روايات وقصص

الجزء الاخير بقلم محمد عبده

كريم اضطر يرتب سكنًا يناسب ظروفه، بعيدًا عن البيت الذي كان فاكر إنه يقدر يحتفظ بيه مهما حصل.

أما العربية، فتم التعامل معاها وفقًا لملكية الشركة والإجراءات القانونية المعتمدة.

واستمرت مراجعة التحويلات غير المفسرة، من غير ما أستعجل اتهام أي شخص قبل اكتمال الأدلة.

وفي يوم، وصلني خطاب من كريم.

كان مكتوبًا بخط إيده.

فتحته، وبدأت أقرأ:

«ليلى،

أنا مش عارف إذا كنتِ هتقرئي الرسالة دي للآخر، لكن أنا محتاج أعترف بحاجة.

طول السنين اللي فاتت، كنت فاكر إن وجودك جنبي مضمون، وإن مهما عملتِ هتفضلي تحاولي تصلحي كل حاجة.

كنت بشوف تعبك في الشغل، وبشوفك بتدفعي مصاريف البيت، وبتساعدي أهلي، وكنت بدل ما أقدّر هذا، بدأت أعتبره أمرًا طبيعيًا.

ولما دخلت نور حياتي، أقنعت نفسي إن من حقي أبدأ من جديد من غير ما أفكر في الطريقة التي هتأذيك بيها.

طلبت منك تخرجي من البيت، وطلبت منك تفضلي تساعدي أهلي، وكأني ما كنتش شايف أن ليكي حياة وحقوق ومشاعر.

أنا خسرت ثقتك، ويمكن خسرت فرصة إني أكون إنسان أفضل جنبك.

مش بطلب منك ترجعي، ولا بكتب علشان أغير قرارك.

أنا بس عايزك تعرفي إنك ما كنتيش السبب في اللي حصل».

خلصت الرسالة، وحطيتها على المكتب.

للحظة، افتكرت الأيام الأولى من جوازنا، لما كنت فاكرة إننا هنكبر سوا، وهنواجه مشاكل الحياة كفريق واحد.

لكن الذكريات الحلوة ما كانتش كفاية علشان تمسح اللي حصل.

أنا ما رديتش على الرسالة.

مش علشان أنتقم منه، لكن لأن الاعتذار، حتى لو كان صادقًا، مش معناه أن العلاقة لازم ترجع زي الأول.

أحيانًا، الاعتراف بالخطأ بيكون بداية التغيير، لكنه مش ضمان أن الشخص الذي اتأذى لازم يدي فرصة جديدة.

بعد مرور عدة شهور، كنت واقفة في مقر شركتي، بتابع مشروعًا جديدًا كنت أجلته فترة طويلة بسبب مشاكل جوازي.

كنت رجعت أركز في شغلي، وأقضي وقتًا مع صحابي، وأخطط لحياتي من غير ما أحس إني مطالبة أحل مشاكل الجميع على حساب نفسي.

وفي يوم، وأنا خارجة من الشركة، شفت كريم واقف بعيد عن البوابة.

قرب مني بخطوات مترددة.

قال:
«ليلى، ممكن أتكلم معاكي دقيقة؟»

وقفت، وقلت:
«اتفضل».

بص لي وقال:
«أنا مش جاي أطلب منك حاجة. أنا بس كنت عايز أقول لك إن حياتي اتغيرت، وإنّي بدأت أفهم حاجات كتير كنت بتجاهلها».

ما رديتش.

كمل:
«كنت فاكر إن الفلوس والبيت هما اللي بيخلوا الحياة مستقرة، لكن اكتشفت أن الاستقرار الحقيقي محتاج احترام وثقة، وأنا ضيعت الاتنين بإيدي».

سألته:
«وإيه اللي خلاك تفهم هذا دلوقتي؟»

رد:
«لما بقيت مضطر أواجه نتائج قراراتي من غير ما يكون فيه حد بيحل كل حاجة مكاني».

هزيت رأسي، وقلت:
«أتمنى تكون اتعلمت فعلًا، علشان ما تكررش نفس الأخطاء مع أي حد تاني».

بص للأرض، ثم قال:
«أتمنى لك الخير يا ليلى».

قلت:
«وأنا أتمنى لك أنك تصلح حياتك، لكن كل واحد فينا لازم يكمل طريقه».

مشيت من غير ما ألتفت ورايا.

ما حسيتش بانتصار على كريم، ولا برغبة إني أشوفه ندمان أكتر.

حسيت بس أن الحمل الذي كنت شايلاه لسنين بدأ يخف.

في المساء، رجعت بيتي الجديد، وفتحت الشباك علشان يدخل الهوا.

عملت لنفسي كوب شاي، وقعدت أراجع خططي للشهور الجاية.

افتكرت الليلة التي خرجت فيها من البيت القديم، وأنا شايلة شنطة صغيرة، ومش عارفة هبدأ منين.

وقتها، كنت فاكرة أن نهاية جوازي معناها أن حياتي اتكسرت.

لكن الحقيقة أن النهاية هذه كانت بداية إني أتعلم أحط حدودًا واضحة، وأفرق بين الحب والتضحية التي ملهاش نهاية، وبين مساعدة الناس والتنازل عن حقي علشان أرضيهم.

أنا ما خسرتش بيتي، لأن البيت الحقيقي مش مجرد جدران وأثاث وعربية فاخرة. أنا خسرت علاقة كنت فاكرة أنها مبنية على الحب، لكني كسبت نفسي من جديد.

وتعلمت أن طيبة القلب مش معناها أنك تسمح للآخرين يستغلوك، وإن التسامح مش معناه أنك ترجع لنفس المكان الذي اتأذيت فيه.

أما كريم، فكان عليه إنه يتعامل مع نتائج اختياراته، ويتعلم أن الثقة لما بتتكسر، مش دايمًا بتتصلح بكلمتين اعتذار.

وفي النهاية، ما كانش أكبر انتصار ليا إني شفته وهو بيخسر البيت والعربية… أكبر انتصار كان إني خرجت من حياته من غير ما أخسر احترامي لنفسي.

لأن أحيانًا، أقوى رد على الذي استهان بيك مش أنك تنتقم منه، لكن أنك تبني حياة جديدة ما يبقاش له فيها أي سلطة عليك.
تمت
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى