منوعات

الجزء الثاني والاخير

تاني يوم الصبح، بابا اتصل بيا وطلب مني أروح البيت.

صوته كان مختلف، وكأنه شايل حمل تقيل.

لما وصلت، لقيت ماما قاعدة في الصالة، وندى جنبها، وعينيها وارمة من العياط.

بابا كان قدامه ملف كبير مليان أوراق.

قال لي:

— اقعدي يا مريم. في حاجة كان لازم تعرفيها من زمان، وأنا غلطت لما سكتّ عنها.

قعدت وأنا مش فاهمة حاجة.

فتح الملف وطلع عقد قديم، وبعده مجموعة مستندات تخص شقة العيلة.

قال إن جدّي، قبل وفاته بسنين، كان سايب مبلغًا ماليًا مخصصًا لينا إحنا الاتنين، وإن جزءًا من المبلغ اتصرف على تعليمنا وتجهيز مستقبلنا.

لكن كانت فيه وصية مكتوبة بتوضح إن أي مبلغ متبقّي من نصيبي ونصيب ندى لازم يتوزع بينا بالتساوي.

بصيت له باستغراب.

— وإيه علاقة ده باللي حصل في الفرح؟

بابا نزل عينيه للأرض وقال:

— لما بعنا شقة العيلة، حصل خلاف على جزء من الفلوس. ندى كانت محتاجة مبلغ كبير عشان تبدأ حياتها، وأنا وافقت أديها جزء من نصيبك مؤقتًا، على أساس إنها ترجعه بعد الجواز.

حسّيت إن الكلام مش داخل دماغي.

— إنت عملت إيه يا بابا؟!

ماما تدخلت بسرعة:

— إحنا كنا بنحاول نساعد أختك. هي كانت مقبلة على جواز ومصاريف كتير، وإنتِ الحمد لله عندك شغلك وشقتك.

بصيت لها بذهول.

— يعني عشان أنا تعبت واشتغلت واشتريت شقتي بفلوسي، بقي من حقي أتنازل عن فلوسي كمان؟!

بابا رفع إيده، كأنه بيطلب مني أسمعه للآخر.

— أنا عارف إن اللي عملته غلط. كان لازم آخد موافقتك، وكان لازم أحافظ على حقك. لكني كنت فاكر إن الموضوع هيتحل بسرعة، وإن ندى هترجع الفلوس.

لفّيت ناحية ندى.

— وإنتِ كنتِ عارفة؟

ما ردتش.

كررت السؤال:

— ندى، كنتِ عارفة إن الفلوس دي من نصيبي؟

بدأت تعيط، وقالت:

— أيوه، كنت عارفة.

الكلمة دي وجعتني أكتر من الفستان نفسه.

سألتها:

— طب ليه؟ ليه كنتِ بتعملي فيا كده؟ أنا عمري ما وقفت في طريقك، ولا طلبت منك حاجة تخصك!

ندى مسحت دموعها وقالت بصوت متقطع:

— أنا كنت خايفة. كنت عارفة إن كريم لو عرف إني أخدت الفلوس من غير موافقتك، هيسألني عنها، وأنا ماكنتش عارفة أرجّعها. ولما شفتك بتنجحي في شغلك وبتشتري شقتك، حسّيت إني أقل منك. كنت بحاول أثبت لنفسي وللناس إني أحسن منك.

بصيت لها وأنا مش مصدقة اللي بسمعه.

يعني الموضوع ماكانش غيرة من فستان أو من اهتمام الناس بيا.

كانت بتحاول تقلل مني عشان تهرب من إحساسها بالذنب، وتخلي نفسها دايمًا في مكان أعلى مني.

قلت لها:

— إنتِ ماكنتيش محتاجة تثبتي إنك أحسن مني. كان ممكن تكوني أختي وبس. لكنك اخترتي تاخدي حقي، وبعدها تحاولي تكسّريني قدام الناس عشان محدش يشوف الحقيقة.

ندى نزلت رأسها، وماقدرتش ترد.

أما ماما، فحاولت تبرر الموقف مرة تانية:

— خلاص يا مريم، اللي حصل حصل. إحنا عيلة، ومينفعش تفضلي شايلة من أختك طول عمرك.

بصيت لها وقلت:

— أنا مش عايزة أنتقم من حد. أنا عايزة حقي يرجع، وعايزة محدش يستخدمني تاني بحجة إني البنت اللي بتفهم وبتسامح.

المرة دي، ماطلبتش منهم اعتذار وبس.

طلبت إن كل المستندات تتحط قدام محامٍ مستقل، وإن أي مبلغ يخصني يتراجع بشكل قانوني، وإن أي اتفاق مالي يحصل يكون مكتوبًا وواضحًا وبموافقتي.

بابا وافق، رغم إن وشه كان مليان ندم.

أما ندى، ففضلت ساكتة.

بعد يومين، كريم اتصل بيا.

قال إنه راجع الحسابات والمستندات مع محاسبه، وإنه اكتشف بالفعل وجود مبالغ محتاجة مراجعة وتسوية.

وأكد لي إنه مش هيتخذ قرارًا متسرعًا، لكنه مش هيقبل إن أي حد يستخدم بيانات شخص تاني أو يتصرف في حقوقه من غير موافقته.

أما بالنسبة لندى، فقرر إنه ياخد مسافة منها لحد ما يفهم إذا كانت مستعدة تتحمل مسؤولية تصرفاتها فعلًا.

ماطلبتش منه يسيبها، ولا حاولت أقنعه يسامحها.

قلت له:

— القرار قرارك يا كريم. أنا مش عايزة أكون سبب في خراب بيت حد، لكن كمان مش هقدر أخبي الحقيقة عشان أحافظ على شكل العيلة قدام الناس.

رد عليّ:

— وأنا مش عايزك تحسي إنك مسؤولة عن أي قرار هاخده. اللي حصل نتيجة اختيارات ندى، مش نتيجة إنك اتكلمتي.

بعد أسابيع، اتعملت مراجعة كاملة للمستندات، واتفقنا مع محامٍ على طريقة واضحة لتسوية المبالغ اللي تخصني، من غير ما أتنازل عن أي حق من حقوقي.

ندى اضطرت تواجه مسؤولية تصرفاتها، وبدأت ترجع المبالغ المستحقة على أقساط موثقة، حسب الاتفاق القانوني اللي تم بين الأطراف.

لكن أصعب حاجة عليها ماكانتش الفلوس.

كانت إنها لأول مرة ماقدرتش تستخدم ماما أو بابا عشان يغطّوا على غلطها.

وكريم قرر يأجل استكمال حياته الزوجية معاها، لحد ما يشوف إذا كان ممكن يبني معاها علاقة جديدة أساسها الصراحة والثقة. وبعد فترة من المحاولات والكلام الصريح، قرروا ينفصلوا بهدوء، لأن الثقة بينهم كانت اتأثرت بشكل كبير.

أما أنا، فقررت أبعد شوية عن البيت، وأركّز على شغلي وحياتي.

ماقطعتش علاقتي بأهلي، لكن بطلت أسمح لأي حد يخليني أحس إن الحب معناه إني أتنازل عن نفسي.

وبعد حوالي ست شهور، جالي اتصال من ندى.

كانت المرة الأولى اللي تتصل بيا من غير ما تطلب خدمة أو فلوس أو مساعدة.

قالت بصوت هادي:

— مريم، أنا عارفة إن كلمة آسفة مش كفاية. أنا ظلمتك، وكنت بقنع نفسي إنك تستاهلي اللي بيحصلك عشان أهرب من الحقيقة. مش عارفة إذا كنتِ هتسامحيني يومًا ما، لكن كان لازم أقولك إني غلطت.

سكتّ شوية، وبعدين قلت لها:

— أنا مش عايزة أعيش طول عمري شايلة منك. لكن الثقة مش هترجع بكلمتين، ولازم أفهم إن اللي حصل مش هيتكرر.

ردت:

— أنا فاهمة.

ما رجعناش فجأة أختين زي زمان، وما اتحلتش كل مشاكلنا في مكالمة واحدة.

لكن لأول مرة، بدأ بينا كلام حقيقي من غير تهديد أو تبرير أو محاولة لإجباري على السكوت.

وفي يوم، وأنا براجع تصميم مشروع جديد في مكتبي، بصيت للفستان البرتقالي اللي كنت احتفظت بصورته على موبايلِي.

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

زمان، كنت فاكرة إن قيمتي بتتحدد على حسب نظرة أهلي ليا، وإن لازم أفضل البنت الهادية اللي بتسامح مهما اتجرحت.

لكن اللي حصل علّمني درسًا عمري ما هنساه:

مش كل سكوت معناه ضعف، ومش كل مسامحة معناها إنك تسمح للناس تكرر نفس الأذى.

وأحيانًا، أكتر حاجة بتوجع اللي ظلمك مش إنك ترد له الإهانة، لكن إنك تبطل تسمح له يتحكم في حياتك.

أما الفستان البرتقالي، اللي أختي اختارته عشان تحرجني بيه قدام الناس، فبقى بالنسبة لي رمزًا لحاجة مختلفة تمامًا.

بقى علامة على اليوم اللي بطلت فيه أستأذن عشان أحافظ على كرامتي.

واليوم اللي فهمت فيه إن العيلة مش مجرد أسماء بتجمعها صلة الدم.

العيلة الحقيقية هي اللي تحترمك، وتحفظ حقك، وتفرح بنجاحك من غير ما تحاول تقلل منك.

ومن يومها، كل ما حد يحاول يقنعني إن السكوت عن الظلم هو التضحية اللي لازم أقدمها عشان أحافظ على عيلتي، بفتكر الفستان البرتقالي، وبفتكر إن الحقيقة ممكن تكون مؤلمة، لكنها أرحم بكتير من إنك تعيش عمرك كله في كذبة.

تمت الحكاية. ❤️

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى