
احتفظت بنسخة من بعض المستندات في مكان آمن، بعيدًا عن أي جهة ممكن تتأثر بالموضوع.
أنا ما حبيتش أحملك همّ حاجة مش من مسؤوليتك، خصوصًا بعد ما عرفت بمرضي.
لو حد حاول يوصل للأوراق دي، ما تتصرفيش بناءً على كلام أي شخص، مهما كانت رتبته أو منصبه.
روحي للخزنة بنفسك، ومعاكي محامٍ مستقل تثقي فيه.
وأهم حاجة، يا مريم، افتكري إن الحقيقة مش بتتغير لمجرد إن حد عنده سلطة أكبر أو صوت أعلى.
خلي بالك من ليلى.
وخلي بالك من نفسك.
أحمد.»
خلصت الرسالة، ودموعي نزلت من غير ما أحس.
ما كانش خطاب اعتذار، ولا تفسيرًا لكل حاجة.
لكنه كان آخر كلام من الراجل اللي عشت معاه سنين، واللي حتى وهو بيواجه الموت، كان لسه بيفكر إزاي يحميني ويحمي بنتنا.
مسحت دموعي، ورفعت عيني ناحية مقدمة الطيارة.
شريف كان لسه قاعد مكانه، لكن لما شاف المفتاح في إيدي، وشه اتغير.
اتغير لدرجة إني بقيت متأكدة إنه عارف بالضبط المفتاح ده بيفتح إيه.
وفي اللحظة دي، نادية قربت مني وهمست:
— مريم، فيه حاجة لازم تعرفيها قبل ما تقرري هتعملي إيه.
بصيت لها.
قالت:
— شريف المنشاوي مش مجرد راكب طلب مقعدين. أنا سمعت اسمه قبل كده في اجتماع داخلي للشركة، وكان فيه تعليمات بخصوص التعامل مع طلباته.
سألتها:
— تعليمات من مين؟
ردت:
— مش متأكدة. لكن اللي أعرفه إن الطلبات اللي بتجيلنا باسمه كانت بتتحول مباشرة لمسؤول كبير، من غير ما حد يناقش تفاصيلها.
وبعدين بصت للمفتاح في إيدي وأضافت:
— واللي مخوفني إن الشخص اللي اتصل من مكتب البوابة قبل الإقلاع، وطلب تغيير مقاعدك، استخدم نفس الرقم الداخلي اللي كان بيظهر في التعليمات دي.
ضمّيت المفتاح في إيدي.
دلوقتي بقى عندي رسالة من جوزي، ومفتاح لخزنة في بنك الإسكندرية، واسم رجل كان واضح إنه بيحاول يوصل لحاجة تخص أحمد.
لكن السؤال اللي ما قدرتش أجاوب عليه كان أصعب من كل ده:
هل الأوراق اللي في الخزنة هتكشف حقيقة ظلمت جوزي، ولا هتفتح بابًا لمشكلة أكبر كنت طول عمري بحاول أبعد بنتي عنها؟
ما كنتش أعرف الإجابة.
لكن كنت عارفة حاجة واحدة.
مش هسمح لحد ياخد مني حقي، أو يخوف بنتي، أو يقرر بدلًا مني إيه اللي من حقي أعرفه عن جوزي.
وفي اللحظة اللي قررت فيها أواجه الحقيقة، أعلن قائد الطائرة عبر مكبر الصوت إن الإقلاع هيتأخر بسبب مراجعة إدارية طارئة.
وبعد أقل من دقيقة، وصل للمسؤول ظرف مختوم من مكتب الشركة.
فتح الظرف، وقرأ الورقة اللي جواه.
وبعدين رفع عينيه ناحيتي وقال:
— يا مدام مريم، فيه طلب رسمي وصل دلوقتي بخصوص الشنطة اللي معاكي.
سألته:
— طلب من مين؟
بص للورقة مرة تانية.
ثم قال:
— من الشخص اللي وقّع على قرار تغيير مقاعدك من البداية.
والاسم المكتوب تحت التوقيع كان اسمًا لم أكن أتوقع أن أراه أبدًا.
يتبع في الجزء الخامس…
### الجزء الخامس والأخير: الحقيقة اللي رجّعت كرامتي وكرامة جوزي
بصيت للمسؤول وأنا مش قادرة أصدق اللي سمعته.
— مين الشخص اللي وقّع على القرار؟
فضل ساكت لحظات، وبعدين مد لي الورقة.
كان مكتوب فيها اسم اللواء المتقاعد فؤاد البدري، نفس الشخص اللي اتصل بيا من شوية، واللي قال إنه بيحاول يحميني من حد بيدور على حاجة تخص أحمد.
حسيت إن كل حاجة اتلخبطت جوايا.
إزاي فؤاد، اللي وقف جنبنا يوم جنازة أحمد ووعدني إنه مش هيسيبني أنا وليلى لو احتجنا مساعدة، يكون هو نفسه الشخص اللي أصدر قرار نقلنا من مقاعدنا؟
بصيت لنادية وقلت:
— أنا مش فاهمة حاجة. هو قال لي إنه بيحاول يحميني، ودلوقتي اسمه موجود على قرار نقلنا!
نادية أخدت الورقة، وراجعت التوقيع ورقم المعاملة.
— لازم نعرف إذا كان ده توقيعه فعلًا، ولا حد استخدم اسمه من غير إذنه.
في اللحظة دي، رن الموبايل اللي مع مسؤول الرحلة.
كان اتصالًا جديدًا من إدارة الشركة.
رد المسؤول، وفضل يسمع من غير ما يقاطع المتحدث.
وبعدين قال:
— حاضر، هنوقف أي إجراء لحد ما نتأكد من المستندات.
قفل المكالمة وبص لي.
— الإدارة طلبت عدم تسليم الشنطة لأي شخص، وعدم اتخاذ أي إجراء بخصوص محتوياتها قبل التحقق من الطلب وهوية مقدمه.
قلت له:
— أنا مش هسلم الشنطة لأي حد. دي فيها رماد جوزي، وحاجات شخصية تخصني.
رد باحترام:
— وده حقك يا مدام مريم. إحنا مش هنطلب منك تسليمها لمجرد إن فيه طلب وصلنا.
لأول مرة من بداية الموقف، حسيت إن فيه حد بيتكلم معايا باعتباري إنسانة ليها حقوق، مش مجرد راكبة ممكن نقلها من مكان لمكان عشان ترضي شخصًا تاني.
لكن السؤال اللي كان شاغلني لسه موجود.
هل فؤاد هو اللي خان ثقتي، ولا فيه حد بيستخدم اسمه؟
قررت أتصل بيه بنفسي من رقم كنت محتفظة بيه من أيام أحمد.
رد بعد رنتين.
قلت له من غير مقدمات:
— يا سيادة اللواء، أنا شفت الورقة اللي عليها اسم حضرتك.
سكت.
وبعدين قال:
— كنت خايف إن الورقة دي توصل لك بالطريقة دي.
حسيت بغضب شديد.
— يعني حضرتك كنت عارف؟ إنت اللي طلبت نقل مقاعدي أنا وبنتي؟
رد بسرعة:
— أيوه، أنا وافقت على طلب مراجعة الحجز، لكن ما طلبتش إنك تتعرضي للإهانة، ولا طلبت إن حد ينقلك من غير ما يشرح لك السبب.
قلت له:
— لكن اسم حضرتك موجود على القرار!
قال:
— لأنني طلبت وقف أي إجراء متعلق بالحجز لحين التأكد من هوية الشخص اللي قدم طلب الاستفسار عن أوراق أحمد. لكن حد استخدم التعليمات دي بطريقة مختلفة تمامًا.
سألته:
— مين الشخص اللي قدم الطلب؟
رد:
— شريف المنشاوي.
بصيت ناحية المقعد اللي كان شريف قاعد فيه، لكن لقيته واقف وبيتكلم مع أحد أفراد الطاقم.
فؤاد كمل كلامه:
— يا مريم، أنا ما كنتش عايز أخوفك، لكن لازم تعرفي إن فيه مراجعة رسمية قديمة مرتبطة بشركة كان أحمد بيتابع ملفها قبل خروجه من الخدمة. بعد وفاته، ظهرت معلومات إن فيه نسخة من مستندات مهمة ممكن تكون موجودة عند أحد أفراد أسرته.
قلت له:
— وليه ما قلتليش الكلام ده من البداية؟
تنهد وقال:
— لأنني ما كنتش متأكد إن المستندات عندك، ولأنني ما كنتش عايز أتهم أي حد من غير دليل.
رديت عليه:
— لكنك سمحت إن اسمي واسم بنتي يدخلوا في موقف زي ده، من غير ما حد يشرح لنا حاجة!
سكت طويلًا.
ثم قال:
— عندك حق. وأنا آسف.
كانت دي أول مرة أسمع فيها فؤاد يعترف بخطئه.
لكن الاعتذار وحده ما كانش كفاية.
قلت له:
— أنا مش هسلم أي مستند لأي حد، حتى لو كان الشخص ده إنت. جوزي كتب لي تعليمات واضحة، وأنا هالتزم بيها.
رد:
— وده حقك. روحي للخزنة مع محامٍ مستقل، وخلي كل حاجة تتم بشكل رسمي.
قفلنا المكالمة.
وبعد دقائق، وصل مسؤول من إدارة الشركة إلى الطائرة، ومعاه موظف من الشؤون القانونية.
طلبوا من شريف المنشاوي يفضل في مكانه لحد ما يخلصوا مراجعة طلب تغيير المقاعد.
شريف اعترض في البداية، وقال إنه ما ارتكبش أي مخالفة، وإنه مجرد راكب طلب مقعدًا أفضل.
لكن المستشارة هالة منصور وضحت له إن المراجعة مش اتهامًا، وإن الشركة محتاجة تعرف مين قدّم طلبًا أدى إلى تغيير حجز مؤكد، وعلى أي أساس تم تنفيذه.
وبعد مراجعة سجل الحجز والاتصالات الإدارية، ظهرت الحقيقة الأولى.
شريف كان قد طلب المقعدين الأماميين بحجة وجود اجتماع عاجل بعد الوصول، لكنه لم يكن لديه أي أولوية تسمح له بأخذهما من راكبين آخرين.
أما تعليمات فؤاد، فكانت تطلب مراجعة الطلب والتأكد من هويته، ولم تتضمن أمرًا صريحًا بحرماننا من مقاعدنا.
الموظف المسؤول عن تنفيذ التغيير اتخذ قرارًا سريعًا من غير ما يتحقق من الحجز الأصلي، ومن غير ما يقدم لنا تفسيرًا واضحًا.




