
ما رديتش.
كمل:
«أنا اتعودت إنك تحلي كل مشكلة بالفلوس، وإنك دايمًا بتسامحي. ومع الوقت، بدأت أعتبر هذا حق مكتسب ليا، بدل ما أشوفه حاجة بتعمليها من حبك ليا».
رفعت عيني له وقلت:
«وهذا خلاك تفتكر أن من حقك تطردني من بيتي؟»
هز رأسه بالنفي.
«لأ. مفيش مبرر لهذا. أنا كنت فاكر إنك هتتنازلي زي كل مرة، وإنك مش هتسيبي الأمور توصل للمحامين».
سأله الأستاذ حسام:
«طيب، خلينا نرجع للتحويلات. إيه اللي تعرفه عنها؟»
أخد كريم نفسًا طويلًا.
قال إن أمه كانت بتطلب منه في أوقات مختلفة مبالغ إضافية بحجة العلاج أو وجود التزامات مالية عاجلة. وكان هو ينقل لي الكلام، وأنا كنت ببعت الفلوس من غير ما أطلب تفاصيل كثيرة، لأني كنت واثقة فيهم.
وأضاف إنه في بعض المرات كان يعرف أن المبالغ أكبر من المطلوب، لكنه ما كانش بيسأل عن الفرق، وكان بيعتبر أن هذه أمور عائلية تخص والدته.
سأله الأستاذ حسام:
«هل كنت تعرف أن فيه تحويلات لحسابات تانية؟»
تردد كريم، ثم قال:
«عرفت بوجود حسابات تانية من فترة، لكن ما كنتش أعرف كل تفاصيلها. ولما سألت أمي، قالت لي إنها بتسدد التزامات قديمة».
رد المحامي:
«هل عندك مستندات تثبت كلامك؟»
أخرج كريم من حقيبته مجموعة أوراق، وقال إنه احتفظ ببعض الرسائل القديمة اللي كانت والدته بتبعتها له بخصوص الأموال.
بدأ الأستاذ حسام يراجعها، بينما كنت أنا قاعدة ساكتة.
ما كنتش عارفة إذا كان كريم بيقول الحقيقة كاملة، ولا بيحاول يخفف مسؤوليته بعد ما اكتشف أن الأمور مش في صالحه.
لكن للمرة الأولى، كان فيه كلام محدد ممكن نتحقق منه بدل الوعود والاتهامات.
بعد مراجعة أولية، قال الأستاذ حسام:
«المستندات هذه هتساعدنا في فهم بعض التفاصيل، لكن لازم نطابقها مع كشوف الحسابات الأصلية، ونتأكد من صحتها قبل ما نستنتج أي حاجة».
وافق كريم، ثم التفت ناحيتي.
«ليلى، أنا عارف إنك مش هتسامحيني بسهولة. بس أنا عايزك تعرفي إني ما كنتش متوقع أن الموضوع يوصل لكده».
بصيت له وقلت:
«المشكلة أنك ما كنتش بتفكر أصلًا في اللي ممكن يحصل لي. كنت بتفكر في اللي أنت عايزه، وبس».
نزل عينيه للأرض.
ولأول مرة، ما حاولش يجادلني.
بعد اللقاء، استمرت مراجعة المستندات لعدة أيام.
وبمساعدة المحامي، اتجمعت كشوف الحسابات والفواتير والرسائل المتاحة، واتعملت مقارنة بين المبالغ اللي دفعتها والمبالغ اللي أمكن إثبات استخدامها للأغراض المعلنة.
النتيجة كانت أن جزءًا من التحويلات كان له مستندات تدعمه، لكن مبالغ أخرى فضلت من غير تفسير كافٍ، وكانت محتاجة استكمال الإجراءات للتحقق من مسارها والمسؤول عنها.
أما بالنسبة للبيت والعربية، فكانت المستندات الرسمية واضحة: الملكية مسجلة باسم شركتي، ولم يكن اتفاق الطلاق الذي أعده كريم كافيًا وحده لنقلها إليه.
اتخذنا الإجراءات القانونية المناسبة لحماية أصول الشركة، وطلبنا مراجعة أي مطالبات مالية أو حقوق يدعيها أي طرف.
وبعد فترة، اضطر كريم إنه يواجه حقيقة كان رافض يعترف بيها من البداية.
إنه ما كانش يملك البيت لمجرد إنه عاش فيه، وإن استخدامه للعربية ما كانش بيخليه مالكها، وإن طلاقنا ما كانش معناه إنه يقدر يفرض عليّ استمرار الدعم المالي لأهله.
أما الحاجة سعاد، فلما عرفت أن التحويلات بقت تحت المراجعة، حاولت تتواصل معايا أكتر من مرة.
وفي إحدى المكالمات، قالت بصوت مكسور:
«يا ليلى، أنا عارفة إنك زعلانة، بس إحنا عشرة سنين، وما كانش قصدي أخسرك».
رديت بهدوء:
«أنا ساعدتكم لأني كنت فاكرة إنكم محتاجين المساعدة، وكنت بعتبركم عيلتي. لكن الثقة لازم يكون معاها وضوح. أي مبلغ اتدفع لغرض معين لازم نقدر نفهم اتصرف في إيه».
سكتت للحغظات، ثم قالت:
«أنا مش هقدر أرجع الزمن».
قلت:
«ولا أنا. لكن كل واحد لازم يتحمل مسؤولية قراراته».
ما دخلتش معاها في جدال، وما حاولتش أجرحها بكلام قاسٍ.
اكتفيت إني أنهي المكالمة، وأسيب الإجراءات تاخد مجراها الطبيعي.
أما نور، فكانت الصدمة بالنسبة لها أكبر مما توقعت.
كانت فاكرة أنها داخلة حياة مستقرة، وإن كريم قادر يوفر لها بيتًا وسيارة ومستقبلًا مريحًا.
لكن مع ظهور المستندات، بدأت تدرك أن الصورة التي اتقدمت لها ما كانتش كاملة.
وفي إحدى المرات، اتصلت بيا.
قالت بتردد:
«ليلى، أنا عارفة إنك مش مجبرة تسمعيني، بس أنا محتاجة أقول لك حاجة».
قلت:
«اتفضلي».
قالت:
«كريم قال لي إن جوازكم انتهى من زمان، وإنكم كنتوا عايشين كأنكم غرباء. قال لي إن البيت من حقه، وإنك وافقتي تسيبيه له».
فضلت ساكتة.
كملت:
«أنا ما كنتش أعرف أن البيت مسجل باسم شركتك. ولما سألته عن الفلوس، قال لي إنها مساعدات من عندك لأهله، وإنك مش هتوقفيها أبدًا».
سألتها:
«وأنتِ اتصلتي بيا علشان إيه؟»
ردت بصوت منخفض:
«علشان أعتذر. أنا دخلت علاقة من غير ما أفهم الحقيقة كاملة، وكنت بصدق كلامه. مش هقدر أقول إني ما غلطتش، لكن أنا فعلًا ما كنتش أعرف كل التفاصيل».
قلت لها:
«أنا مش هحكم على نيتك، لكن كل واحد مسؤول عن اختياراته. والأهم دلوقتي أنك تفكري في مصلحة الطفل، وإن أي خلاف مالي أو قانوني يتعالج بالطريقة الصحيحة».
أنهينا المكالمة من غير صراخ ولا تبادل اتهامات.
ما كنتش محتاجة أكسب معركة مع نور.
كنت محتاجة أخرج من الدائرة كلها، وأبدأ أعيش حياتي بعيدًا عن الأكاذيب.
بعد أسابيع، بدأت الأمور تستقر.




