
— مساء الخير يا مدام مريم. أنا المستشارة هالة منصور، من الإدارة القانونية لشركة الطيران.
رديت:
— أهلًا بحضرتك.
قالت:
— إحنا بنراجع حاليًا ملابسات تغيير المقاعد، وبنعتذر لحضرتك عن الطريقة اللي تم التعامل بيها. لكن فيه نقطة تانية لازم نتأكد منها قبل الإقلاع.
سألتها:
— إيه هي؟
قالت:
— هل استلمتي أي مستندات من زوجك قبل وفاته، بخلاف الأوراق الرسمية الخاصة بوفاته؟
بصيت للشنطة.
كان جواها وعاء الرماد، وشهادة الحرق، وصورة صغيرة لأحمد وهو شايل ليلى وهي لسه رضيعة.
لكن كان فيه كمان ظرف بني صغير.
ظرف كنت لقيته في درج مكتبه بعد وفاته، وعليه اسمي بخط إيده.
ما كنتش فتحته.
مش لأنني نسيت وجوده، لكن لأنني ما كنتش مستعدة أقرأ آخر رسالة من جوزي.
كنت محتفظة بيه في الجيب الداخلي للشنطة من يوم ما قررت أسافر، من غير ما أقول لحد.
سألت المستشارة:
— ليه بتسألي؟
ردت:
— لأننا تلقينا طلبًا رسميًا للاستفسار عن مستندات مرتبطة بزوجك، لكن الطلب لا يتضمن تفاصيل كافية، وإحنا محتاجين نتأكد من هوية مقدمه والصفة اللي بيتصرف بيها.
قلت لها:
— ومين مقدم الطلب؟
سمعت صوت أوراق بتتقلب على الطرف التاني.
وبعدين قالت:
— الاسم المسجل هو شريف المنشاوي.
حسيت ببرودة تسري في جسمي.
الراجل اللي طلب مقعدينا كان بيدور على حاجة تخص جوزي فعلًا.
لكن ليه؟
وإزاي عرف إني مسافرة؟
وقبل ما أقدر أسأل، أضافت المستشارة:
— فيه نقطة مهمة كمان. الطلب اتقدم من خلال شركة خاصة مرتبطة بمشروع قديم كان زوجك طرفًا فيه، لكننا ما زلنا نتحقق من صحة المستندات.
قلت لها:
— جوزي ما كانش شريكًا في أي مشروع خاص، على حد علمي.
ردت بحذر:
— ممكن يكون فيه تعامل رسمي سابق مش ظاهر في الأوراق العادية. عشان كده، الأفضل ما نستنتجش أي حاجة قبل ما نراجع المستندات.
قفلت المكالمة، وأنا حاسة إن كل ذكرى من حياتي مع أحمد بدأت تظهر بشكل مختلف.
افتكرت آخر أسبوع قضاه في البيت.
كان تعبان جدًا، لكنه طلب مني أجيب له درج مكتبه.
فضل يدور فيه لحد ما لقى ملفًا أسود صغيرًا.
وبعدين بص لي وقال:
— يا مريم، لو في يوم حد سألك عن شغلي القديم، ما توافقيش على أي حاجة قبل ما تستشيري محاميًا تثقي فيه.
سألته وقتها:
— إنت قلقان من حاجة يا أحمد؟
ابتسم ومسح على إيدي.
— لأ، أنا بس عايز أطمن إنك وليلى هتفضلوا في أمان.
ما ضغطتش عليه وقتها.
كنت فاكرة إن التعب والأدوية هما اللي مخليينه قلقان.
لكن دلوقتي، فهمت إن كلامه ممكن يكون كان تحذيرًا.
بصيت لنادية وقلت:
— أنا محتاجة أكلم اللواء فؤاد مرة تانية.
هزت راسها، وساعدتني أوصل للمسؤول اللي كان بيتابع الاتصال.
أول ما سمعت صوت اللواء، قلت له:
— أنا عايزة الحقيقة كاملة. مش عايزة حد يحميني من غير ما أعرف أنا بحمي نفسي من إيه.
رد بصوت متعب:
— عندك حق يا مريم. وأنا غلطان إني ما شرحتش لك من البداية.
سألته:
— إيه علاقة شريف بأحمد؟
قال:
— أحمد كان مسؤولًا عن مراجعة ملف مالي حساس قبل ما يخرج من الخدمة. الملف كان متعلقًا بتعاقدات قديمة، وفيه مستندات كشفت اختلافات كبيرة بين التقارير الرسمية والبيانات اللي قدمتها إحدى الشركات المتعاقدة.
سألته:
— وشريف كان طرفًا في الموضوع؟
— الشركة اللي كان بيمثلها كانت من الشركات اللي اتراجعت حساباتها. لكن ما أقدرش أقول إن شريف ارتكب مخالفة، لأن ده محتاج أدلة وتحقيق رسمي.
قلت:
— طب إيه علاقة الشنطة بكل ده؟
رد:
— إحنا مش متأكدين إن الشنطة فيها أي مستندات أصلًا. لكن فيه معلومة وصلت لنا إن أحمد احتفظ بنسخة من بعض الأوراق قبل وفاته، وإن حد بيحاول يعرف إذا كانت موجودة عندك.
نظرت إلى الظرف البني الصغير داخل الشنطة.
هل ممكن يكون أحمد ترك فيه مستندات تخص الملف ده؟
وهل كان ده السبب اللي خلاه يكتب اسمي على الظرف؟
سألته:
— يا سيادة اللواء، هل أحمد قال لك أي حاجة عن رسالة تركها لي؟
رد بسرعة:
— رسالة؟ لأ. أول مرة أسمع عن رسالة.
قبل ما أتكلم، سمعنا صوت حركة في مقدمة الطيارة.
كان شريف واقف بيتكلم مع موظف آخر، وباين عليه الغضب.
وبعدين قرب من المسؤول وقال:
— أنا عايز أنزل من الطيارة.
المسؤول استغرب.
— حضرتك كنت مستعجل جدًا على الإقلاع من شوية.
شريف رد:
— غيرت رأيي.
في اللحظة دي، نادية بصت لي نظرة سريعة.
ما قالتش حاجة، لكن إحنا الاتنين فهمنا إن مغادرته المفاجئة، بعد ما عرف إن الإدارة القانونية دخلت على الخط، تستحق التساؤل.
المسؤول أبلغه إن إجراءات النزول لازم تتم وفق قواعد السلامة، وإنه مش هيقدر يتحرك فورًا من غير تنسيق مع طاقم الرحلة.
شريف رجع لمقعده، لكنه بدأ يتكلم في الموبايل بصوت منخفض.
أما أنا، ففتحت الجيب الداخلي للشنطة وأخرجت الظرف البني.
كان عليه اسمي بخط أحمد.
«إلى مريم، لو جه اليوم اللي بقيتي فيه محتاجة تعرفي الحقيقة.»
إيدي كانت بتترعش.
ليلى بصت لي وسألت:
— يا ماما، دي رسالة من بابا؟
هزيت راسي.
— أيوه يا حبيبتي.
سألتني:
— هتقريها؟
بصيت لصورة أحمد الصغيرة، وحسيت كأنه قاعد قدامي، بنفس ابتسامته اللي كانت بتطمني كل ما الدنيا تضيق.
قلت لها:
— أيوه. أعتقد إن الوقت جه.
فتحت الظرف بحذر.
كان جواه خطاب قصير، ومفتاح معدني صغير، وكارت مكتوب عليه رقم خزنة في بنك بمدينة الإسكندرية.
بدأت أقرأ الخطاب.
«مريم حبيبتي،
لو وصلتي للرسالة دي، فده معناه إن فيه حاجة حصلت خلتك محتاجة تعرفي جزءًا من حياتي كنت أتمنى ما يسببلكيش أي وجع.
أنا ما كنتش شريكًا في أي شركة، وما كنتش بجمع فلوس أو مستندات لنفسي. لكن خلال عملي، اكتشفت إن فيه أوراق مهمة ممكن تساعد في كشف الحقيقة عن تعاقد قديم.



