا يحصلوا عليها بصورة قانونية.
قعدت قدامهم، وقلبي بيدق بسرعة.
بدأ المحامي يشرح لي إن العقار القديم كان مملوكًا لجدي، وإن بعض المستندات بتشير إلى وجود ترتيبات عائلية ومالية اتعملت على مدار سنوات.
لكن قبل ما يوصل لأي استنتاج، وضح لي إن لازم نفرّق بين الملكية المسجلة، والحقوق الناتجة عن أي اتفاقات أو التزامات مالية.
وبعدين فتح ملفًا ووضع قدامي نسخة من مستند قديم.
كان فيه اسم جدي، واسم بابا، وإشارة إلى اتفاق مالي مرتبط بالعقار.
سألته:
«يعني إيه الكلام ده؟»
رد:
«المستند ده وحده مش كفاية عشان نحدد كل الحقوق، لكنه بيوضح إن فيه تعاملًا ماليًا قديمًا محتاج مراجعة. هنحتاج نطابقه مع بقية المستندات، ونتأكد إذا كان الاتفاق اتنفذ بالكامل ولا لأ».
قلبت الصفحة، ولقيت مستندًا آخر فيه بيانات تحويلات مالية.
بصيت للتواريخ، وحسيت بصدمة.
بعض التواريخ كانت قريبة جدًا من الأيام اللي بابا كان بيتصل بيا فيها ويطلب مني مساعدته ماليًا.
سألت أستاذ سامح:
«هل المبالغ اللي كنت بحولها لبابا ممكن تكون مرتبطة بالعقار؟»
قال:
«لسه ماعندناش دليل يثبت ده. لكن فيه تشابهًا في التوقيت يستحق المراجعة، وده السبب اللي خلانا نطلب مستندات إضافية».
في اللحظة دي، فهمت إن المشكلة مش مجرد إن عيلتي كانت بتطلب مني فلوس كتير.
المشكلة إن فيه معاملات قديمة محتاجة تفسيرًا، وإنّي كنت بساعدهم من غير ما أعرف الصورة كاملة.
لكن المحامي نبهني إلى نقطة مهمة.
قال:
«ماينفعش نعتبر إن لكِ حقًا في العقار لمجرد إنك ساعدتِ والدك ماليًا. لازم نعرف طبيعة كل تحويل، وهل كان هبة أو قرضًا أو مقابلًا لاتفاق محدد. لو فيه مستندات أو رسائل بتوضح الغرض من المبالغ، هتكون مهمة جدًا».
هزيت رأسي.
كنت عايزة أعرف الحقيقة، حتى لو طلعت مختلفة عن اللي تخيلته.
طلبت منهم نسخة من كل المستندات المتاحة، واتفقنا على استكمال المراجعة.
وقبل ما أمشي، سألت المحامي:
«هل ممكن يكون بابا عارف إن فيه حاجة تخصني في الموضوع ده؟»
رد بحذر:
«ده احتمال، لكن ما نقدرش نأكد حاجة من غير دليل. الأفضل إنك تسأليه بشكل مباشر، وتخلي أي اتفاق جديد مكتوبًا وواضحًا».
خرجت من المكتب وأنا حاسة إن الصورة بدأت تتضح، لكن لسه فيه جزء ناقص.
جزء ماكانش ممكن أعرفه غير من بابا نفسه.
—
الفصل السادس: المواجهة اللي اتأخرت سنين
اتصلت ببابا وطلبت منه نقعد في مكان هادي ونتكلم.
في البداية، حاول يتهرب بحجة إنه مشغول، لكن لما قلت له إن المحامي بدأ يراجع مستندات العقار، وافق على المقابلة.
اتقابلنا في اليوم التالي.
دخل بابا المكان، وقعد قدامي من غير ما يبص في عيني.
حطيت الملف على الترابيزة وقلت:
«أنا مش جاية أتهمك بحاجة، يا بابا. أنا جاية أفهم. ليه طلبت مني فلوس طول السنين اللي فاتت، وفيه معاملات مرتبطة بالعقار محتاجة تفسير؟»
اتنهد وقال:
«الموضوع قديم، ومش زي ما إنتِ فاكرة».
قلت:
«طيب، فهمني».
فضل ساكت شوية، وبعدين بدأ يتكلم.
قال إن جدي كان عنده عقار قديم، وإنه بعد وفاته حصلت ترتيبات مالية بين أفراد العيلة.
وبمرور الوقت، دخل بابا في التزامات مالية مختلفة، وبعضها كان مرتبطًا بصيانة العقار ومصاريفه.
ولما دخله قل، بدأ يطلب مني المساعدة.
سألته:
«طب ليه ماقلتليش الحقيقة من الأول؟ ليه كنت بتقول لي إن الفلوس لمصاريف البيت أو العلاج، من غير ما تشرح لي الصورة كاملة؟»
رد بصوت منخفض:
«كنت خايف أقلقك».
بصيت له طويلًا.
«كنت خايف أقلقني، ولا كنت عارف إني لو عرفت التفاصيل، هسألك أسئلة ماكنتش عايز تجاوب عليها؟»
رفع عينيه ناحيتي، لكنه ما ردش.
كملت:
«أنا مش زعلان إني ساعدتك يا بابا. لو كنت محتاج مساعدة فعلًا، كنت هساعدك على قد ما أقدر. أنا زعلان إني كنت بثق في كلامك، وباخد قرارات مالية على أساس معلومات ناقصة».
قال:
«إنتِ بنتي، وأنا عمري ما كان قصدي أضرك».
رديت بهدوء:
«يمكن ماكانش قصدك تضرني، لكن ده مايلغيش إن اللي حصل أثر عليّ وعلى ولادي. وإنت كنت عارف إننا بنعتمد على الفلوس دي في حياتنا».
سكت طويلًا.
وبعدين قال:
«موضوع الرحلة كان قرار غلط. أمك وندى كانوا شايفين إنك هتقدري تعوضي ولادك، وإنهم محتاجين الرحلة أكتر».
ابتسمت ابتسامة حزينة.
«يعني لأنّي أم بتربي ولادها لوحدها، ولأني بعرف أشتغل وأدبر أموري، يبقى من حقي أتحرم من الحاجة اللي تعبت عشانها؟»
ماكانش عنده إجابة.
كملت:
«أنا مش هطلب منك تختار بيني وبين ندى، ولا همنعك تساعد أي حد من ولادك. لكن من النهارده، مش هسمح إن حد ياخد قرارات تخصني أو تخص ولادي من غير موافقتي».
وبعدين دفعت الملف ناحيته.
«المحامي هيكمل مراجعة الأوراق، وأي مبالغ أو التزامات مالية بيننا لازم تتوثق بوضوح. مش هقبل أي اتفاق شفهي تاني».
بابا بص للأوراق، وبعدها قال:
«يعني إنتِ مش واثقة فينا خلاص؟»
أخدت نفسًا عميقًا.
«الثقة مش كلمة بنقولها لبعض يا بابا. الثقة بتتبني من الصراحة، وبتفضل موجودة لما كل واحد يحترم حقوق التاني. أنا مستعدة أصلح علاقتي بيكم، لكن مش هقدر أرجع لنفس الوضع القديم».
قمت من مكاني، وقبل ما أمشي، قلت له:
«أنا بنتك، وهفضل بنتك. لكن ده مش معناه إني لازم أتحمل كل حاجة لوحدي».
ولأول مرة، خرجت من مقابلة مع بابا من غير ما أحس إني مذنبة لمجرد إني دافعت عن نفسي.
—
الفصل السابع: لما رجعت ندى وبدأت المواجهة الحقيقية
بعد أيام قليلة، رجعت ندى من الرحلة البحرية.
اتصلت بيا وطلبت تقابلني.
وافقت، لكن اشترطت إننا نتكلم بهدوء، بعيدًا عن تدخل أمي وبابا.
جت عندي البيت، وقعدت في الصالة.
بدأت كلامها وهي متضايقة.
«مريم، أنا مش فاهمة إنتِ ليه مصممة تحولي موضوع الرحلة لمشكلة كبيرة. إحنا عيلة، والمفروض نقف جنب بعض».
قلت:
«أنا وقفت جنبكم سنين، يا ندى. لكن المرة دي إنتِ أخدتي حاجة تخصني من غير ما ترجعي لي، وبعدها اعتبرتي إن من حقي أتحمل النتيجة وأسكت».
ردت:
«ماما قالت إنك وافقتي قبل كده إننا ننسق الحجز مع بعض».
قلت:
«أنا وافقت إنها تساعد في التنسيق، مش إنها تلغي حجز ولادي وتديهولك».
سكتت لحظة، وبعدين قالت:
«أنا كنت محتاجة الرحلة دي».
سألتها:
«وأنا ماكنتش محتاجاهاش؟ ولادي ماكانوش محتاجينها؟»
ما ردتش.
وبعد شوية، بدأت تحكي عن الضغوط اللي كانت بتمر بيها، وعن المصاريف الكتير، وعن رغبتها في إنها تفرح ولادها.
سمعتها للآخر.
كنت فاهمة إن الحياة مش سهلة، وإن كل واحد فينا عنده مشاكله.
لكن لما خلصت كلامها، قلت لها:
«أنا متفهمة إنك كنتِ محتاجة تفرحي ولادك. لكن مش من حقك تعملي ده على حساب ولادي. كان ممكن نتكلم، ونشوف حل يرضي الكل. إنما إنك تاخدي الحجز، وتسيبيني أواجه الموقف لوحدي، ده شيء مش هقدر أعتبره تصرفًا عاديًا».
نزلت عينيها للأرض.
وبعدين قالت بصوت واطي:
«أنا ماكنتش بفكر في آدم وليلى وقتها».
الجملة دي كانت أول اعتراف حقيقي أسمعه منها.
ماكانش اعتذارًا كاملًا، لكنها على الأقل اعترفت بالحقيقة.




